أكرم شلغينصفحات سورية

أحقاً هو غياب طائفي في معارضة النظام في سوريا!؟

null
أكرم شلغين
في درجات عالية من ارتياح التشكيل الحاكم في دمشق وتخلصه مما أرقه في السنوات الأخيرة تنطق أفواه السوريين المحسوبين على الثقافة والسياسة (وبالتحديد أكثر ممن يحتسبون على المعارضة) وتسطر أقلامهم ما لا يكاد يخرج عن كونه توصيفاً سطحياً يتحسر لأن عقداً آخر من حياة المستبد في كرسي الحكم قد بدأ؛ ولأن هذا النظام قادر على الاستمرار إذ يراد له البقاء دولياً وإقليمياً (دون نسيان أن إسرائيل تتصدر قائمة المشمولين بالحرص على عدم المساس بـ”عدو معروف”). ويتشعب خطاب هذه الأوساط ثم يصغر إلى حد التساؤل غير المبرَّر عن نشاط فئة معينة من الشعب السوري فنقرأ ونسمع من يريد أن يسأل ـ لكنه في الحقيقة يجيب على نفسه بما يريد أن يسمعه:(أين المثقفين العلويين الآن؟) وبرغم أن ما قدمت له أعلاه يمكن أن يصلح حقيقة كمادتين لموضوعين أحدهما يتعلق بالنظام الحاكم في سوريا وأسباب استمراره وبقائه وتجاوزه لمحنه والآخر عن المثقفين في سوريا ودورهم إلا أنني أفضل أن أتطرق لكليهما معاً ليس فقط لما للعلاقة بينهما من إحكام بل أيضاً عبر رؤيتهما ضمن إطار أوسع من مجرد المناقشة القاصرة وأحادية البعد لكل منهما على حدة.
لابد من استذكار تاريخي سريع يعيد إلى الأذهان أن التوجه السياسي العام في سوريا منذ النصف الثاني من خمسينات القرن العشرين بدأ يأخذ قواماً يسارياً بشكل عام، وتبلور أكثر في الستينات ليصبح هو الصوت المهيمن على الساحة السياسية والثقافية، وعلى نطاق أوسع وأعم في الفترة التي عقبت هزيمة حزيران 1967، ساهم في ذلك علاقة الاتحاد السوفييتي والكتلة الشرقية عموماً بسوريا، في تلك الفترة من صدمة الهزيمة بالتحديد والتي انتاب بها شعور عام لدى السوريين بالعجز وإدراك مدى القصور العربي عموماً بدأ كلٌ يعبر ويعمل بطريقته عن أن منطقتنا تحتاج لكثير من الوعي وأن تحصينها يتطلب، فيما يتطلبه، الإعداد الثقافي لتنشئة الإنسان الذي لاتنحصر طموحاته فقط بالتحرر ووعي الذات وإنما أيضاً يعمل لتثبيت، إن لم نقل، إيجاد مكانه على الخريطة السياسية، والقاسم المشترك لدى الغالبية ـ كما أسلفنا للتو ـ كان هو التوجه اليساري، والذي لم يكن وقفاً على الأحزاب السياسية المنظمة، يسارية الشعارات، وإنما ساد أيضاً على مستويات متعددة يتمثل بنشاطات الأفراد عموماً، فالمثقف والأكاديمي والمدرّس والروائي والمسرحي والفنان والسياسي إلخ كانوا في غالبيتهم يفندون، يناقشون ويكتبون بروح هي مزيج من التعريض لمرارة الواقع والتطلع لخيار آخر يزيح الكابوس عن صدر الشعب بغالبيته، وبالرغم من أن واقع القصور والعجز المحفِّز لحب النهوض بالبلد كان يدفع أحياناً نحو مشاعر تتجاوز ما يمكن إدراجه تحت عنوان حب الأوطان فينتج خطاباً قومياً ليس دائماً بالمستحب إلا أن السمة العامة للصوت اليساري كانت تتحلى (أو تتموضن) بلغة إنسانية يُحكى فيها عن الحريات والديمقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة والقيم والتهافت على المعرفة وتتبع الاكتشافات العلمية إلخ. تلك اللغة، وماتعبره عن حب الإنسان والوطن، ساعدت على استقطاب الناس، والشباب منهم بشكل خاص، لأنها تعبر عن آلامهم وآمالهم الإنسانية مثل الطبقية..وتلك هي الفترة التي عرفت أصوات وكتابات من يُفتقَدون اليوم ويكرر البعض التساؤل عنهم، كما بدأنا أعلاه. ولا نعتقد أن هناك من يستطيع أن يناقش في أن هوية (محمد الماغوط، سعد الله ونوس، هاني الراهب، عبد الله عبد، ممدوح عدوان، حيدر حيدر، محمد كامل الخطيب وغيرهم..) يمكن أن تحيد، أو تميل، بكل ما فيها من قيم وأسس عن حقيقة كونها يسارية وإنسانية وسورية بالمطلق. ليس مؤكداً أن أحداً من هؤلاء كان متحزباً لكن لغتهم واهتماماتهم لم تكن بغريبة أو بعيدة عما تطرحه القوى والأحزاب اليسارية سواء منها ما هو أهداف وتطلعات تحررية ونهضوية أوما هو حقيقة امتعاض من الواقع السياسي والاجتماعي في البلد.
مع بطش نظام حافظ الأسد لليسار واليمين إثر صراعه مع الإخوان المسلمين في نهاية سبعينات وبداية ثمانينات القرن الماضي تعرض اليسار في سوريا لضربة قوية حيث زُج بالآلاف من اليساريين ـ كما غيرهم ـ في السجون، ولم يكن بالإمكان التعافي من تلك الضربة خاصة أن المناخ السياسي العالمي لم يكن لصالح اليسار الذي تراجع وتقهقر مع انهيار الكتلة الشرقية وما تبع ذلك من تحولات سياسية عالمية وإقليمية أيضاً. وبقي قسم كبير من هؤلاء في السجون لفترات طويلة وحين خرجوا وجدوا أنفسهم في عالم مختلف بمفاهيمه وموازينه وتحولاته عن الذي عرفونه من قبل. لنلخص سريعاً أن ضعف اليسار في سوريا تزامن مع تلك التحولات العالمية وسيادة خطاب أمريكي حول تنظيم العالم بقيادة أمريكية، حين استثمرت طواقم الإدارات الأمريكية المتعاقبة سياسياً في انهيار الكتلة الشرقية وخلو الساحة العالمية من “العدو الشيوعي” لتعلن عن مشاريع عالمية مرة باسم “نظام العالم الجديد” وأخرى باسم “الدمقرطة” وجلبها لهذا الجزء أو ذاك من العالم. ولنتذكر هنا أن الأسد الأب وجدها فرصة ثمينة لينضم إلى تحالف المتحالفين للقيام بعمل عسكري في العراق فقط ليخرج “من البرد” في فترة ما قبل الإعلان عن “النظام العالمي الجديد”، ونتيجة لمناخات، وأحياناً فراغات، سياسية عالمية، إضافة إلى مهارة النظام السوري بتقديم نفسه كخادم حريص لصناع القرار العالمي، لم تصل مرة واحدة علاقة نظام الأسد مع العالم إلى حد تهديد الأخير المباشر له. في عهد الأسد الابن لم تتغير العلاقة جوهرياً مع الأمريكيين، إلا أن المتغير الأساسي كان هو ضعف خيارات النظام نظراً للمتغيرات الدولية فقد أصبح دوره ينحصر بتقديم الخدمات دون حوافز أو مساومات أو وعود ما من أي نوع كانت، بعكس ما كان يحصل في فترة الأسد الأب..، بل وساء واقعه ذاك أكثر، في فترة ما بعد 11 سبتمبر وعلو صوت المحافظين الجدد، حين غدا من الواضح أن النظام السوري الذي يقدم الخدمات في الخفاء، أكثر من الظاهر، لم يعد له إلا الامتثال وبدون مناقشة لما يؤتمر به. لكن، وبرغم سيادة أجواء، في فترة ما بعد غزو العراق، وضع بها النظام السوري تحت المجهر وأصبح مضغوطاً ومعزولاً إلا أن ذلك لم يتطور ليتهدد ذلك النظام، وفي الحقيقة حلّق خيال الكثير من السوريين في تحليل ما يجري حول أهمية وأبعاد تلك الضغوط.
نعود لوضع المتحزبين والمثقفين والسياسيين السوريين لنسترجع أن ضعف اليسار دفع به إلى مواقف غريبة وغير مفهومة وبعيدة عن اليسار وعن القراءة الدقيقة للتاريخ والماضي والحاضر، فتنصلاً من الماضي، وبشكل بدا فيه تناغماً مع الخطاب العالمي السائد وقتذاك، اعتبر بعض اليساريين أن “المفاهيم الشيوعية” ضيقة ومعزولة والخروج منها هو عين الصواب…، والمشكلة هنا لا تكمن في انتقاد الماضي وإعادة التفكير بالمفاهيم والأفكار المتبناة بل بالتحديد في كون المجموعة التي تبرأت من الماضي وفكره لم تستطع الاتيان بالبديل المناسب أو تبني فكر مقبول ومناسب لساحتنا ولشعبنا، لا بل وتعقد الأمر أكثر حين أراد هؤلاء أن يتموضنوا بأفكار اعتقدوها ليبرالية فكانت الكارثة أن ما كرروه ليس فكراً ليبرالياً (ولا عقيدة إسلامية، ولا علمانية ولا معروف لها هوية…) وأما المناداة بالديمقراطية وحقوق الإنسان في سوريا فهي ليست وليدة سنوات ما بعد الغزو الأمريكي للعراق وإنما أهداف طالما دفعت المعارضة السورية ضريبة غالية من السجون والتشرد والمنافي لمناداتها بها. لكن الفرق بين الفهم للديمقراطية وحقوق الإنسان في سنوات الستينات والسبعينات والثمانينات من القرن الماضي (أي فترة نهوض المعارضة اليسارية) والفهم في فترة ما بعد غزو العراق كبير، ففي الماضي لم يكن هناك حديثاً، لا من قريب ولا من بعيد، عن تمايز فلان عن فلان أو توزيع محاصصي عشائري ديمقراطي بل عن الحقوق والحريات والعدالة الاجتماعية للجميع دون تمييز..أما الفهم للديمقراطية في السنوات الماضية فكان وقعه ثقيلاً على الآذان والقلوب حين يتم التركيز على مراعاة هذا أو ذاك أو هذا الدين أو ذاك المذهب (تماماً كما ورد في صياغة إعلان دمشق عن تصور اللوحة الديمقراطية للبلد ذو الثقافة الإسلامية ووضع الأقليات في تلك اللوحة…) أو كما ورد في بعض الصياغات عن “الديمقراطية التوافقية”. والنتيجة كانت، بالمختصر، كارثية بكل معنى الكلمة فقد خرج هؤلاء من مشروع (فكر شيوعي أو ماركسي) اعتبروه “فاشلاً” إلى مشروع آخر جعلهم أشد عزلة بسبب عدم تقبل الناس له، ناهيك عن البلة التي يزيدها المشهد العراقي في الطين. بكلام أخير حول هذه النقطة من الفرق بين خطاب الماضي (في فترة النهوض اليساري) حول الديمقراطية وخطاب السنوات الأخيرة (فترة ما بعد غزو العراق) عنها نكرر أن ديمقراطية الماضي فهمناها بأنها إنسانية وللجميع: بفكر من كتب بها، بفن من تغنى بها، وبصدق من سجن لأجلها…وأما “الديمقراطية التوافقية” المتطلع إليها اليوم من اليساريين المتلبرلين فقد غدت تعني أنها ستقود في النهاية إلى ديمقراطية العشائر والقبائل والطوائف وأنها ستقود إلى التمايز والتحيز… وبسبب الغياب التام للوعي حول أين سينتهي ذلك الخطاب فقد أفرزت هذه المرحلة ثقافة “بوشارية” في شكلها وصغيرة ومتدنية بمضمونها فأصبحنا نقرأ ونسمع لمن يدعو طائفة للاعتذار من طائفة ثانية أو من يهزأ من هذه الشريحة أو تلك من الشعب السوري، ومن يعتقد أن لهجة هذه الفئة أو تلك من الشعب السوري تصلح مادة للهزأ وفي أحسن الحالات نجد من يطلق نداءات متشنجة مخطئة في تحليلها لما يجري في سوريا وتخطئ بالمطلق حين تفشل في تحليل بنية أو تركيب التشكيل المكون لنظام الحكم فتتعامل معه على أساس أنه طائفي، بينما تخفق في أن تُميّز أنه تشكيل ما فيوزي اقتصادي يحوي بداخله تركيب من جميع الطوائف والمذاهب والمناطق ومحمي بماكينة أمنية عسكرية طاحنة. بكلام مقتضب، كان للأحزاب، في الماضي، برامج سياسية وتحليلات أو تطلعات لمستقبل سوريا وشعب سوريا بالكامل أما في الحاضر فقد تغير ذلك وأصبح عاجزاً وفاشلاً في فهمه للخارج والداخل فتارة توضح المعارضة تعاطفها مع نظام الرئيس المحنط والديكتاتوري (حسني مبارك) ضد النظام الديكتاتوري الحاكم في دمشق وطوراً أخر تريد علاقات تعود بها سورية “عربية” حين تأزمت علاقة النظام القمعي الدموي بدمشق مع نظام “خادم الحرمين” ـ والذي يعرف الجميع ـ أنه ليس إلا سليل أسرة جلبت مشاكل وهموم وشجون لكل المنطقة العربية ليست بدايتها عندما تعهدت بالموافقة على الوطن القومي للمساكين اليهود في فلسطين وبأنها لن تخرج عن طاعة البريطان إلى “يوم الدين” (كما بينت وثيقة سعودية موقعة وممهورة) ولا نهايتها طرح وفرض مشروعات على القمم العربية صيغت بأياد غير عربية، وليست عربية بمصالحها وتصورها عن “الحل” للنزاع العربي الاسرائيلي، وداخلياً كان خطاب هذا الفريق من المعارضة السورية وبعض مثقفيها (أي الماركسين السابقين والليبراليين الجدد) قاصراً يندب الضيم ويتشنج بسببها لكنه يعجز عن مقارعة مهندسيها فيلقي باللوم مرة على العالم الذي يحمي النظام وأخرى لأن مجموعات (مرة يصنفها دينية وأخرى جهوية ..) من الشعب السوري اختفت أصواتها اليوم. ولكن الحقيقة تبقى أن رؤيتها القاصرة وابتعاد خطابها عن مصالح الجماهير هي واحدة من الأسباب الرئيسة لعزلة هذه الفئة من المعارضة في سوريا اليوم. وبالتأكيد فإن مرحلة كهذه لن تعيد صوت سعد الله ونوس وممدوح عدوان إلى الحياة أو تنجب أصواتاً متابعة لأصواتهم بألسنة أخرى وربما لن تكون محفزة لحيدر حيدر للاستمرار بالصوت الذي عرفناه به من قبل (وهذا مجرد تأويل شخصي مني والذي قد يفتقر إلى الدقة..!). وليس من زائد القول هنا أن نذكر من يسأل عن “المثقفين العلويين الآن” بأن السؤال الأكثر جدارة بالطرح هو أين المثقفين في سوريا من قضايا سوريا وشعب سوريا بكامله؟
من سمات مرحلة السنوات الماضية حول عمل هذا الفريق من المعارضة في سوريا أن الأخير قد دأب، وبسبب من ضعفه، على تمني أن يحظى بانتصارات على النظام القائم من خلال عوامل معينة غير العوامل الواقعية أو أو بجهود أخرى غير جهود الشعب السوري نفسه، فقد أخطأ هذا الفريق من المعارضة عندما توهّم عن إمكانية الإصلاح من داخل النظام وعلى يد الأسد الابن حديث الورائة للكرسي، وبعدها عندما اعتقد ذلك الفريق من المعارضة أن الولايات المتحدة ستطيح بالنظام السوري بعد غزو العراق، وأخرى عندما جلس ينتظر المحكمة الدولية بقضية اغتيال الحريري (ربما يراجع هؤلاء حساباتهم في هذه الأيام…!) وسط هذا التفكير الرغبوي لا نمتلك إلا أن نتمنى أن تكون هناك عملية مراجعة للذات وإدراك صعوبة التعلق بفكرة أو إيماءة أن عالماً تحدد سياسته المصالح الاقتصادية للدول قد يستبدل سلم أولوياته ليضع قضايا السوريين في أعلى هرم مصالحه. كما ونتمنى أن يمتلك ذلك الفريق من المعارضة الجرأة الأدبية ليراجع الماضي ويعترف بالعجز ولينتقد توجهاته المخطئة ولينتقد ذاته ويدرك أن الديمقراطية لسورية وحقوق المواطنة لن تأتي منحة من النظام الحاكم في البلد وكذلك لن يجلبها لنا الغير وأن سورية التي نريد ليس نموذجها العراق أو لبنان وإنما سوريا هي نموذجاً وريادية للآخرين، سورية لأبنائها جميعاً دون تمييز بينهم على أي أساس كان أو خلفية دينية، إثنية، أو اجتماعية، إنها سورية التي ننشد.
خاص – صفحات سورية –

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى