اسرائيلبرهان غليونصفحات العالم

الغرب والتحدي الإسرائيلي

د. برهان غليون
ليس هناك شك في أنه، باستثناء قطاعات قليلة غربية ترى في توسع إسرائيل وسيطرتها على الشرق الأوسط بكامله، سياسة شرعية ومفيدة للحضارة الغربية، بل رسالة دينية، فإن معظم الحكومات والطبقات السياسية في العالم، تنظر إلى تمسك إسرائيل باحتلال الأراضي العربية، واستهتارها بالأعراف والقواعد والتقاليد المرعية في حقل العلاقات الدولية، على أنه مشكلة حقيقية.
وبعكس ما جرت عليه العادة في كل حالات النزاع الأخرى، قبلت المجموعة الدولية بأن لا يرتبط البحث عن تسوية في الشرق الأوسط بين العرب والإسرائيليين بأي ضغط على تل أبيب، وإنما بتقديم مزيد من الدعم والاحتضان والمنافع، تشجيعاً لها على خوض غمار السلام، وتطيمناً للإسرائيليين على موقع الرعاية والحظوة في المنظومة الدولية.
وقد فرضت هذه السياسة، على الغربيين أولاً، وعلى القوى الراغبة في المشاركة في جهود السلام ثانياً، الأخذ بشروط تراعي حساسية إسرائيل والإسرائيليين؛ منها تأكيد المفاوضات المباشرة، وترك الأطراف تحل مشاكلها بنفسها، وقصر الموقف الدولي على دور المسهل أو الوسيط، وعدم فرض أي رؤية أو خطة أو موقف خارجي على الأطراف المتفاوضة… مما يعني عملياً ترك الطرف القوي يستخدم المفاوضات للتنكيل بالطرف الضعيف واستفزازه ودفعه إلى ترك المفاوضات. ومنها أيضاً اتخاذ المسهل أو الوسيط، دولة كان أم منظمة أممية، موقفاً متماثلاً أو محايداً من الطرفين، المعتدي والمعتدى عليه. ففي النقاشات الدولية، يكاد النزاع يتجسد بين طرفين متخاصمين ومسؤولين عن استمرار الخصام بالدرجة نفسها، لطبيعتهما الدينية أو القومية، لا بسبب الاحتلال أو نتيجته، والمصالحة بينهما هي الحل، سواء أكانت نتيجتها إرجاع الحقوق إلى أصحابها أو نصفها أو قليلاً منها. المهم رضى الطرفين، فالوسيط ليس لديه موقف من نتيجة المفاوضات. لهذا لا تظهر القضية في أي بيان أو وثيقة أو خطة بوصفها قضية إزالة احتلال، أو نزع للاستعمار كما هي بالفعل، وإنما قضية عداء متبادل فحسب بين العرب واليهود!
ومنها أيضاً اختراع لغة دبلوماسية جديدة لا تسمي الأشياء بأسمائها، وإنما تستخدم التورية والتذكير والتمني، خاصة تجاه إسرائيل. ومن أمثلة ذلك العبارة المشهورة التي تمسك بها الغربيون طويلاً، والتي تقول إن الاستيطان عقبة في وجه السلام، وإن هدم البيوت وطرد السكان لا يخلقان عوامل الثقة الضرورية لنجاح المفاوضات، أو أن هذه الحكومة أو تلك تأسف لحصول ضحايا أو أضرار بالأملاك! وكل ذلك تجنباً لمصطلحات الشجب والإدانة والرفض والتحذير الشديد التي تستخدمها عادة الدبلوماسية الدولية إزاء الانتهاكات الخطيرة لحقوق الشعوب والأفراد.
ومن بين هذه الوسائل الخاصة بمفاوضات الشرق الأوسط أيضاً حرص المنظومة الدولية، في كل مرة تضطر فيها إلى إبداء ملاحظة سلبية تمس إسرائيل، على إرفاقها بديباجة طويلة من تأكيد التزامها بأمن هذه الدولة وازدهارها وتقدمها. وفي المقابل، الحرص على استخدام أقسى عبارات التهديد والوعيد تجاه الفلسطينيين، وتجاهل حصارهم وأمنهم ومستقبلهم، ووسم معظم نشاطات مقاومتهم بالإرهاب، والعمل على ردعهم وإحباط مقاومتهم باستخدام جميع وسائل الضغط.
لكن الأهم من ذلك هو الترجمة المادية لهذه السياسة الخاصة بحل النزاع العربي – الإسرائيلي، والتي تتجسد في الدعم غير المحدود للقوة العسكرية الإسرائيلية، بالمال والتقنية والأسواق، وذلك حتى تطمئن إلى قوتها وتفوقها على جميع دول المنطقة، بهدف جرها للسلام! وفي المقابل حرمان الفلسطينيين حتى من حق المقاومة، وفرض العمل التفاوضي عليهم بوصفه السلاح الوحيد المسموح لهم به من أجل تحقيق أهدافهم واستعادة أرضهم والعودة إليها.
والنتيجة أن إسرائيل هي اليوم أقوى وأغنى وأكثر غطرسة وتمرداً على السلام واستهتاراً برأي حلفائها الغربيين، بل وبمصالحهم الاستراتيجية واليومية، عشرات المرات مما كانت عليه قبل بدء مفاوضات السلام. مما يعني أن عملية السلام التي فرضها الغربيون على الفلسطينيين والعرب عموماً، والمقاربة العمياء أو المتواطئة التي ارتبطت بها، كانت أفضل وسيلة لدعم مشروع إسرائيل التوسعي والعنصري، وتحويلها من دولة لا تكاد تطمح إلى اعتراف العرب بها لنيل السلام إلى قوة إقليمية عظمى ترفض الاعتراف بالفلسطينيين بل وبالعرب جميعاً كطرف مقبول أو معتبر في أي مفاوضات، ضاربة عرض الحائط بكل ما يقدمونه من مبادرات.
وقد وصل الأمر في هذه السياسة الخاصة إلى حد أن الأوروبيين الذين كنا نراهن عليهم في الضغط على الأميركيين لتعديل موقفهم من الدعم المطلق لإسرائيل، كافأوا إسرائيل بضمها إلى منظمة التعاون والتنمية الأوروبية بعد حربها الإرهابية على غزة، ثم تواطؤوا معها على دفن تقرير جولدستون، وأخيراً قاموا بتكريمها أثناء جريمة أسطول الحرية بإطلاق اسم بن غوريون على أحد ساحات العاصمة الفرنسية.
ليس هناك شك في أن الكثير من المسؤولين الغربيين يدركون اليوم أنهم في ورطة حقيقية فيما يتعلق بـ”عملية سلام الشرق الأوسط”، ويشعرون عن حق بأن قدرتهم على التأثير في سياسة إسرائيل أصبحت أضعف، وأن الدولة العبرية استخدمت تعاطفهم مع ضحايا النازية لإعادة بناء مشروع استعماري يثير اشمئزازاً ونفوراً متزايدين من قبل معظم الرأي العام العالمي، بما في ذلك الأميركي.
وهم لا يعرفون اليوم كيف يمكن دفع إسرائيل إلى القبول بمفاوضات جدية لتحقيق التسوية المنشودة وإقناع تل أبيب بتجميد، وليس حتى إلغاء، مشروعها الاستيطاني الضخم.
وربما كان لقضية أسطول الحرية الفضل الأكبر في الكشف عن الطريق المسدود لسياسة مكافأة إسرائيل بدل معاقبتها من أجل جرها إلى طريق السلام. فقد أزالت الغشاوة عن عيون الكثيرين ممن ظلوا يعتقدون أن إسرائيل التي “تشكل واحة للديمقراطية في صحراء من التسلط والاستبداد”، لا تحلم بشيء آخر غير السلام، وأن احتلالها الأراضي لا يهدف إلا إلى تشجيع العرب على الاعتراف بها وقبول شروط السلام. لقد وضعت جريمة أسطول الحرية العالم أجمع أمام حقيقة إسرائيل العميقة، أي تماهيها مع منطق القوة والعنف بدل منطق الحق والقانون.
لكن ما ذا سيختار الغرب من وسيلة لدفع إسرائيل إلى التوافق في سلوكها مع متطلبات الإرادة الدولية؟ هل سيزيد إلى ما لانهاية من حجم الجزرة لتطمين تل أبيب وتشجيعها على التخلي عن مشروعها الاستيطاني الذي تراهن عليه لمواصلة نموها والتحول إلى قوة أكبر قادرة على مواجهة القوى الإقليمية الصاعدة، أم يرفع العصا، أو على الأقل يمسك بكليهما؟ باختصار ما هو مستقبل العلاقات الإسرائيلية الغربية في السنوات القليلة القادمة؟
هذا موضوع مقال آخر.
الاتحاد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى