صفحات العالم

التعويل على التوتر الأميركي – الإسرائيلي كمؤشّر الى التفويض والتسليم

حسن شامي
مجرّد الخوض في مناظرة متعددة الوجوه حول صحة، أو عدم صحة، توصيف التوتر الحالي للعلاقات الأميركية – الإسرائيلية بأنّه «أزمة»، هو في حدّ ذاته أمارة ومؤشّر على مواصفات الموقع الذي يحتلّه النزاع الفلسطيني – العربي – الإسرائيلي في سياسات المنطقة، وعلى أشكال وعي هذا الموقع والتعبير عن حمولاته ورهاناته، وحدوده أيضاً. ومع أنّ المواجهات التي اندلعت قبل أيامٍ قليلة في محيط المسجد الأقصى وامتدّت إلى مختلف أحياء القدس الشرقية كانت عنيفة إلى الحدّ الذي ينذر باندلاع «انتفاضة جديدة» على غرار ما حصل قبل عقد من السنين، فإنّ حظوظ تحوّل هبّة شعبية إلى انتفاضة تبدو ضعيفة، ولغير اعتبار.
صحيح أنّ هذه المواجهات أسفرت، حتى كتابة هذه السطور، عن جرح أربعين فلسطينياً واعتقال أكثر من ستين آخرين، وأنّ قوات الاحتلال التي انتشر ثلاثة آلاف من عناصرها قد أطلقت الغاز المسيل للدموع والأعيرة المطاطية والرصاص الحي على مئات الفلسطينيين من رماة الحجارة. وصحيح أيضاً أنّ المواجهات حصلت إثر خروج مئات الفلسطينيين الغاضبين في تظاهرات احتجاج على الإجراءات الاستيطانية في القدس وبناء «كنيس الخراب» اليهودي على أرض أوقاف إسلامية في محيط المسجد الأقصى، وأن هذا النوع من المواجهات مرشّح للحصول مرّة ثانية وثالثة وربّما مئة، ما دام الأمر يتعلّق، وإن بالتقسيط والمفرّق، بجملة المصير الفلسطيني المعلّق على خشبة مفاوضات ممنوعة من الصرف، كي لا نقول مصلوبة صلباً بحيث تستدعي من عاقدي الآمال الخلاصية عليها مضاعفة جرعات الإيمان بها تعويضاً عن العجز والوهن والتأتأة السياسية. ويستحسن بالطبع، والحال على ما هي عليه، أن تُشفع هذه الجرعات بأدعية وصلوات متواصلة. مع ذلك يبدو أن شروط حصول انتفاضة فلسطينية غير متوفّرة، أو أنها ضعيفة التوفر والتبلّر. إلاّ إذا أردنا أن نحمل على محمل الجدّ تحذير الجامعة العربية، وحدها تقريباً، من اندلاع «انتفاضة جديدة» كتعبير عن الغضب الفلسطيني، وتوقّع أن يمتدّ انفجار الوضع في القدس إلى أماكن أخرى في الأراضي الفلسطينية والبلدان العربية، بحسب ما صرّح نائب الأمين العام للجامعة على سبيل التنبيه الدعوي والإرشادي. ويمكننا أن نضيف إلى التحذير العربي الرسمي تصريح الأمين العام للمؤتمر الإسلامي حسام الدين أوغلو الذي حذّر المجتمع الدولي من «حرب دينية» تدفع باتجاهها الدولة العبرية.
من الصعب أن تندلع انتفاضة فلسطينية جديدة، ليس فحسب لأنّ السلطة الفلسطينية استبعدت حصول انتفاضة ثالثة، بحسب تقارير إعلامية عربية، وبحسب تقديرات لدى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تفيد بأنّ السلطة معنية باستغلال التوتر في القدس لمصلحة أجندتها السياسية «لكنها ليست معنية بتفجير الأوضاع». بل لأنّ الانتفاضة، في حال حصولها أو حصول ما يشابهها، ستكون، في الظروف الفلسطينية والعربية استطراداً، بلا أفق سياسي وعملاني. فهذا الأفق بات، للأسف وللتعاسة أيضاً، مُصادَراً وأشبه برهينة لم تعد السلطة الفلسطينية تملك حيال فكّ أسرها، بعد أن ارتضت ولو على مضض هذه المصادرة، سوى المراهنة على إحراج اللاعب الإسرائيلي إحراجاً أخلاقياً. ويكاد هذا الإحراج أن يكون العنوان الوحيد أو المتبقّي لبرنامج سياسي ووطني. وهذا بالضبط ما يفسّر التعويل الكبير، المُفصح عنه فلسطينياً وعربياً، خصوصاً في الدوائر الرسمية وفي أوساط النخب، على التوتّر الحالي للعلاقات بين الإدارة الأميركية والحكومة الإسرائيلية التي يرأسها بنيامين نتانياهو. والتعويل ها هنا ليس سوى التسمية المنقّحة لتقنية ذهنية على الطاعة والامتثال تضرب بجذورها في قسم لا يستهان به من الثقافة الإسلامية: التفويض أو التسليم لأولياء الأمر.
لا يرمي هذا الكلام إلى التقليل من أهمية التوتّر الحالي في العلاقات الأميركية – الإسرائيلية، ولا من إمكانية الاستفادة الفلسطينية والعربية من هذا التوتر لتحسين الموقع والأداء. فليس أمراً معهوداً أن تخرج إلى العلن خلافات بين الطرفين مصحوبةً بعبارات تتحدث، في بعض الدوائر الرسمية وفي الإعلام، عن «إهانة» ألحقتها الدولة العبرية بإدارة حليفها الأميركي الاستراتيجي. وليس أمراً اعتيادياً أن يحذّر السفير الإسرائيلي في واشنطن من أنّ العلاقات بين البلدين «تعيش أخطر أزمة منذ خمس وثلاثين سنة» وأنّها «ذات أبعاد تاريخية»، في تلميح إلى أزمة وقعت عام 1975 على خلفية رفض إسرائيل طلباً أميركياً بالانسحاب من أجزاء في سيناء المصرية المحتلة، ما أدّى إلى «إعادة نظر في العلاقات» شملت وقف إرسال الأسلحة إلى إسرائيل.
قد يـكون صـحـيحاً أنّ التحـذير المـذكـور الذي تنـاقـلته الصـحف الإسـرائـيلية يتعارض في الـظـاهر مع مـحاولات نتـانياهو للـتقـليل من شـأن الـحـديث عـن أزمـة، وأنّه يـهدف إلى استنفار وتنشيط مجموعات الضغط اليهودية لشرح موقف إسرائيل والتأكيد على أنّ ما حصل ناجم عن خلل تسبب به مـوظـفـون صـغار في وزارة الداخلية، وأنه لم تكن هناك نيّة للمسّ بنائب الرئيـس الأمـيـركي جـوزيف بـايـدن. ويـتـعـزز هذا التقدير من مسارعة منظمة «أيباك» المعروفة إلى إصدار بيان تدعو فيه بنبرة آمرة ناهية الإدارة الأميركية إلى ضرورة «اتخاذ التدابير الفورية من أجـل تـهدئـة التـوتـر مع الـدولة الـيهوديـة».
ويبدو أنّ الإدارة الأميركية شرعت، في أعقاب «مكالمة التوبيخ» التي وجهتها هيلاري كلينتون إلى نتانياهو وأرفقتها بمطالب محددة، في احتواء التوتر وتفادي التصعيد. فقد أكدت وزيرة الخارجية، أي السيدة كلينتون نفسها، التزام أميركا المطلق بأمن إسرائيل، وأنّ «هناك ارتباطاً وثيقاً لا انفصام له بين الولايات المتحدة وإسرائيل». وأكّد الناطق باسم البيت الأبيض الموقف نفسه في تصريحات لاحقة. يبقى أنّ المبعوث الأميركي جورج ميتشل أرجأ جولته إلى المنطقة، وأعلنت واشنطن أنه لن يلتقي المسؤولين الإسرائيليين والفلسطينيين قبل اجتماع اللجنة الرباعية الخاصة بالشرق الأوسط في موسكو. هناك أوساط إسرائيلية عزت إرجاء زيارة ميتشل إلى عدم تلقي الأميركيين رداً من نتانياهو على المطالب التي طرحتها كلينتون، وفي مقدّمها إعلان وقف الاستيطان في القدس وأن تتناول المفاوضات غير المباشرة مع الفلسطينيين القضايا الجوهرية. والحال أن نتانياهو أعلن عن مواصلة الاستيطان. السؤال لا يتعلّق بلعبة عضّ الأصابع بين الحليفين، ولا بحماقة ارتكبها نتانياهو واعتذر عن توقيتها فقط. السؤال هو التالي: هل هناك علاقة بين ما حصل أثناء زيارة بايدن وبين محادثات وصفت بالمعقدة خاضها في واشنطن، وفي الوقت نفسه تقريباً، نائب وزير الخارجية الإسرائيلي دانيال أيالون وأظهرت تبايناً في وجهات النظر إزاء الملفّ الإيراني؟
الحياة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى