قضية فلسطين

الوحدة والإعمار استحقاقان مترابطان في أزمة واحدة

راسم المدهون
[
مهما تكن المواقف السياسية المسبقة للأطراف الفلسطينية المختلفة مما حدث في غزة، ومن مساعي إعادة الحياة الطبيعية إلى ذلك القطاع المكلوم بالحرب الهمجية الإسرائيلية، يمكن القول استنادا للوقائع التي باتت متداولة في الأوساط المعنية أن جملة من الحقائق الجديدة قد أخذت تتكرّس في ساحة غزة، وتفرض نفسها على الجميع باعتبارها تشكل ملامح المرحلة القادمة ليس في غزة وحسب، ولكن في الساحة الفلسطينية كلها إنطلاقا من قطاع غزة.
من هذه الحقائق أن “الخيار المسلّح” إنطلاقا من حدود القطاع مع الدولة العبرية قد خرج فعليا من المعادلة، حتى ولو واصل البعض الدعوة له نظريا وفي المحافل السياسية والإعلامية. نقول ذلك وفي البال حجم الخراب الذي نتج عن العدوان الفاشي الأخير، والذي أوضح بجلاء خطل الإعتماد على فكرة ممارسة مقاومة ضد إسرائيل من القطاع، مقاومة لا تمتلك من وسائل الفعل العسكري سوى إطلاق الصواريخ محلية الصنع على البلدات والمدن والمستوطنات الإسرائيلية القريبة، وهي حقيقة أكدتها تجربة الردود الفلسطينية على آلة التدمير العسكرية الإسرائيلية الحديثة، والتي كشفت حجم الإختلال الفادح بل الخرافي في موازين القوى بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، إلى الحد الذي يجعلنا نؤكد مع كل المراقبين أن ما حدث لم يكن حربا بالمعنى المعروف في العالم بقدر ما كان حملة تدمير ممنهجة يمارسها طرف واحد ضد طرف آخر هو في الحقيقة والواقع جماهير مدنية عزلاء ومعزولة عن أي امتداد جغرافي ستراتيجي ومضطرة لملاقاة النار الإسرائيلية بأيد شبه عزلاء.
نضيف إلى ذلك بالطبع أن حجم التدمير الذي أحدثه العدوان وضع الجميع أمام استحقاقات واقعية يرتبها الوصول إلى آلية لتثبيت وقف إطلاق النار، أي الموافقة على إجراءات عسكرية وسياسية تضع قيودا عديدة على فكرة ممارسة إطلاق الصواريخ الفلسطينية، ناهيك عن أن مرحلة غزة القادمة تفسح المجال الأكبر والأهم لإعادة الإعمار وليس لأحداث ساخنة يمكن أن تتسبب في استدراج تدمير جديد يضاف إلى التدمير الراهن، خصوصا وأن المواطنين في القطاع المعروف بكثافته السكانية العالية يعيشون اليوم حالة غير مسبوقة من فقدان البنى التحتية الأهم من بيوت ومدارس ومؤسسات تعليمية وخدمية تضيف إلى معاناتهم الطويلة والمريرة مع آثار الحصار معاناة جديدة وإضافية.
في السياق ذاته يمكن الإشارة أيضا إلى مسألة باتت على درجة مركزية من الأهمية، بل لعلها البند الأهم الذي يفرض نفسه على الجميع، وهي مسألة إعادة الإعمار، والتي بات واضحا أنها ليست على الإطلاق مسألة تقنية أو حتى مالية بقدر ما هي مسألة سياسية بات العالم كله وخصوصا قواه المقرّرة تربطها بخلق حالة وفاق وطني فلسطيني يمكنه أن يوفر للإعمار “ممرّا” سياسيا مقبولا ومتفقا عليه، ذلك أن التنازع الفلسطيني بين الطرفين الحاكم فعليا في غزة والرسمي المعترف به عربيا ودوليا بات تنازعا فائضا عن حاجة فلسطينيي غزة لإعادة الإعمار بل تنازعا يوقف عجلة الإعمار نهائيا ويجعلها في انتظار جدل عقيم لا يبدو أن الفلسطينيين قادرين أو حتى راغبين في حسمه والوصول به إلى نهايات سعيدة من أي نوع.
لم يبق أمام الطرفين الفلسطينيين المتنازعين إلا أن يتوصلا إلى تسوية خلافاتهما المزمنة وتشكيل حكومتهم الواحدة والقادرة في الوقت ذاته على كسب اعتراف العالم الخارجي بها وببرنامجها السياسي من أجل فتح المعابر وضمان إدارتها بصورة طبيعية ودائمة تسمح بدخول المساعدات والحاجات الإنسانية الضرورية بشكل عاجل أولا، ثم تسمح بعد ذلك بوصول المواد اللازمة لإعادة الإعمار بعد أن يتمكن الفلسطينيون ذاتهم من تشكيل فريقهم المكلّف بالإشراف على الإعمار والمعترف به من كل أطرافهم السياسية الفاعلة.
هي كلها عوامل تدفع منفردة ومجتمعة إلى رؤية ملامح صورة جديدة ومختلفة تماما عن تلك التي كانت قبل العدوان الأخير وخلاله، وهي بالضرورة صورة فيها الكثير من ملامح الحياة المدنية مثلما فيها ابتعاد بالضرورة عن كل المظاهر العسكرية ومعها الخيارات العسكرية بوصفها شكل ومستقبل الحياة لمليون ونصف المليون فلسطيني في غزة يحتاجون إلى استعادة عيشهم الإنساني الطبيعي بكل استحقاقاته ومنها بالتأكيد تطوير وسائل الحياة وتأسيس حياة اقتصادية حديثة وقابلة لاستيعاب الحاجات المتزايدة لهم في كافة المجالات.
ذلك كله معناه السياسي المباشر أن التلكؤ في مواكبة استحقاقات إعادة الإعمار سوف يجعل الحياة تتوقف عند حالة الدمار الشامل الرّاهنة، بما هي حالة تضغط بقوة على كل القوى السياسية الفلسطينية وتدفعها إلى قبول فكرة التلاقي وردم هوّة الانقسام بغض النظر عن مواقفها الرّافضة أو المتردّدة، وبكلام أوضح نقول أن خيار التلاقي والوحدة لم يعد خيارا تقرّره القوى السياسية ذاتها بقدر ما بات استحقاقا حتميا تمليه الحقائق الموضوعية الساطعة والتي لا تسمح بالمماطلة كما جرت العادة.
في المنظور السياسي الذي يتبلور راهنا يبدو الجميع وقد أدرك هذه الحقيقة، وما نراه من تكتيكات ليس أكثر من محاولات طبيعية ومفهومة للتكيف مع الوقائع الجديدة بأقل “الخسائر” وهي حالة نتمنى ألا تطول لأنها إذ تطول إنما تؤخّر استحقاق إعادة التعمير وتنتقص من كفاءته.

[

خلال أيام العدوان الإسرائيلي على غزة نهضت “وكالة رامتان” الفلسطينية الخاصة بمهمة جليلة في تصوير وبث الأحداث العسكرية العاصفة من مواقع الخطر الشديد وتقديمها مجانا للقنوات الفضائية العربية. وقد فعلت “رامتان” ذلك بكفاءة عالية على الصعيدين الإنساني والتقني، ولاحظ المشاهدون وجود علامتها الرّمزية على شاشات معظم الفضائيات العربية بما في ذلك الفضائيات الإخبارية الكبرى وصاحبة المشاهدات الجماهيرية الأكثر كثافة.
هي تجربة مؤسسة إعلامية ناجحة يقوم عملها على التوازن بين المسائل والحاجات الفنية وبين الحس الإنساني العالي وفي المقدمة منه حس المواطنة الحقيقية الذي يدفع العاملين في المؤسسة إلى بذل أقصى طاقاتهم للوصول بأدائهم إلى أعلى درجات الكفاءة الإعلامية الممكنة.
نجحت “رامتان” بامتياز، وهي بذلك النجاح أضاءت حقيقة أن الإعلام الحقيقي هو إبن الكفاءة والمهنية والمثابرة .
“رامتان” التي كانت سابقا تستضيف كادر قناة “الجزيرة” الإخبارية في مكاتبها وتوفر لهم وسائل البث علاوة على ما تقدمه لهم من تصوير من مواقع الخطر، قامت مؤخرا بطرد كادر الجزيرة من مكاتبها وأوقفت التعامل معهم. قال مدير “رامتان” إن القرار اتخذ بسبب انحياز “الجزيرة” ولا موضوعيتها وممارستها المتحيزة لطرف وما تسبب به من تحريف للوقائع واجتزاء لمكوناتها وتفاصيلها.
واقعة تعيدنا من جديد إلى موضوعة الحيادية والمهنية في الإعلام ومنها بالطبع الإعلام التلفزيوني الذي بات هو الأهم والأكثر وصولا للمشاهدين. لا نعتقد بوجود إعلام محايد ليس له موقف، لكننا نعتقد بأهمية المهنية في الإعلام، فالفارق كبير بين تقديم الخبر بمهنية تحتفظ بتفاصيله الحقيقية كما جرت في الواقع، والتعليق على الخبر بعد ذلك بالطريقة التي تحلو للمعلق شيء آخر.
من حق القنوات التلفزيونية أن تعلق كما تشاء، لكن من واجبها المهني أن تقدم الحقيقة كما جرت، لا كما يحلو لها أن تراها.
ذلك ما كان بين “رامتان” والجزيرة، وهي واقعة تستحق الإنتباه.

[
في تلاحق الأحداث الدامية عبرتنا في الخامس والعشرين من كانون الثاني ـ يناير الفائت الذكرى الخامسة والعشرون لرحيل الشاعر الفلسطيني المعروف معين بسيسو الذي غيبه الموت قبل ربع قرن في العاصمة البريطانية لندن.
معين بسيسو إبن مدينة غزة وإبن حي الشجاعية بالذات ولد عام 1927 من القرن الفائت، تخرج من الجامعة الأميركية في القاهرة عام 1952 وعمل مديرا لإحدى المدارس الإبتدائية لسنوات متقطعة بسبب اعتقاله أكثر من مرة ولمدة وصلت مجتمعة إلى تسع سنوات بسبب نشاطه السياسي.
اشتهر الشاعر الراحل في الأوساط السياسية والشعبية الفلسطينية بعد تزعمه إنتفاضة الجماهير الشعبية عام 1954 ضد “مشروع جونستون” لتوطين اللاجئين في سيناء، وهي الإنتفاضة التي أثمرت إلغاء المشروع.
بدأ الراحل كتابة الشعر ونشره في الأعوام القليلة الأخيرة التي سبقت نكبة عام 1948، ثم صدرت مجموعته الشعرية الأولى “المعركة” عام 1952 في القاهرة وتتالت مجموعاته بعدها ومنها “فلسطين في القلب”، “الأشجار تموت واقفة”، “الأردن على الصليب” وغيرها.
عرف الراحل معين بسيسو أيضا ككاتب مسرحي حيث أصدر عدداً من المسرحيات من بينها “ثورة الزنج”،”جيفارا” و”العصافير تبني أعشاشها بين الأصابع”.
قدم الشاعر الراحل للمكتبة السياسية والتوثيقية والأدبية كتاباً هاماً وعلى درجة عالية من الجمالية الفنية هو “دفاتر فلسطينية” الذي أضاء جوانب هامة من حياة وتجربة شيوعيي قطاع غزة في المعتقلات المصرية، وبالذات في “سجن الواحات” الصحراوي.
المستقبل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى