ما يحدث في لبنان

هدية رايس المسمومة!

null
طلال سلمان
تهاطلت «الهدايا» على لبنان مع الانتخاب المتأخر عن موعده للعماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية، وسط تظاهرة دولية غير مسبوقة: جاءت فرنسا كلها برئاستها وحكومتها ومعارضاتها (وإن غابت السيدة الأولى الأكثر إغراء وغواية)… وتلاقت في أفياء مجلسه النيابي السعودية مع إيران، ومصر مع سوريا، وشرق أوروبا مع غربها، والمعارضة مع الموالاة، والحكومة التي انتهت مدة صلاحياتها مع المجلس النيابي العائد إلى الحياة بعد إغماءة طويلة..
على أن أغلى «الهدايا» وأعظمها قيمة تمثل في هبوط وزيرة الخارجية الأميركية السيدة رايس من عل وبين يديها الكنز الذي لا نظير له: مزارع شبعا!
لا هي اهتمت لواقع الاحتلال الإسرائيلي لهذه المزارع التي باتت تتمتع بشهرة دولية، والتي تردد ذكرها في ردهات المحافل الدولية ومعها أسماء أهاليها الطيبين والبسطاء بمن فيهم الرعاة الذين يجوبون غاباتها مع قطعانهم التي لا تعترف «بالحدود» الملغمة، والذين وجدوا أنفسهم ـ فجأة ـ موضع رعاية مجلس الأمن الدولي وقراراته الخطيرة!
.. ولا هي (السيدة رايس) توقفت أمام الإشكالات «القانونية» المتصلة بملكيتها، ولا بخرائط «الطابو»، ولا بالجدل الذي كانت أدارتها فيه طرفاً حول «لبنانية» هذه المزارع أو «سوريتها»، وهو الجدل الذي استثمرته الموالاة لمدة سنتين أو أكثر في حملتها المنظمة على «الأطماع السورية في الأراضي اللبنانية»..
لقد تعهدت السيدة رايس، وكلمتها هي الكلمة، بأن تعيد هذه المزارع إلى السيادة اللبنانية، ولو تحت علم الأمم المتحدة، وقبل أن تغيب شمس الإدارة الأميركية الحالية.
على هذا كان منطقياً أن يفرض السؤال نفسه: لماذا الحكومة الجديدة؟ بل لماذا الحكومة في لبنان أصلاً! ها إن لديكم رئيساً للجمهورية انتخب بما يشبه الإجماع، ورئيساً للمجلس ثابتاً لا يحول ولا يزول ورئيساً مكلفاً بتشكيل حكومة يغني بشخصه عنها… لقد كان الاعتراض على حكومته السابقة أنها «بتراء»، فما الاعتراض الآن وهي من شخصه وحده؟! والمحادثات، بالتالي، أكثر صراحة وأفعل وأيسر. الكثرة ثرثرة، والثرثرة مضيعة للوقت. وبدل إضاعة الوقت في الثرثرة تفضلوا فخذوا مزارع شبعا. ولا عليكم من إسرائيل نحن سنتولى علاجها لتبرأ من «مرض احتلال أراضي الغير». خذوا كل ما تطلبون. خذوا ما يدهش العالم وأعطونا رأس التنظيم الإرهابي الذي يقض مضاجعنا جميعاً: «حزب الله» وسلاحه المدمر!
لا تهتموا لموقف إسرائيل. ما همكم إن كانت حكومتها إلى سقوط! ما همكم إن كانت زعامتها تتبادل الاتهامات بالفساد وخراب الذمة؟! هذه من أمراض العصر… إن كان بين من حكموا في لبنان أو حتى في أميركا من لم يصب بمثل هذه الأمراض فليرشقها بحجر! هي ستنسحب ولو كانت بلا حكومة وبلا كنيست وبلا رئيس أيضاً!
أرأيتم لماذا عليكم أن تؤخروا، بل أن تسقطوا من تفكيركم موضوع تشكيل الحكومة! إننا نعمل لأجلكم، ونريد خيركم! والحكومة جلابة شرور. إن حديثها يوقظ الفتنة النائمة… والمفاوضات حولها أصعب من الملف النووي الكوري.. فانسوها وانصرفوا إلى أعمالكم! أعدوا أنفسكم لتمضية فصل الصيف في الأرض البكر: مزارع شبعا! لقد انتزعنا من إسرائيل الوعد بالجلاء! تعرفون أن إسرائيل إذا وعدت وفت بوعدها!
أليس هذا المنطق الأميركي الصريح والمباشر مبرراً كافياً لصرف النظر عن تشكيل حكومة سبقت «الفيتوات» توزيع الحقائب فيها، واشترط المشترطون «إقالة» وزير الدفاع منها قبل صدور المرسوم بتعيينه؟! ثم إن هناك من طالب بحقيبة المواصلات حيث مكمن السر، والسر أخطر من أن يسلم للمتطرفين من «أهل الإرهاب»! كما أن المالية «ملك خاص» فكيف يطمع بالاستيلاء عليها من لا يملكها؟ والداخلية «وقف خاص»، أما الخارجية فمشاع أو جائزة ترضية لمن يرتضي باللقب لأن «الوزارة» فعلياً في السرايا.
اتفاق الدوحة على الراس والعين. ولكنه اقتصر على المبادئ، وأهمل التفاصيل وها هي الشياطين تطل من التفاصيل، حتى إنها أزعجت ملك الأردن، كما قال في مقابلته في «السفير» أمس، إذ اعتبر «أنها بداية جيدة… لكن التساؤلات كثيرة»؟!
وهكذا فإن «النقاش» الذي كان مفتوحاً قبل زيارة السيدة رايس لم يعد له أي معنى بعد زيارتها الميمونة، بل لقد أعيد تصحيح جدول الأعمال: نقطة البداية هي سلاح «حزب الله»!. لا بد من شطبه من المعادلة السياسية، أولاً، ثم بعد ذلك نفكر بالحكومة؟! كيف تعيش حكومة منتخبة ديموقراطياً في ظل التهديد بالسلاح؟! إنها لن تكون حرة في قراراتها، والتجربة ما تزال حية في الأذهان، حين أجبرت الحكومة المنتهية صلاحيتها على التراجع عن قرار سيادي اتخذته.. ديموقراطياً، وبالتصويت علناً وعبر المناداة بالأسماء!!
لا تلزم لبنان حكومة. إنها لزوم ما لا يلزم. بل إنها جلاّبة مشاكل، وولاّدة أزمات، ومنبع للفتن التي تتوالد من ذاتها.
ثم إن الديموقراطية أعز من أن توظف لمصلحة الأغراض الخاصة.. خصوصاً أن الأكثريات الصغرى تذوب في الأكثرية الكبرى، وإلا كان المطالِب بحصة تتناسب مع «أكثريته» طائفياً وساعياً في خدمة الإرهاب!
وشكراً للسيدة رايس التي حلت لنا اللغز الذي لم يفهمه قبل قدومها الميمون أي لبناني، والذي كان يتمثل في التساؤل الملح: ما الذي يعطل تشكيل حكومة عمرها في القصر حتى بعد غد العصر؟!
الآن عرفنا الجواب: في البدء استعادة مزارع شبعا… ثم تكون الحكومة المنتخبة ديموقراطياً، وبعدها تكون بداية العهد الجديد!
.. ومع مزارع شبعا تكون حكومة العراق المنتخبة تحت الاحتلال الأميركي قد أنجزت فأبرمت الاتفاقية الأمنية لتشريع الاحتلال وتأكيده!
و… اللهم إننا لا نسألك رد القضاء، بل نسألك اللطف فيه!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى