صفحات ثقافية

مشخصاتي دمشق

null
لا أخفي أن الخبر سلاّني كثيراً. ضحكتُ بأسناني كلها. ثم اتصلت بصديقي فؤاد صباغ. “يا فؤاد، مهرجان دمشق يكرّم ريتشارد هاريسون؟! معقول؟”. كنت أتوقع منه قهقهة عميقة. لم يخب ظني، على رغم انه كان علم بالخبر المهزلة قبلي. هذا مهرجان يرى صحّاً: ليس من الضروري أن يكون الممثل جيدا لتكريمه. وليس من الضروري أن يكون شعبياً. وربما ليس من الضروري أصلاً أن يكون ممثلاً. يكفي أن يهرج في بعض الأفلام. يكفي أن يأتي من خلف البحار. يكفي أن يبعث على سؤال يطرحه فضوليون: “من يكون الشاب؟”. هذه سابقة في تاريخ السينما. ولكن، بصراحة، من يتذكر اليوم هذا الممثل الذي لا شك أنه الأفشل في تاريخ السينما، غير مدير مهرجان دمشق السينمائي محمّد الأحمد؟ لمرة لا يكون هذا الاهمال ظلماً يقع على عبقري ناسك لم يعد له مكان في المجتمع المعاصر. بل على ممثل فاشل فاشل وفاشل!  أياً يكن الأمر، لم نكن نتوقع أن يكون مهرجان مثل دمشق يعقد دوراته المتتالية في صالات عفنة وهيكلية مهترئة ورقابة صارمة، على هذا القدر من الاطلاع على سينما محمولة على الظهر، سينما منسية ومهمشة، سينما الحثالة اذا صح التعبير، أو سينما الـ”فرنكين”، ولا شك ان إحدى ايقونات هذه السينما هو ريتشارد هاريسون، الذي حتماً يواجه معضلة كيف سيحمل خبر تكريمه الى أهله وأقاربه واصدقائه وزملائه، هم الذين، نسوا منذ عهود ان صديقهم ريتشارد (مع حفظ الألقاب) كان يعمل “مشخصاتياً” في يوم من الأيام. وها هو اليوم، لا يكتفي بتذكيرهم بماضٍ مجيد ويتسبب بالاحراج لعائلته، بل أيضاً يأتي اليهم بجائزة من بلد، قد لا يكنّون له – كأميركيين على الأقل – قدراً كبيراً من الحنان والرأفة. الغريب أن القائمين على المهرجان أصروا على إحراج الممثل، وأتوه من حيث لم يكن يتوقع. على أي حال، المصادفة وسوء الفهم كانا دوماً حليفي ريتشاردسون. والآن تنتقل العدوى الى مهرجان دمشق. هذا الشاب المولود في ولاية أوتاه الزراعية لم يحلم البتة بأن يقف أمام كاميرا حين كان شاباً. لم يكن يعرف ماذا يفعل في منتصف الخمسينات، فاختار اللياقة البدنية. عندما صار جسمه معضلاً، شُرّعت امامه باب هوليوود، فوقف الى جانب أيرول فلين وكيم نوفاك في انتاجات صغيرة وأدوار ميكروسكوبية، لا عجب اذا كان نسيها اليوم. ووقّع انذاك عقداً مع AIP، الشركة المتخصصة بأفلام السلسلة باء، وتزوج بابنة أحد مديريها، قبل ان تنفيه السينما الأميركية الى ايطاليا، ومن ثم الى بلدان أبعد في الشرق الاقصى، واليوم الى دمشق! هذا يدل كم كانت السينما في بلاده متمسكة به. في مقابلة له، اعترف بأنه لا علاقة له بمهنة التمثيل، وانه كان يختار الادوار المعروضة عليه تبعاً لكمية المال! حقيقة أخرى عنه: كان يختار دوراً تبعاً لمكان التصوير. يعني انه اذا كان قرأ عن تسالونيك واعجب بها، والفيلم يصور هناك، فيوافق على الفور، من دون أن يقرأ السيناريو! بعد هذا، هل كان معقولاً أن يرفض دعوة دمشق؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى