صفحات الشعر

اختفاءات

null
جولان حاجي

[ الضواحي
وَجِلاً، بين طيوفِ المشبوهين،
في بطءٍ وفي حذر،
يصعدُ شارعاً قصيراً
صفرَ اليدين
ليقرعَ بالزفرات بابكِ،
فلا تلقي، أرجوكِ، من خلفه
سؤالكِ الخفِرَ المحيِّر:”مَنْ؟”
وأنتِ بكُمِّكِ ورذاذِ لعابٍ
تنظّفين المرآة، صامتةً مثلها.
لا تدعي للدمعِ
أن يمهّدَ للقُبلِ الطويلة فمَكِ.
لا تصفّفي، على عجل، شعرَكِ المحلول،
ولا تغتابي أحداً إذا مسّكِ منهُ اللهاثُ.

لن يدوسَ السجادة بنعليهِ المشقَّقين،
ولن ينثرَ ترّهاتهِ للبخارِ الذي تألفينهُ؛
سيُحكِمُ المزلاج
ولن يمدَّ، من ثغرةِ الشباك،
للريحِ الطرية رأسَهُ.

وكي يخفّفَ عن الحجرتين شؤماً
فاحَ من الشرفة الخالية
ليجدرُ به أمامكِ أن يفكّكَ بالسعادة
وهناً أمضّهُ
مثل أقصوصةٍ يسردُها للضريرِ الضريرُ:
“سأبلّلُ عيني بالبصلِ الذي تفرمين
وأنامُ الليلةَ في بنطالي،
الذي حملني مقروراً إليك،
حتى آذانِ الظهر،
فأسترخي أرنو النارَ التي تهسُّ
ويُحرجني نعاسي.”

سيكفيهِ، لو اقتربَ، اسمٌ نسيه
ليُسترَدَّ بغتةً إلى الوحشةِ السكرى،
وتكفي ليجفَّ جسدهُ
كلمةٌ لواها الغبارُ
تنتفضُ وراء خرومِ الستائر
مشبعةً بالدخان.

وربما كي تطمئنّي عليه
في السابعةِ من صباحٍ معتم
كطفلٍ زجرتْهُ النظراتُ فانزوى،
متكوِّراً كجنينٍ لم يُولدْ،
ستتصدّقين على الكنّاسِ المعتوه
بحذاءٍ مضى من يقتنيه.
[ المقهى
الحكماءُ كحيطانِ البازلت المسلَّحة
تحلّقوا، في الزاوية، حول طاولةٍ صغيرة
تخبُّ على مرمرها سلامياتٌ تنقرُ.
يخوضون دوّامةَ المفردات،
ويتذوّقون ثمارَ التقاطعاتِ الغريبة:
لقمة- عنكبوت
لقمةَ العنكبوت أو دهانَ الضريح.
” هيهات! جرِّبْ كلَّ شيء!”
تصايحوا وتضاربتْ أكفُّهم،
تدحرجتْ أقلامُ رصاصٍ بين الأحذيةِ المغبرَّة
وتطايرتِ القصاصات.

غير أنه بمُلملماتهِ، بوطأتهِ الخفيفة
نحيلاً كعودِ ثقابٍ أو أفقٍ،
ضيفُ الخوفِ الخجولُ اختفى فجأة،
وما تكلّمَ عن نفسه
يحنُّ للإوزّ يُؤنسهُ كما تحنُّ إليهِ النساء،
مسكوناً بالمتاه العظيم،
لم يشرحْ غموضَ البدايات التي انشطرتْ،
لم يسترجعْ حكايتهُ المملّة
فيتريّثَ عند حوافِّها الخطرة.

حلٌّ معقولٌ
لو أن الحظَّ والصبر
يتفقان على هذه اللعنةِ العجلى؛
حلٌّ معقولٌ
إذا ما تشوّشتْ ذاكرتك
أن ترمي الأشياءَ المفزعة إلى متاهها،
وتنتظرَ طويلاً قرب مستنقعٍ أزرق
قبلةً صغيرة تصلُ إلى شفتيك؛
أو أن تُرجِعَ الآلهةَ المنسيّة إلى البيت
لتملأَ الشمسُ كوبك
فتحتفلَ بالضوءِ وتنسى.

لكنَّ الضيف، غافلاً عما سمعَ سواهُ
بعدما نفضَ عن مرفقيهِ غبارَ المرمر،
وعن بالهِ نحّى
مشقّةَ أن ينهضَ رهبةَ أن يخرج،
صمتتْ ضآلتهُ واختفى فجأة.
وإليكَ تناهى الفجرُ ذابحاً ديوكَه،
إليكَ مقطوعةَ الرؤوس تعدو.
[ ضوء الشتاء
ما أرى
وشعاعاتٌ تزمُّ بالنُّعمى جفوني؟
أثري، إن كان،
ما لراقصةٍ على الجليد
معصوبةَ العينين تتزلّجُ.
وهذا حسبي،
إني خنقتُ وحنوتُ وقلتُ:
في قعرِ كفّهِ حسوتُ من أولِ صمتهِ زرقتي.
وهذا خجلهُ تمتمتهُ في يدي يدهُ.
“ما بكَ؟” بادرتهُ.
” لا الأشباحُ تنسيكَ نفسك
ولا يدُك الغضبى حنّتْ إليّ.”
استمهلتهُ، فتلقّى بالخفاءِ صفعةً دوّتْ
فحبا وأغضى.
استمهلتهُ، ويحي، فقتلتهُ.

” مفترّاً ظننتُك تهذي فأخَفْتني:
” دربٌ قفرٌ جئناهُ ثانية”،
سِرْ فيهِ ما شئتَ، إذن،
أو طُفْ بي في دمعتك”.
” أتخشينني إذن!؟
ضيّقٌ أفقي. هيّنٌ سأمي”.
أسرَّ فانسدلتْ جفونهُ ومضى
في حلكةِ الصبحِ الذي قط ما استعذبَهُ.

تمتمتُ، مثله، في ومضِ مروره:
نجمةُ السكران تخفقُ فامضِ حالماً
تلك تلةٌ ضاقتْ
لن تسعَ سوى النورَ الذي صرْتَهُ.
[ الماضي
مرة أخرى،
انتهى الليلُ في الفجر.
رأيتُهم يُشرعون الباب؛
جلودهم بيضٌ لطول مكوثهم في الظلمات،
وفي جيوبهم هدايا أثمنُ من بداياتٍ مضيئة،
هي رمادُ رسائلَ كُتبتْ لأجلي:
” عُدْ سريعاً، ولا تتأخّرْ.”

كيف سأعودُ
بيدين ملطّختين
إلى الماضي؟

لن تُجديَ الاعترافات؛
فقد كانوا دائماً معي.
سلكوا دهاليزَ لم أتوقّعها،
لم يتبرّموا بقلّةِ ما أملكُ،
زهورٌ برية في أيديهم استُبدِلت بالأصابع،
يشمُّون رائحةَ الوحدة،
يُسمُّون الكلماتِ زهورَ الألم،
يريدون في كلِّ جدارٍ باباً.
لكنّ النهايةَ هي النهاية:
شمسٌ تسطعُ،
عشبةٌ تيبسُ في جدارٍ يرتجف
كأنفاسٍ تخشى سؤالاً وشيكاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى