صفحات سورية

الأوراق السورية

null
علي إبراهيم
لا يملك أي متابع سياسي إلا أن يعجب من الطريقة التي تجمع بها دمشق أوراقها السياسية إقليميا، وقدرتها البارعة على التعامل مع متناقضات، وقوى متباينة والخروج من أزمات كانت تبدو عاصفة وتطيح أي نظام. وأقرب مثال على ذلك اليومان الماضيان. ففي الوقت نفسه الذي كانت توقع فيه العشرات من اتفاقات التعاون خلال زيارة رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري بعد سنوات من العلاقة الصعبة مع لبنان وقوى «14 آذار»، كانت تستضيف اجتماعات بين فرقاء عراقيين؛ إياد علاوي ومقتدى الصدر في ما يبدو أنها وساطة سورية بتأييد غربي للمساعدة في حل عقدة تشكيل الحكومة العراقية الجديدة المتعثرة منذ أشهر.
ومثل لبنان الذي وصلت العلاقات معه إلى درجة توتر كبيرة بعد اغتيال رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري، والاتهامات التي صدرت بوجود تورط من جهات أو أشخاص في سورية، كانت العلاقة مع العراق بعد إطاحة صدام حسين متوترة وأكثر اشتعالا مع الاتهامات التي كانت توجهها بغداد والقوات الأميركية هناك لسورية بتسهيل دخول المقاتلين والانتحاريين.
إقليميا، طورت دمشق علاقات جيدة سياسيا واقتصاديا مع تركيا التي حشدت جيوشها على حدود سورية في فترة حكم الرئيس الراحل حافظ الأسد بسبب قضية زعيم حزب العمال الكردستاني، كما أن لها علاقات جيدة أيضا – كما يظهر على السطح – مع إيران رغم الاختلاف الشديد بين النظامين في إيران وسورية آيديولوجيا.
دوليا، ورغم العقوبات المفروضة وقوائم الإرهاب إلى آخره، تبدو واشنطن حريصة على فتح جسور وقنوات مع دمشق في سياسة تهدف كما هو معلن إلى التأثير من خلال الحوار والضغط على اتجاهات دمشق ومحاولة إبعادها عن إيران، وفي الاتجاه نفسه تسير أوروبا. تبقى إسرائيل وقضية الجولان المحتل، وأيضا فإن هناك ما يشبه الاتفاق غير المعلن أو رغبة مشتركة في إبقاء الأوضاع هادئة على الحدود. وإذا احتاج الأمر إلى تسخين فيكون ذلك عن طريق لبنان وحدوده الجنوبية.
كيف تستطيع دمشق الجمع بين هذه التناقضات واللعب بأوراقها بهذه الطريقة؟ هل هي مهارة أو شطارة من نوع خاص، أم دهاء كما يحلو للبعض تصويره؟ بالتأكيد هناك قدر من الشطارة البراغماتية. لكن السياسة لا تدار بالشطارة فقط. إنه الموقع والجغرافيا الذي توجد فيه سورية في قلب منطقة تموج بالأزمات وعوامل الانفجار، خاصة مع تداخل ملفات إسرائيل وإيران والعراق أو تصادمها مع المصالح الدولية، خاصة ما يتعلق أخيرا بالملف النووي الإيراني.
واستفادت دمشق من هذا الموقع الاستراتيجي وأهميتها بالنسبة إلى أمن هذه المنطقة سواء دوليا أو إقليميا في لعب أوراقها السياسية، والقفز فوق الأزمات. لكنها لم تستفد حتى الآن بالدرجة الكافية من أهم أوراقها استراتيجيا.
الأوراق الأهم هي جغرافيتها منذ أيام طريق الحرير، وتوسطها مفترق طرق في جغرافية القرن العشرين دولتين أكبر هما تركيا والعراق، ودولتين أصغر هما لبنان والأردن بحدود برية مشتركة. وهي أسواق واعدة للتجارة والاستثمار، يمكن أن تخلق – إذا توفرت الأدوات والفكر الصحيح – منطقة اقتصادية تموج بالنشاط بما يحسن دخل الفرد ويخلق وظائف جديدة، ويطور التكنولوجيا، شرط أن تعطى قوى السوق فرصتها للتنفس بعيدا عن البيروقراطيين وأصحاب الآيديولوجيات التي عفا عليها الزمن. لو حدث ذلك، فستذوب الحساسيات لصالح المصالح، ويكون الجميع سعداء؛ أنظمة وشعوبا. ولن تكون هناك حاجة للتعامل مع فصائل وجماعات كبر حجمها إلى درجة وقوعها في وهم أنها في حجم دول، بينما في ظروف طبيعية كان أقصى ما يحلم به زعماء هذه الجماعات هو مقعد في بلدية.
الشرق الأوسط

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى