صفحات سورية

وجهة نظر اسرائيلية بحكم بشار بعد عشر سنين

null
سميدار بيري – يديعوت احرونوت
هلم ننظر في الجدول الزمني المنشق لكثرة لقاءات رئيس سورية، بشار الاسد، الذي يحتفل هذا الاسبوع بمرور 10 سنين منذ توليه السلطة. بدأ شهر تموز بجولة في أربع دول في امريكا اللاتينية، بعد ذلك عاد الى الوطن واستضاف وفداً من الولايات المتحدة ومبعوثا سريا من اوروبا، ثم شخص لزيارة تونس، ومن هناك الى الاندلس، وفي النهاية كانت سلسلة لقاءات في دمشق أثارت الفضول والريبة والحسد في جيرانه العرب.
تشهد هذه اللقاءات على مكانة الاسد الجديدة: فقد تحول بمرة واحدة الطاغية القاسي جهة لا يمكن تجاهل وزنها السياسي للأحسن والأسوأ. وذلك برغم انهم ما زالوا يبغضونه في المعسكر المعتدل في العالم العربي. وقد حدث أن الزعيم الشيعي في العراق، مقتدى الصدر، اجترأ على تجاوز طهران، وهي المكان الطبيعي لحجه، وشخص الى دمشق خاصة لترتيب أموره. وأتى بعده من الفور رئيس الحكومة المنتخب في العراق، إياد علاوي، الذي فضل هو ايضا زيارة دمشق لا طهران لضمان دخوله المكتب الأشد حراسة في بغداد. وأتى الأسد أيضا ضيوف من حزب الله، أرادوا ضمان ألا توقف قوافل المعدات والسلاح والصواريخ التي تمر من سورية في طريقها من ايران الى لبنان، في محاولة الأسد أن يعجب الادارة الامريكية. أصبح الرئيس السوري فجأة هو العنوان والغاية، والوسيط الذي لا ترتب الأمور من غيره. سيرتب الأسد ما يحاول الآخرون افساده.
اختار الأسد الاحتفال بمرور عقد منذ توليه السلطة بطريقة أصيلة: فقد أرسل نائبه ومستشاريه ليحاضروا محرري الصحف وأناس الهيئة الاكاديمية والدبلوماسية محاضرات جاهدة في “الانجازات” و “النجاحات” وبيان ان مفتاح النجاح في التمسك بقيم “العروبة” و “الوحدة”. وأعلن المحاضرون باسمه ايضا أن الرئيس لا ينوي أن يتخلى لأحد عن شيء – لا عن المقام المركزي الذي تبوأه لنفسه في العالم العربي ولا عن سنتمتر واحد من الارض المحتلة: فاذا كان الاسرائيليون يريدون السلام حقا فليعدوا كل شيء. لكن اذا كانوا يريدون المواجهة فان حزب الله مسلح بصواريخ تبلغ تل ابيب.
لكن ليست له مشكلات منا فقط. فالاسد يرتاب ان الايرانيين يريدون الخلاص منه. ويحذره مستشاروه من أن طهران ليست مستعدة لغفران محاولاته انشاء مفاعل ذري في سورية من وراء ظهرها. ولا تنسى ايران ايضا اغتيال “رجلها” مسؤول حزب الله الكبير عماد مغنية، قبل سنتين في أشد المواقع حماية في دمشق. لو استطاع آيات الله لعزل الاسد الان من الفور في أسرع وقت، وأقاموا زعيم سورية القادم من حركة الاخوان المسلمين. أمس بلغ التوتر بين حزب الله وسورية ذروة جديدة، واستصرخ الطرفان رؤساء الحكم في بيروت. يحذر حزب الله من أن الاسد يريد اسقاطنا للسيطرة على لبنان من جديد.
اصبح الاسد نفسه ينظم جدوله الزمني بحسب مكانته الجديدة على انه وسيط اقليمي. استقبل في المدة الاخيرة وزير الخارجية التركي داود اوغلو، ورئيس حكومة لبنان سعد الحريري والسيناتور الامريكي ارلن سبكتر الذي سمع منه رأيه في ادارة اوباما، وفي رئيس حكومة اسرائيل نتنياهو وفي الاحتمالات (الضعيفة) للتوصل الى اتفاق سلام مع الجارة الجنوبية. وفي الشهر المقبل سيستقبل أيضا حاكمي قطر والبحرين. وبين يديه ايضا محادثات مع وزير الخارجية وليد المعلم تمهيدا لنقاش مسألة هل يعطى رئيس السلطة الفلسطينية أبو مازن الضوء الاخضر للقاء نتنياهو في محادثات مباشرة في مقر الجامعة العربية في القاهرة. يحل أن نخمن أن الأسد سيأمر ممثله بأن يصوت معارضاً ذلك.
وفي هذه الأثناء، يجند الاسد نفسه أيضا من أجل القافلة البحرية المقبلة الى غزة. لن يكل حتى ينجحوا في كسر الحصار عن غزة. النفقة ايرانية، والسفينة تركية واليدان اللتان تسوطان القدر هما يدا بشار الاسد، الزعيم الشاب الذي تنبأ كثيرون عندما دخل قصر الرئاسة في دمشق وريثا لوالده في 17 تموز 2000 بأنه سيسقط أو يغتال في غضون سنة او سنتين.
يتذكرون عقد رئاسته الان لا في سورية فحسب. فقد كشفت المنظمة الدولية لحقوق الانسان هذا الاسبوع عن تقرير شديد في 35 صفحة اتهام للاسد وأجهزة الأمن والاستخبارات في دمشق. فتحت عنوان “عشر سنين ضائعة” تصور الوثيقة صورة سوداء لحكم قاس جدا، مع اعتقالات تعسفية، واغلاق للأفواه، ورقابة على وسائل الاعلام، واقفال مواقع فيس بوك ويو تيوب في المقاهي، ومقتبسات، ونمائم واخفاء “اعداء النظام” خاصة. حكم على 92 من نشطاء حقوق الانسان في سورية بعشر سني سجن على الأقل. وأرسل 25 من كتاب التعليقات في الانترنت الى غرف تحقيق لم يخرجوا منها.
“عندما تولى الاسد الشاب الحكم”، يقول بول سالم، رئيس مركز كارنيغي لبحوث الشرق الاوسط، “نثر وعودا بالديمقراطية والانفتاح والاصلاح. علق الجميع آمالا على الشاب الذي درس في الغرب وكان مدمنا للانترنت والبلاي ستيشن، وكانوا على يقين من أنه قد أتى الأمل الكبير. عندما بلغ الحكم، خرج مع زوجته الحسناء أسماء الى مطاعم وعروض مسرح لاظهار الحس الشعبي، لكن السجون امتلأت في غضون سنة من جديد وتلاشى حلم الديمقراطية.
كان فريد ش ايضا، الذي عمل في قسم الاعلام في قصر الرئاسة، متفائلا بعد ان سمع خطبة ترئيس الرئيس الجديد. ففي الخطبة التي حظيت بعنوان “ربيع دمشق”، وعد الاسد ابن الـ 34 بأن يفتح “الصالونات السياسية” التي انعقدت حتى ذلك الحين في الخفاء في بيوت خاصة، واجراء حوار مكشوف مع المثقفين والغاء احكام الطوارىء التي تعطي أذرع الاستخبارات بطاقة مفتوحة لاعتقال كل من تشتهي وكل من يعلم بأنه “عدو”. افتتح ش موقعا امتدح فيه الرئيس الجديد، ونثر النصائح والتوصيات وسمح لنفسه من آن لآخر بتوجيه انتقاد لين ايضا. “علمت أين ترسم الخطوط الحمراء وحذرت من السقوط”، يقول. بيد انه تبين له في مرحلة ما أن الرئيس الجديد الذي كان زميله في الدراسة، لا ينوي الوفاء بوعوده حقا. اعتقل ش، وعذب وحكم عليه بسجن طويل ونجح في الهرب من السجن الى احدى دول الامارات. وفي دمشق أعلنوا بأنه “مجنون” واعتقلوا والديه واخوته.
أبعد من أبيه
خصص الأسد السنين الخمس الاولى من ولايته لتثبيت حكمه وابعاد جميع الاشخاص الذين رآهم يمثلون الجيل القديم في الرفقة التي أحدقت بأبيه الراحل حافظ الأسد. وهكذا اختفى جميع نواب الرئيس ورؤوس الاجهزة الحساسة. رفع فاروق الشرع، وزير الخارجية الخالد، وعين نائبا للرئيس، لكن من ذا يسمعه؟ ومتى رأيناه آخر مرة؟ وجرى أمر مشابه أيضا على الجنرال آصف شوكت، صهر الرئيس، الذي كان رئيس اجهزة الاستخبارات: وهو اليوم يحمل اللقب الأجوف نائب رئيس هيئة الاركان، وتؤول صلاحياته الحقيقية الى الصفر.
إن محاولة تلخيص سني الأسد العشر في الرئاسة تظهر صورة مركبة. فمن جهة، فتح سورية لاستثمارات اجنبية وجند خبراء اقتصاد من لداته لانشاء خطة لخصخصة المصارف والتخفيف على رجال الاعمال من الخليج، ولا سيما من السعودية. كان الاسد على ثقة من أن المال التركي سيصب على المصانع والبنى التحتية وأن السياحة ستنمو وتزهر، لكن تركيا تفضل استثمار مليارات في كردستان خاصة. في مقابلة ذلك، الحظر الامريكي على التعاون مع سورية من كل نوع يصد الزخم. فادارة اوباما، مثل سابقتها تماما، تحاسب الأسد حسابا مرا عن توجيهه مرتزقة عربا الى العراق لقتل جنود أمريكيين. وعندما ظن الأسد أن البيت الأبيض ينوي تغيير علاقته بدمشق، وقف المرتزقة على الحدود. في شباط ا لاخير، عندما عينت واشنطن روبرت فورد سفيرا لها في دمشق لكن استقر رأيها على ابقائه في الوطن حتى اشعار جديد، تجددت موجة التسلل.
نجح الأسد ايضا في التخلص من مليوني الجالين من العراق الذين استجابوا دعوة القصر الرئاسي الى المجىء الى سورية. وعندما حذرت اجهزة الامن من ان اللاجئين الجدد قد يهددون النظام الداخلي بسبب ضائقتهم الاقتصادية، اهتم النظام بطردهم الى وطنهم. وحصل على رخصة البقاء فقط جالون اثرياء اودعوا في المصارف وفي مشروعات حكومية مبالغ ضخمة. تدفقت نسبة كبيرة من الودائع الى جيوب في القيادة. “الفساد في عهد الاسد الابن”، يقول البروفسور ايال زيسر رئيس مركز ديان في جامعة تل ابيب، “ليس لم يختف فقط بل ازداد حجما. فقد حل محل المرتشين من الجيل القديم مسؤولو القيادة الجديدة الكبار”.
والنتيجة أن سورية ما تزال دولة زراعية فقيرة. الايراد السنوي للفرد 2024 دولارا لكن “الاسد” كماي قول رجل استخبارات اسرائيلي “غير معني حقا بنماء سورية. لانه اذا قدم بلده قدما، واذا قاد الـ 22 مليون من المواطنين الى ديمقراطية حقيقية، واذا جاز فتح الافواه بلا خوف – فان اول شيء سيفعله المواطنون هو تطييره.
وهذا أيضا هو السبب الذي يجعل الاسد الابن، كأبيه بالضبط، كما يقدر العنصر الاستخباري، لا يقصد في الحقيقة اتفاق سلام وعلاقات طبيعية بنا، لان السلام التام الحقيقي قد يعرضه للخطر. التصريحات التي تصدر عنه في هذا الشأن ليست ثابتة. فمرة يقول في خيبة أمل “اسرائيل لا تريد السلام”، وأخرى يحذر (بغير قصد) من “حرب لم يكن لها مثيل”، وقبل اسبوعين، في مقابلة مع صحيفة “اوبزيرفر” اللندنية، تحدث فجأة عن “سلام وعلاقات تامة لا يوجد بغيرها سلام حقيقي”. وتصر جهة تقدير رفيعة المستوى عندنا على أن “الاسد الابن يمضي أبعد من ابيه. اراد حافظ الاسد سلاما كالسلام بين سورية واوكرانيا، بغير علاقات حقيقية، اما ابنه فيجرؤ على الحديث عن تعاون وتطبيع، بحسب النموذج المصري. ليس هذا قليلا اذا اخذنا في الحساب الضغط الايراني عليه. انه يسمح لنفسه بأن يتجاهل ويظهر الاستقلال”.
الفساد يعم ويطم
إن زوجة الرئيس، أسمى الأسد (35 سنة)، هي تعزيز بارز لمنتدى “السيدات الأول” في العالم العربي، الذي ينعقد من آن لآخر تحت عنوان “باحثات عن السلام”. إن جمالها الرقيق واصرارها على إدارة مكتب في قصر الرئاسة وإعمال أفرقة للصدقة والرفاهة، تلطف صورة الرئيس الصارمة. إن أسمى التي ولدت في لندن ونالت هناك إجازة في الاقتصاد، تدير مشروعات، وتجول في الميدان وتشارك. تبين تقارير دبلوماسيين في دمشق أن أيدي ممثليها الاخفياء وشقيقيها الشديدة التطلب طالت جدا منذ قويت مكانتها في القصر. واصبح أبناء عائلتها اليوم مشاركين مشاركة عميقة في صفقات اقتصادية ويعلمون الطلب والحصول على نسب من شاحنات سلع تدخل سورية أو تخرج منها.
“لم يحدث هذا في عهد الرئيس السابق”، يقول رجل الاعمال اللبناني مصطفى ش، الذي يدير شركة نقل من بيروت الى دمشق. “عند الاسد الاب أثرى ضباط الجيش ورؤوس الاجهزة، لكن العائلة الاولى حرصت على التواضع في ظاهر الامر. اما الفساد عند الاسد الابن فيعم ويطم. اذا تبين لهم ان شخصا ما يبالغ في مطالب الرشوة، فانهم يهتمون بالخلاص منه”.
على سبيل المثال اهتموا بالخلاص من الجنرال غازي كنعان في تشرين الاول 2005. كان كنعان، الذي عد قادرا على كل شيء في دمشق الراعي العسكري المخلص لبشار الاسد، وكان الممثل السوري الاعلى في لبنان، (وجمع ملايين من اموال الرشوة) وأصبح مركز قوة كان يمكن ان يهدد الحاكم الجديد. قبل خمس سنين استقر الرأي على اغتياله. خرج كنعان، الذي أدرك بحسه الحاد ما يحدث، من مكتبه ومضى الى بيته وأجرى من هناك مقابلة مع صوت لبنان وقال: “أشعر ان خطرا يقوم فوق رأسي”. بعد ذلك عاد الى المكتب. وبعد نصف ساعة دخل رجلان، ووضعا أمامه مسدسا وانذارا: “إما أن تنتحر” على نحو كريم وإما أن نطلق على رأسك رصاصة. واختار الامكان الأول وأطلق رصاصتين في فمه.
وفيما يتعلق باغتيال آخر، لرئيس حكومة لبنان رفيق الحريري بحسب جميع التقديرات الاستخبارية، توشك لجنة التحقيق الدولية أن تزيل التهم عن نظام الأسد التي سببت له عزلة كبيرة في العالم العربي. سيكون هذا عنده نصرا مضاعفا: فمن جهة ستعود سورية عودة عظيمة لادارة الامور في لبنان؛ ومن جهة ثانية اصبح سعد الحريري الذي أقسم على الانتقام لأبيه، يجد نفسه يسافر ذاهبا آيبا في طريق بيروت – دمشق، يصافح الاسد ويقول له “انت اخونا”.
وما زال برغم جميع النجاحات والانجازات لم يتعلم حسن الظهور، فكلامه غير مهندم واجراء اتخاذه للقرارات يعاني اعوجاجا كثيرا. “لكنه أكثر نضجا وحذرا”، يزعم البروفسور زيسر. “انه يصحح الاخطاء على الدوام ولا ينوي تنفيذ اجراء ما كان أبوه لينفذه. أعتقد ان الواقع يعمل الان في مصلحته. اذا كان يجب على الاسد في السنين الاولى ان يثبت استقرار حكمه فانه يجب عليه اليوم فقط صيانة الحكم كي لا تنجم مراكز اشكالية”.
وفي الشأن السلام مع اسرائيل، يجد البروفسور زيسر عند الاسد خطا ثابتا مصمما. “ليس في الحقيقة متحمسا للتوصل الى سلام معنا. أقدر انه يريد التوصل الى تسوية تستطيع خدمته. اذا عرضنا عليه هضبة الجولان فسيأخذها فرحا وإلا فسيصر على اعادة الاتراك الى الصورة ليحصل منهم على نقط أخرى. في هذه الاثناء، وكما يقول هو نفسه ليس له شريك جدي منا. وهو يعلم أن الحكومة عندنا لا تستطيع مواجهة الثمن. في الحاصل يقرأنا على نحو غير سيء وكذلك نقرؤه نحن أيضا”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى