صفحات ثقافية

الطيب صالح روائي العودة إلى الجذور غاب عن 80 عاماً في لندن عاصمة منفاه

كتب عبده وازن
هل يمكن أن تصنع رواية واحدة من صاحبها «أسطورة» مثلما فعلت «موسم الهجرة الى الشمال» من الطيب صالح «أسطورة» الأدب العربي الحديث؟ هذا الروائي السوداني الذي رحل فجر الثلثاء الماضي في لندن عن ثمانين عاماً، لم يستطع طوال حياته أن يتخلّص من سطوة هذه الرواية التي جلبت له من الشهرة ما جلبت من المتاعب، كما عبّر مرّة. ظل الطيب صالح أسير «موسم الهجرة الى الشمال»، فوسمت به مثلما وسم بها، مع أنه كتب روايات أخرى لا تقل فرادة عنها، ومنها مثلاً «عرس الزين» و «بندرشاه» وسواهما.
وعندما اصدر صالح هذه الرواية العام 1966 في بيروت لم يكن يتراءى له أنه سيسبق المفكر الأميركي صموئيل هنتنغتون في نظرية «صدام الحضارات»، فالرواية كانت سبّاقة فعلاً الى رسم حال هذا الصراع عبر بطلها «مصطفى سعيد» وموقفه، هو ابن العالم الثالث، من الغرب المتقدّم. وكان صالح أشدّ جرأة من الروائيين العرب الذين كتبوا في هذا الحقل قبله ومنهم توفيق الحكيم في «عصفور من الشرق» وسهيل إدريس في «الحيّ اللاتيني». فالبطل السوداني كان يدرك في الرواية أن الغرب لم يحمل الى الشرق حضارته فقط بل الاستعمار أيضاً. أما حنينه الى الشمال فبدا فيه من الحقد والضغينة مقدار ما فيه من الحبّ والتسامح.
عاش الطيب صالح حياة صاخبة، روائياً وسياسياً، في السودان وبعض الدول العربية كما في أوروبا ولا سيما في بريطانيا. ومكث طوال هذا العمر المديد مشدوداً الى السودان الذي لم يفارق مخيلته ولا وجدانه على رغم ترحاله و «منفاه» الطويل الاختياري. وظل على علاقة وطيدة، وبما طرأ عليه من تحوّلات، في السياسة والاجتماع. ومعروف عنه موقفه السلبي من نظام «الانقاذ» الذي تبوّأ السلطة عبر انقلاب حزيران (يونيو) 1989، وراجت عنه مقولته الشهيرة «من أين جاء هؤلاء؟» التي تبنّاها حينذاك مثقفون سودانيون كثر. وعمدت السلطة السودانية الى منع أعماله من التدريس في جامعة الخرطوم. لكنّ الكاتب المعارض ما لبث أن لبى دعوة النظام للعودة العام 2005 فعاد ليشارك في مهرجان «الخرطوم عاصمة للثقافة العربية» وليكون «نجم» هذا المهرجان. ولكنْ سرعان ما ارتفعت أصوات تعارض زيارته وتنتقد مواقفه من قضية دارفور والحركات المسلحة وسواهما. وقد حلا للبعض ان يقارن بينه وبين المتنبي، شاعره الأثير، في علاقته بالسلطة. وهو كان فعلاً من عشاق المتنبي، يحفظ شعره غيباً ويردده في المجالس، ووضع عنه كتاباً سمّاه «في صحبة المتنبي».
كان الطيب صالح هو الابرز والأشهر عربياً بين أدباء السودان، وان كان أدبه الروائي والقصصي بمثابة الجسر بين الداخل السوداني والخارج العربي والعالمي، فهو لم يدَّع يوماً انفصاله عن الأدب السوداني، ولا انقطاعه عن الهموم السودانية على اختلافها. وقد كتب «موسم الهجرة الى الشمال» في لندن حيث كان يقيم بدءاً من العام 1953. وعندما نشرت هذه الرواية في بيروت العام 1966 كانت بمثابة الحدث الروائي الذي كان منتظراً، لكنه عوض أن يأتي من القاهرة أو بغداد أو بيروت جاء من السودان. استطاع الطيب صالح في هذه الرواية الفريدة أن يقدم مشروعاً روائياً جديداً يحمل الكثير من علامات التحديث، شكلاً وتقنية وأحداثاً وشخصيات، علاوة على القضية الإشكالية التي حملتها الرواية وهي الصراع بين الشرق والغرب أو بين الجنوب والشمال من خلال علاقة مأسوية بين مصطفى سعيد و «زوجته» البريطانية. ومنذ أن صدرت الرواية أصبح اسم هذا البطل (مصطفى سعيد) في شهرة بعض أبطال نجيب محفوظ لا سيما أحمد عبد الجواد في «الثلاثية».
وإن بدت «موسم الهجرة الى الشمال» ذروة أعمال الطيب صالح، وأكثرها شهرة ورواجاً، فإن أعماله الأخرى، الروائية والقصصية لا تخلو من الخصوصية، سواء في لغتها السردية أم في تقنياتها وأشكالها. ومن تلك الأعمال رواية «عرس الزين» التي ترصد أسطورة الشخص القروي الغريب الأطوار الذي يدعى «الزين» في علاقته بالفتاة «نعمة»، وكذلك رواية «بندر شاه» في جزئيها: «ضو البيت» و «مريود». وتمثل هذه الرواية الصدام البيئي والحضاري بين القديم والحديث. ومن أعماله القصصية البديعة «دومة ود حامد» وهي تدور حول الصراع بين الحكومة وأهل قرية «ود حامد» التي تقع على الضفة الشرقية من النيل، فالحكومة تريد تحديث القرية واقتلاع شجرة الدوم التي هي رمز القرية والأهل يصرون على تقاليدهم المتوارثة. وهذه القرية السودانية «ود حامد» تحضر كثيراً في نصوص الطيب صالح رمزاً لعالم الطفولة والبراءة المتجذر في شمال السودان.
رحل الطيب صالح وكان في نيته أن يكتب سيرته، لكن ظروفه لم تساعده فاكتفى بنشر كتاب عنوانه «منسي: إنسان نادر على طريقته»، ومن خلاله تتبدّى بعض معالم تلك السيرة الحافلة بالأحداث والوقائع الطريفة.
الحياة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى