صفحات العالم

«جديد» باراك أوباما وعلاقته بـ«قديم» مبادرة التسوية العربية

محمد مشموشي *
لم يقل رئيس أميركي، قبل الرئيس الحالي باراك أوباما، إن حل قضية الصراع العربي – الاسرائيلي على قاعدة اقامة دولتين، مصلحة حيوية للولايات المتحدة نفسها. كما لم يقل رئيس قبله أيضاً، في خضم خلاف محتدم مع اسرائيل، «الصديقة الدائمة للولايات المتحدة»، حول قضية مثل قضية بناء المستوطنات في الضفة الغربية والقدس، إن البناء في أراض محتلة غير شرعي وغير مقبول من الولايات المتحدة تحديداً.
قبل أوباما، كان رئيس مثل كارتر أو بوش الأب أو كلينتون يكتفي بالقول إن التسوية مصلحة إسرائيلية، وأنه، من أجل ذلك بالذات، يدعو الى التسوية وحتى يصر عليها، كما يمكنه أن يضيف ان بقاء المستوطنات أو بناء المزيد منها يعرقل مثل هذه التسوية أو ربما يحول دونها.
إذاً، يمكن الحديث عن «جديد» ما في المقاربة الأميركية لقضية الشرق الأوسط التاريخية، قضية الصراع العربي – الاسرائيلي، في أثناء رئاسة أوباما لأكبر وأقوى دولة داعمة لإسرائيل على مر التاريخ. وبغض النظر عما سيؤدي اليه هذا على صعيد الحل العادل والدائم، فغني عن البيان أن فرصة حقيقية تبدو متوافرة لدى العرب – والفلسطينيين في شكل خاص – في هذه المرحلة من تاريخ القضية، وأن عليهم استغلالها الى أقصى حد اذا كانوا يريدون إنقاذ ما يمكن انقاذه من الحقوق التي لم يحسنوا الدفاع عنها (عملياً، ضيعوها واحداً بعد آخر) في خلال الأعوام الستين الماضية.
هذا «الجديد»، مضافاً اليه عدم تلعثم أوباما، كعادة أسلافه، عندما يصل الى نقطة «انهاء الاحتلال الذي بدأ العام 1967»، أو في التكلم على «دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة مع تواصل جغرافي»، يفتح أبواب العالم كله، وليس الولايات المتحدة فقط، أمام مبادرة السلام العربية التي كان العرب قد أجمعوا عليها قبل سبع سنوات من الآن. هل ما زال العرب يذكرون مبادرتهم هذه، أم أنهم دفنوها بدعوى أنها «ماتت وشبعت موتاً» كما ردد بعضهم؟
هي لا تزال موجودة، بل وفاعلة حتى في الولايات المتحدة نفسها، أقله بدليل واحد يتمثل في دعوة ادارة أوباما العالم العربي، بطلب من إسرائيل، لتقديم «اشارات تطبيعية» مقابل وقف الاستيطان في الضفة والقدس، ثم تراجعها عن ذلك بمجرد اعلان السعودية بلسان وزير خارجيتها الأمير سعود الفيصل، أن مبادرة السلام العربية وحدة متكاملة وأن لا «اشارات تطبيعية» ممكنة قبل الانسحاب الكامل وإقامة الدولة.
بعبارات أخرى، يجوز القول إن من شأن الوضع الجديد هذا، إذا أحسن التعاطي معه والعمل الجماعي الجاد في اطاره، أن يفسح في المجال لجعل دول العالم كلها، وليس الدول العربية وحدها، على جانب من طاولة مفاوضات التسوية المفترضة بينما تجلس إسرائيل وحدها على الجانب الآخر. أكثر من ذلك، من شأن الموقف هذا أن يدعم أوباما شخصياً – وغيره من رؤساء العالم – في وجه قوى الضغط التي تملكها اسرائيل، سياسياً واقتصادياً ومالياً وإعلامياً، وبدأت تستخدمها فعلاً في مواقع صنع القرار إن في الكونغرس في واشنطن أو في غيره من المواقع المماثلة في العالم.
ولكن، كيف يتعامل العرب مع هذا الوضع؟
قد يكون من السابق لأوانه الحكم بصورة كاملة على ما يبدو في الأفق من مؤشرات، إلا أن بارقة الأمل التي أطلت من القاهرة قبل أيام حول المصالحة المحتملة بين حركتي «فتح» و «حماس»، وإعلان رئيس الحكومة الفلسطينية المقالة إسماعيل هنية قبول الحركة بمبادرة السلام العربية – على رغم بعض التحفظات عليها، كما قال – إنما يدعو الى الظن بأن شيئاً من العقل قد عاد فعلاً، أو بدأ يعود، الى الحركة الوطنية الفلسطينية المعنية أولاً وقبل غيرها بأية تسوية يمكن الحديث عنها.
وأياً كانت «الاعتبارات» التي حالت دون هذه المصالحة في السابق، وتلك التي دعت اليها في المرحلة الحالية، فلا يختلف اثنان في أن إعادة توحيد الموقف الفلسطيني (وقبلها اعادة توحيد الأرض والشعب) ستكون الآن، كما في مواجهة أية مرحلة مقبلة، في مصلحة القضية والشعب داخل الأراضي المحتلة.
كذلك يمكن النظر، وإن يكن ضمن أشياء أخرى وربما لأهداف أخرى، الى الزيارة المفاجئة التي قام بها في 23 أيلول (سبتمبر) الماضي الرئيس السوري بشار الأسد الى السعودية ولقائه الملك عبدالله بن عبدالعزيز، وبعدها الى التحرك السوري الناشط في نيويورك وباريس من خلال وزير الخارجية وليد المعلم، وفي واشنطن من خلال نائبه فيصل المقداد، في أعقاب سلسلة من الزيارات والاتصالات على الخط بين دمشق وأنقرة من ناحية، وبين دمشق وعمان من ناحية أخرى. وقد لا يكون بعيداً من ذلك، إعلان وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط قبل أيام فقط عن «اتصال» ما تم بين القاهرة ودمشق بعد أعوام عدة من القطيعة، ولا حديث الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى عن بدء الجامعة قريباً حركة مباشرة لمحاولة حل المشكلات القائمة بين دمشق وبغداد.
هل ما سبق يعني شيئاً محدداً، وشيئاً متصلاً بهذا «الجديد» الأميركي على مستوى الحديث عن تسوية لمشكلة المنطقة، أم أنه لا يخرج عن كونه فصلاً آخر من فصول لعبة «كسب الوقت» التي اعتادها البعض في الفترة الماضية وأدت في واقع الأمر الى ايصال العرب وقضاياهم الى ما هم عليه الآن؟
ليس على ألسنة العرب، والقادة منهم في شكل خاص، الا حديث الشكوى من الحالة المزرية التي تمر بها الأمة والمنطقة منذ سنوات، وإلا حديث التخوف من الرياح العاتية التي تتجمع فيها من جهة وربما تهب عليها من الخارج من جهة ثانية.
والأمل هو أن يتجسد واقعاً على الأرض، ولو لمرة واحدة، ما يتردد على الألسنة من كلام في هذه المرحلة البالغة الخطورة من تاريخ المنطقة.

* كاتب لبناني
الحياة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى