اسرائيلالتفاوض السوري الإسرائيليصفحات العالم

الحرب مصلحة مشتركة؟

حسام عيتاني
أحيت بداية مناورات «نقطة تحول 4» الإسرائيلية المتزامنة مع الذكرى العاشرة لانسحاب قوات الاحتلال من جنوب لبنان، توتراً شديداً واستئنافاً لحديث الحرب في المنطقة.
كل التقديرات والسيناريوات تتحدث عن مواجهة عسكرية، تكون مختلفة نوعيا، فيما لو وقعت، عن السلسلة الطويلة من المجابهات والاجتياحات والعمليات العسكرية التي تشهدها المنطقة منذ عقود سبعة. يحكي الخبراء العسكريون، والقائمون مقامهم، عن مستوى من العنف والدمار يطاول إسرائيل وأعداءها، لم يسبق له مثيل. وفيما يتحدث المحللون الإسرائيليون بثقة تامة عن إعادة سورية إلى العصر الحجري (ليس من داعٍ لذكر لبنان الذي يقول الخبراء المذكورون أن بنيته التحتية ستتلقى من الضربات ما يحيلها رماداً منذ الأيام الأولى للقتال)، ووقف البرنامج النووي الإيراني أو إعاقته لأعوام مديدة، ترد أوساط سورية وإيران و»حزب الله» برسم صورة تبدو أقرب إلى مشاهد سفر الرؤيا عن الآف الأطنان من المتفجرات تتساقط على المدن الإسرائيلية يومياً وعن أسبوع واحد سيتاح للإسرائيليين البقاء فيه أحياء قبل أن يقضي عليهم الرد الإيراني في حال تعرضت إيران إلى هجوم إسرائيلي أو أميركي.
يشير جموح الخيال الحربي، في المعسكرين، إلى ما يتجاوز الهوة الشاسعة التي باتت تفصل طرفي الصراع عن بعضهما وإلى عقم أي محاولة لبعث الجهود الديبلوماسية السلمية. انه يعلن عن بلوغ حالة الإنطواء على الذات درجة لم تعد تتيح مجرد تصور وجود الطرف الآخر، ناهيك عن الاعتراف بأي نوع من الحقوق، المكتسبة أو الموروثة أو سوى ذلك، يمكن أن تبرر مطلباً من مطالبه.
في وضع الشرق الأوسط اليوم، تبدو فاقدة لأقل معنى مقولات من نوع «القرية الكونية» و»شراكة المركب الواحد». لقد بتنا أسرى عشائر معزولة ومنعزلة لا يملك أي منها سوى فكرته عن حقوقه وتاريخه وتصوراته لمستقبله الخالي من مكونات الحاضر ومنغصاته، فلم يعد من حوار ممكن سوى حوار الصواريخ والقاذفات المقاتلة والتساؤل عن المدى الذي تبلغه أسلحة كل من الجانبين والأذى الذي ستنزله بالعدو.

في الوسع الإسهاب في تناول الخلفيات التي أدت إلى الحال هذه، وعقد مقارنات عن الأجواء السياسية في مستهل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين وتلك التي كانت قائمة حتى منتصف التسعينات من القرن الماضي. لكن العرض ذاك سيكون مجتزأ وناقصاً إذا لم يتطرق إلى عمليتين جرتا في الوقت ذاته داخل المجتمع الإسرائيلي وداخل المجتمعات العربية والإسلامية. يجوز الاستدلال من ظواهر عدة عن مضمون هاتين العملتين. منها تفتت الساحة السياسية الإسرائيلية وغياب أي تصور لمستقبل إسرائيل في محيطها المباشر والإفراط في اعتبار الإسرائيليين أنفسهم غير معنيين بما ارتكبه أسلافهم بحق الفلسطينيين، ما دفع عقلية أمنية سطحية إلى التحكم بالسياسة الإسرائيلية آيتها جدار الفصل والحواجز الاعتباطية ورهاب أمني شديد. في المقابل، جاءت المبالغة في إلقاء تبعات التخلف العربي على «الغرب وربيبته إسرائيل»، من جهة، واستغلال «التهديد الأصولي» كفزاعة لابتزاز الغرب ذاته، من جهة ثانية، لتقضي كلها على آمال الإصلاح الداخلي الذي يفترض أن يكون ثمرة نظر عقلاني في شؤون العرب وشجونهم.
على أسس كهذه، لا يبقى أمام أكثر السياسيين سوى تعليق الآمال على حرب تقلب طاولة تعج بالأزمات ويعجز الجالسون على جوانبها عن ابتكار الحلول. فالسلام سيكشف عورات كثيرة في إسرائيل وعند أعدائها سواء بسواء.
الحياة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

8 + = 11

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى