صفحات سورية

نظام يرتاح … وشعب يئن حصار يتداعى

null
في حين كشف عدوان تموز /2006 عجز القوة الإسرائيلية عن قلب ميزان القوى داخل لبنان لصالح المشروع الأمريكي – الصهيوني وأدواته، فإن حركة السابع من أيار في بيروت والجبل أكملت إغلاق الدائرة في وجه القوى الداخلية المناصرة لذلك المشروع، وقصت مخلب القط الذي كان يـبيت ما يبيته. هكذا أسقط في يد الأمريكان وحلفائهم المحليين والإقليميين، ولم يعد أمامهم إلا الإنكفاء والتراجع عن محاولة السيطرة على لبنان، فقبلوا بسرعة ما كانوا يرفضونه بإصرار منذ العام 2005. تجسّد هذا في اتفاق الدوحة الذي تواقت بصورة ملفتة مع الإعلان عن بدء مباحثات سورية – إسرائيلية غير مباشرة، ووضع حكومة الاحتلال في العراق ليدها على الموصل دون مقاومة تذكر. وكان كل هذا إيذاناً بخسارة المشروع الأمريكي لمعركة كبيرة في المنطقة، وحصول تفاهم صامت ما، بين القوى المتصارعة، وبالتالي بدء تهاوي الحصار الذي امتد لسنوات على النظام السوري . تسارعت الخطوات بعد ذلك في الاتجاه نفسه، فدعي الرئيس الأسد للمشاركة في قمة الاتحاد من اجل المتوسط بحضور قادة أوروبا جميعاً، وأعلن أن الشراكة السورية – الأوروبية قد توقع خلال عام. ثم أعقبت هذا زيارة ساركوزي لسورية ، حيث وقعت عدة اتفاقيات ضمت في الجوهر القضايا ذاتها التي سبق التفاهم بشأنها في عهد شيراك، مع إضافة بارزة هي حصول شركة توتال الفرنسية على عقد تنقيب واستثمار للنفط السوري،الأمر الذي سبق أن رفضه النظام، مفضلاً إعطاء العقد لشركة أمريكية، كرشوة تأمل منها استرضاء إدارة بوش “دون جدوى”. وجاء عقد القمة الرباعية في دمشق بحضور فرنسي – تركي – قطري – سوري، ليعطي مؤشراً إضافياً إقليمياً ودولياً على مد شبكات إضافية للعلاقة مع النظام، أبعد مدى من اللحظة الراهنة وقد يكون لها شأن في المستقبل القريب.
روسيا … انخراط أكبر في  المنطقة
تحرّك النظام بسرعة للإفادة من سانحة تاريخية تنكفئ فيها الإدارة الامريكية بوضوح، في حين تسارع روسيا لمحاولة استعادة بعض الحضور الدولي الذي كان للاتحاد السوفيتي.  (ذاك الحضور الذي انصبت جهود أمريكية – أطلسية على تقويضه بكل الوسائل الممكنة، ونجحت في هذا نجاحات كبرى) ولو تحت العلم الروسي وحده هذه المرة. وجاءت زيارة الأسد إلى موسكو بعيد أحداث جورجيا في توقيت لا علاقة للصدفة به أبداً، ليعلن من هناك تأييداً صريحاًُ ومطلقاً للإجراء الروسي تجاه سلطة ساكاشفيلي. ويزيد عليه بإعلان الاستعداد لفتح الأراضي السورية لقواعد روسية صاروخية وجوية (وهو ما نفاه بعد أيام مصدر رسمي أقل شأناً).
ومن الواضح أن صفقات التسلح قد أبرمت، وأن تسهيلات ذات أهمية استراتيجية قدمت في مرفأ طرطوس للأسطول البحري الروسي، وأن عمقاً جديداً قد استعيد للعلاقات السورية – الروسية، وإن يكن غير واضح الجوانب والمدى بعد. بهذا يكون النظام قد وفر لنفسه ضمانات إضافية ضد التهديدات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية الكبرى، التي ظلت مسلطة فوق رأسه منذ الاجتياح الأميركي للعراق، والتي لم توفر القيام بتحركات عسكرية استفزازية ومهينة له، سواء بالاختراقات الأمريكية المتكررة للحدود السورية الشرقية في سنوات الغزو الأولى، أو في غارة عين الصاحب قرب دمشق، أو غارة دير الزور، أو الاختراقات الجوية المتكررة فوق القصر الرئاسي في اللاذقية .. وغيرها. بعد الخطوات السورية – الروسية الأخيرة، ستفكر إسرائيل والقوات الأمريكية طويلاً قبل الإقدام على تحركات مماثلة لما سبق، ناهيك عما هو أخطر منها.
٭       ٭        ٭
لا شك بأن النظام يشعر في العام الحالي أنه حقق نجاحات سياسية إقليمية ودولية مهمة، بعد سنوات صعبة مرت عليه، فممانعته، ورفضه للركوع المجاني الذي كانت إدارة بوش تطالبه به، ودعواته المستمرة للتعامل والحوار معه بحثاً عن (تفاهمات) حول قضايا الإقليم والداخل السوري، قد وصلت إلى نتائج ملموسة. ولم تعد إيران هي حليفه الوحيد، ولا أبواب
طهران وكوريا الشمالية هي الأبواب المفتوحة له دائماً، فيما غيرها مغلق. ولاشك من جانب آخر أنه قدم لفرنسا وأوروبا أهم ما كان مطلوب منه: تفاهم على تقاسم النفوذ وتعايش الأطراف المتصارعة (كل بارتباطاته وتحالفاته الخاصة) في لبنان – حصة في استثمار النفط السوري، كما قدم للأمريكان أكثر من ثمرة عملية مما يحتاجونه: لعب الدور الذي يستطيعه لتسهيل مهمة حكومة الاحتلال في بغداد للسيطرة على مختلف المناطق، الدخول في تفاوض غير مباشر مع إسرائيل بحثاً عن تسوية، فتح سفارة سورية في بغداد، وقبل هذا كله وبالترافق معه، قدم للغرب الامبريالي ما هو أهم وأكبر: تسريع لبرلة الاقتصاد السوري قانونياً وعملياً، وفتح الأبواب على مصاريعها لرأس المال العالمي والنفطي لاجتياح هذا الاقتصاد، والمشاركة في كعكة مغانم الأرباح التي ينتجها الشعب والوطن السوري.وفي ظل ما سبق من تطورات دولية وإقليمية وسورية داخلية، يصير مفهوماً حرص رايس على لقاء وليد المعلم في كواليس الأمم المتحدة، في إجراء هو من حيث الشكل على الأقل اعتراف دبلوماسي بتغيرات الواقع وتوازناته المستجدة.
في انتظار أوباما
هل يعني كل ما سبق أن الجو قد صفا للنظام وأن أموره قد استقرت بصورة مريحة له إقليمياً ودولياً ؟ لا … فما زال الوضع بمجمله يتسم بالانتقالية وعدم الاستقرار، وما يزال ثمة الكثير من الجمر تحت الرماد الذي ما يزال بدوره ساخناً. فالاتصالات السورية – الإسرائيلية غير المباشرة ما تزال معلقة. في الفراغ الأمريكي، بانتظار الإدارة الجديدة والسياسات التي سترسمها نحو المنطقة، وما إذا كانت ستدفع باتجاه إنجاز تسوية سورية – إسرائيلية، أم لا. وإن فعلت، فبأي تصميم وأي سرعة؟ وغني عن القول إن هذا الأمر مرتبط أيضاً بأزمات الكيان الصهيوني المتفاقمة منذ حرب تموز، بل في الحقيقة منذ الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي رسمت نهاية تاريخية للحلم الصهيوني، حين أكدت استحالة ابتلاع أو تذويب أو تهجير الشعب الفلسطيني مرة أخرى. كذلك فإن الوضع العراقي العميق المتشابك مع الوضع السوري، والوضع اللبناني الأشد تشابكاً، ما زال في حالة بعيدة عن الاستقرار الفعلي، وما يزال كل منهما حاملاً للكثير من الألغام والاحتمالات المتفجرة، بحيث لا يمكن للأطراف المعنية بهاتين الساحتين ومنها النظام السوري، بالاطمئنان إلى ما تعتبر أنها قد فازت به. ويكفي لتأكيد ذلك دفع النظام بقطعات عسكرية كبيرة إلى الشمال الشرقي السوري خلال العام الأخير. وكذلك التصاعد الملموس في الممارسات العنيفة للنظام في تلك المناطق، والتي تهدف فيما تهدف إليه، للتذكير المستمر بثقل قبضة السلطة وقسوتها القمعية المعروفة. وبالمثل فإن دفع قطعات أخرى للانتشار قرب الحدود اللبنانية الشمالية هو رسالة أكثر من واضحة لخصوم النظام في لبنان، لاسيما للحركات الإسلامية الأصولية التي حاولت وتحاول أطراف لبنانية وعربية (الحريري السعودية)  تعزيز تسليحها واستخدامها في صراعها ضده، كما ضد المقاومة اللبنانية.
ويأتي من جانب آخر، تكرر الاغتيالات الغامضة لشخصيات مهمة داخل
الأراضي السورية، وتواتر التفجيرات والاشتباكات المسلحة داخل دمشق
وخارجها، ليؤكد وجود جمر كثير ملتهب تحت رماد الهدوء الظاهري،
وليكشف أن صراعات غير معلنة بين أطراف غير معلنة (يمكن تخمينها)
مستمرة بأساليب وحشية دامية، داخل التراب السوري وخارجه . وعلى ضوء كل هذا، فمن الواضح أن أموراً عديدة وجوهرية، ستظل معلقة في ساحات الصراع دون إمكانية حسمها سلباً أو إيجاباً، بانتظار أوباما وما ستقرره إدارته من سياسات تجاه المنطقة.
٭        ٭         ٭
ويبقى قبل كل هذا، ومعه، وبعده، أن القضايا الملموسة الأساسية للشعب السوري، كقضية لقمة العيش، والعمل والتعليم والصحة والسكن، وقضية الحكم العرفي والقبضة الديكتاتورية التي تشد الخناق على الحياة العامة بصورة متزايدة، وتزيد مناخات القلق والخوف على المستقبل في صفوف أوسع الطبقات والشرائح الاجتماعية، ولاسيما مع تواتر الاغتيالات والتفجيرات …. تبدو هذه القضايا كلها غارقة في ظلام المجهول والقلق، بحيث أن الناس عموماً يسمعون أخبار ارتياح الأوضاع السياسية الخارجية للنظام، كما يسمعون أخبار أي نظام آخر في هذا العالم الواسع، وهم نصف نائمين، منهكين من شقاء العمل ومطاردة لقمة العيش والقلق على المستقبل، وكأنهم غير معنيين بما يجري حولهم رغم تأثيراته العميقة على مصائرهم ومستقبل وطنهم. إن أي نجاح أو “نصر” أو تحسن في أوضاع النظام لن ينال اهتمام الجماهير السورية الواسعة، ما لم تتم ترجمته بانفراح داخلي صريح وواضح في الحريات العامة واحترام القانون وحقوق المواطن، وبتحسن فعلي في شروط العيش وضمانات المستقبل. بعيداً عن، بل وعلى الضد من السياسات القمعية المعتمدة، وبعيداً عن، بل وعلى الضد من السياسات الاقتصادية الليبرالية المنـتهجة.
الحرية للشعب … كل الشعب
الحرية لكل معتقلي الرأي في بلادنا.
الحياة الكريمة لكل كادح وشغيل وعامل ومواطن.
هذه هي ميادين الانتصارات والنجاحات الحقيقية التي يطلبها شعبنا، وكل ما عداها سيكون أقل أهمية بكثير، بل وربما يرى البعض فيه قيمة سلبية، ما لم يصب في خدمة قضية الحرية ولقمة العيش الكريمة.
هيئة تحرير نشرة الآن – العدد 53-54
حزب العمل الشيوعي في سورية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى