صفحات مختارةفلورنس غزلان

بين التنوع والتسامح

فلورنس غزلان
رغم الانتشار السريع للخبر في الأعوام الأخيرة عبر وسائل التكنولوجيا والمعلوماتية الحديثة” تلفزيون ، صحافة ألكترونية” ،التي مهما سعت بعض الدول الاستبدادية إلى منعها والحيلولة بين المواطن وبينها لكنه يستطيع بطرق شتى الوصول إليها، كنت أعتقد أنه مع انتشار هذه الوسائل وصعود نسبة المستَخدِمين لها،  يمكن لها أن تؤثر ايجاباً لا سلباً على العلاقات الإنسانية وبالتالي الوطنية ، فترفع من سقف الوعي وسقف المواطنة السليمة بغض النظر عن تأثير السلطات السلبية وخطابها وديماغوجيتها المفضية لمصلحة بقائها رغم الثمن الباهظ الذي يدفعه المواطن وبالتالي الشعب من تردي للحال المجتمعية ولعلاقات الفرد بأخيه وجاره ، ومن ثم بالإنسان الآخر خارج نطاق حدود الوطن، لكن المفاجيء بالأمر ومن خلال ملاحظاتي المستمرة لما يطالعني من قراءات وتعليقات…أجد أن هذه العلاقات تزداد سوءاً وانحداراً وتأخذ منحى التعصب والانغلاق بدلاً من الانفتاح والتسامح، أي أن ثورة الإتصالات وحداثة التكنولوجيا وصلت فعلاً لبيوتنا لكنها لم تصل لعقولنا، ولم تعمل على نمو وتطور التواصل الثقافي الإنساني والاستفادة من الكم والنوع الهائل ، الذي تقدمه الحضارة الإنسانية يومياً لتحديث العقل وتطويره لما فيه خير الفرد وخير الإنسانية، إن عرف كيف ومن أين يستقي مصادرها…لكني على يقين أنه لو تناولها عشوائياً فإنها ستمنحه ــ على الأقل ــ القدرة على المحاكمة والمناقشة والمحاورة والمقارنة  والانفتاح على الآخر…لكن الملاحظ هو العكس تماماً…فقد أدى هذا الانفتاح إلى ارتفاع جدران العزل والتقوقع على الهوية والذات مادون الوطنية..باعتبار أن مايصدره هذا الآخر مكرس خصيصاً لتهديد هذه الهوية ..لدرجة أن الكثير من المثقفين والكتاب العرب، بما فيهم بعض اليساريين ــ خاصة القوميين والاسلاميين منهم ـ يسقطون في خطاب التآمر من الآخر ولحماية( الهوية والثوابت الوطنية)، علينا محاربة هذا القادم من خلف البحار…إن كان ثقافة أم سياسة أم اقتصاد…لكنه لايمنع الاستفادة من مكتشفات العصر ووسائله الحديثة!…ناهيك عن مقدار تردي علاقات المواطنة داخل حدود الوطن فالهوية والخوف عليها لاتعني الهوية الوطنية والتعصب الأعمى لها فقط…بل تتعداها لتنحدر إلى مادونها فيصبح الدفاع عن الهوية المذهبية ، والهوية الإثنية والعشائرية والمناطقية هي الطافية على سطح التعصب مع اكتسابها غالب الأحيان مسوحاً سياسياً يغلف بشاعة التعصب وإنغلاق العقل على المختلف بلونه وعرقه وتفكيره ومن ثم انتمائه…فيقف الفرد موقفاً عدائياً يحاكم ويتهم ويخون هذا المختلف…دون حتى أن يكلف نفسه إلى الدخول في حوزته للتعرف إليه عن كثب وسبر أغواره الفكرية وطروحاته السياسية أو الثقافية!….لماذا كل هذا الانغلاق وكل هذا الانحصار داخل قفص الهوية المُذَّهب  وتحويلها إلى مقدس يخشى أن يخدش مترافقاً بالاحساس المستمر بخوف من الآخر يترصد به ؟!!…ألا تحمل هذه الهوية من التراث والتاريخ واللغة والعلاقات والتضحيات مايكفيها لتحمي نفسها؟ !…لماذا نخشى دخول العالم وعولمته إلى حد الرعب…يساراً أم يميناً؟!
في المقابل يطالعنا الموقف من ( التسامح) المرتبط منطقياً بالموقف من التنوع سواء بمعناه الفردي أو الجمعي…أخص بالذكر ماطرحه قبل فترة ” أدونيس”…باعتباره أن كلمة تسامح تعني فوقية الآخر المتسامح وعدم مساواته بالمُسامَح!…كيف يمكنني أن أفتح صفحة جديدة وألتقي مع جاري ، صديقي، أو زميلي في العمل بعد شجار أو اختلاف ما؟ إن لم أمتلك القدرة والثقافة التي تمكنني من الغفران والتسامح؟ هل يعني هذا ترفعاً وتعالياً مني، وتصوري أني أرفع قدراً أو درجة اجتماعية ما عمن أخطأ بحقي؟ باعتقادي أن المتعالي هنا…هو من يعتقد أنه أكبر من الخطأ وأنه لايمكنه أن يخطيء يوماً وينتظر من الآخر بالمقابل أن يكون متسامحاً معه…وإلا كيف تبنى علاقات الجيرة والمحبة والتواصل بين الأفراد في حي من الأحياء، أو في الجامعة ومكان العمل مع اختلاف انتماءاتهم العشائرية أو الطائفية؟أين نحن من ثقافة التسامح وقبول الآخر حين نكتشف حجم وهول الجرائم اليومية وبشاعتها ” حادثة كترمايا في لبنان ،  حوادث الثأر المرعبة في محافظة إدلب وحلب، وحوادث قتل الأخ لأخيه والابن لأمه وخالته وجرائم الشرف واغتصاب المحارم” …أما على الصعيد الجمعي ــ وهنا أفهم مغزى أدونيس المتخفي خلف الموقف الفلسفي للتسامح باعتباره تعالياً من أكثرية تجاه أقلية، هذا يتفق مع المفكر الكبير ” فولتير” لكن بيننا وبينه قرنين من الزمن ، تسامح أكثريته الكاثوليكية مع الأقلية البروتستنتية انتهى مفعولها اليوم لأن النظام العلماني الفرنسي ساوى بين المواطنين  أمام قانون موحد وفصل الدين عن الدولة، مما أنهى معنى أكثرية وأقلية إلى غير رجعةــ أما في مجتمعاتنا،  فيمكنني أن أتفق مع أدونيس من باب طبقي وليس من باب أقلية وأكثرية، فعندما تكون السلطة بيد أقلية برجوازية جديدة فرضت نفسها من خلال قوة عسكرية أصبح لها مصلحة اقتصادية في بقائها في السلطة،  فباعتقادي أن التسامح سيأخذ بعداً نسبياً مموهاً بغلاف أخلاقي غالباً مايقف إلى جانب النظام القائم وفي خدمته ، لأن مصلحته الطبقية والاقتصادية تفرض عليه موقفاً متماهياً مع نظام يقمع الحرية الفردية والجمعية….لأن ترابط الإنسان مع محيطه ينطلق من خلال نشأته التربوية وثقافته الموروثة والمكتسبة ومن خلال علاقاته الاقتصادية وصيانة حقوقه وحماية كرامته….فعندما تنعدم حرية المواطن وينعدم دوره الفاعل داخل مجتمعه يترافقان مع شعور بالتبعية تفرض عليه الطاعة العمياء دون إبداء رأي، أو الأخذ برأيه وإشراكه في الحياة العامة في وطن يعيش فيه بينما تنمحي داخل إطاره كينونته وتغلق أمامه طرق الإبداع والتعبير ، يصبح حينها الفرد مجرد آلة تنفذ ولا تعترض، تفعل ولا تنفعل ، ترتهن للحاكم وللسلطة ودوائرها ، حينها تصبح علاقاته مطبوعة بالزيف والتملق ويتقوقع على خليته ” الطائفة ، العشيرة” لتصغر هويته الوطنية وتنحدر فكيف يمكن لهذا المواطن” المُستَعبَد ” أن يشكل نواة لمجتمع تسود فيه العدالة والإخاء وتبنى فيه علاقات  تقوم على المساواة؟…كيف يمكن للمعادلة أن تستوي ــ حسب رؤية أدونيس ــ ، حين تنتفي الحقوق ودولة القانون ويسيطر استبداد أقلية ترفض التسامح مع أكثرية الشعب، الذي لم يختر سلطتها ولم يستشربهبوطها وراثياً فوق رأسه؟! …لكن هذا الشعب المقموع ــ مع ذلك ــ مستعد للتسامح من أجل الوطن…كيف نفسر تسامح المظلوم سياسياً لأنه عبر عن رؤية مختلفة وعن فكر مغاير لسلطة الاستبداد وسامح جلاده وقبل بمصالحة وطنية، على أن يسود قانون يحمي الجميع ويتساوى أمامه كل أفراد المجتمع بغض النظر عن هوياتهم المذهبية إن كانت أقلية أم أكثرية؟…كيف يطغى حينها تسامح الأكثرية وعدم تساويه مع تسامح أقلية امتلكت زمام السلطة وترفض الاعتراف بالآخر( الأكثرية )؟!!، ــ وهنا لا أقصد فقط أقلية مذهبية وإنما كذلك سياسية حزبية مغلقة على حزب قائد أو أسرة حاكمة تمنح نفسها حق القداسة من المحكومين، علماً أن هذه السلطة ترفض أي تعديل وأي تغيير على طريقة إدارتها لشؤون الدولة وعلى طريقة تعاملها مع الفرد المواطن ومع المجتمع بكليته، لهذا تمسك بيدها خطوط الدولة قانونياً، فلا استقلال لقضاء ولا احترام لحق ..وهذا مايدفعها للتوافق مع سلطات دينية مذهبية وسلطات مراقبة أمنية..تحد من الحريات ..وتقف حائلاً أمام التسامح والتنوع لأنهما لايفضيان إلا إلى إنهاء دورها كسلطة قمعية .
باريس09/05/2010
خاص – صفحات سورية –

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى