صفحات العالم

باراك أوباما هل تنقذه السياسة الخارجية؟

إعداد وترجمة ديما شريف
تنتهي بعد أشهر السنة الثانية من حكم الرئيس الأميركي باراك أوباما الذي يجد نفسه وحزبه أمام استحقاق كبير في تشرين الثاني المقبل، موعد أول انتخابات تشريعية في عهده. وفيما تتنوع التوقعات بشأن النتيجة، يعتقد البعض أنّ الجمهوريين قد يحصدون أكثر من المتوقع بسبب فشل الرئيس بتحقيق معظم ما وعد به على الصعيد الداخلي. إذ مر قانون الرعاية الصحية بصعوبة فيما الاقتصاد لا يزال يعاني. لكن، ماذا عن السياسة الخارجية؟ هل ستنقذه وتعيد الألق إلى عهده؟ مجلة «فورين بوليسي» فتحت صفحاتها لمناظرة بين اثنين من كتّابها لتقويم إنجازات أوباما في السياسة الخارجية وتأثيرها على شعبيته في الداخل والخارج
شخصيتَا الرئيس
جايمس تراوب *
بعد 18 شهراً على بدء ولايته، لم يحقق باراك أوباما حتى اليوم أي نجاح مهم على صعيد السياسة الخارجية. لكن هذا لا يعني أنّ الرئيس كان يقوم بأمور خاطئة، إلا إذا كان الصواب هو ببساطة ما ينجح في استطلاعات الرأي. أعتقد أنّ العبرة التي يمكننا استخلاصها من رئاسة أوباما حتى اليوم ليست أنّ «السياسة لا تعمل»، بل أنّ «الأمور أصعب مما
تخيلتم».
إنّه موسم التوقّعات الصغيرة. كان خطاب أوباما عن العراق، الأسبوع الماضي، مخصصاً للإضاءة على ما يعتبر أهم إنجازاته في السياسة الخارجية حتى اليوم، أي سحب الجنود الأميركيين وفق جدول زمني. كان الخطاب متواضعاً لدرجة أنّه في قمة بلاغته، حين قال أوباما جملته المعتادة منذ أن أصبح رئيساً: «لا تخطئوا في هذا الأمر»، لم يتعهد بأنّ الولايات المتحدة ستبقى في العراق حتى تحقيق النصر، بل إنّ «التزامنا في العراق تغيّر من جهد عسكري تقوده قواتنا لجهد مدني بواسطة دبلوماسيينا». الإنجاز الكبير لم يكن ترك العراق وهو مكان أفضل، بل الإنجاز ببساطة، مغادرته. أظنّ أنّ إدارة أوباما تعاطت مع العراق بأحذق طريقة ممكنة، لكن يعود ذلك كثيراً إلى أنّها أدركت أنّها يجب أن تترك العراقيين يرتكبون أخطاءهم بأنفسهم على أمل أن يدبّروا أمورهم. هكذا عزّز صنّاع السياسات بذكاء رأسمالهم السياسي المحدود. حتى الآن، بالطبع، لم يستطع القادة العراقيون تدبير أمورهم، وهم يصرفون وقتهم على الأمور التافهة فيما يحترق وطنهم (قد يحتاج البيت الأبيض لأداء دور أكثر فاعلية، لكن العراق يواجه اليوم معضلة سياسية لا يستطيع سوى سياسييه حلها).
كان أوباما محقاً في العراق حين حاول أن يفعل أقل شيء ممكن. ولو كان الرئيس مخطئاً في أفغانستان، وهو ما يبدو أكبر هذه الأيام، فلأنه لم يأخذ بنصيحة «فعل الأقل ممكناً» التي رماها نائب الرئيس جو بايدن وغيره لتصحيح زيادة عدد الجنود الكبير الذي أصر على أنها ستنجح وفق مخططاته. مناصرو «فعل المزيد» آمنوا بأنّ قوة عسكرية وجهداً مدنياً مركزاً قد يغيران الدينامية السياسية داخل أفغانستان، وبسرعة، كي تستطيع القوات الأميركية بدء الانسحاب في منتصف 2011. حتى الآن، يبدو أنّهم أخطأوا. الدرس هنا هو: حتى مع قوة متناهية وأموال متوافرة، لا تستطيع الولايات المتحدة منح الشرعية لحكومة يعتبرها شعبها غير شرعية (هل تتذكرون فييتنام؟).
هل نتمنى أن يهدد أوباما باجتياح إيران ليبرهن على قوته للمستقلين؟

هل هناك نمط معيّن هنا؟ هل تنجح هذه الإدارة حين تكون متواضعة وتضل حين تتوقع، وتعد أكثر مما تستطيع أدوات القوة الأميركية أن تنجزه؟ هذه فكرة مفاجئة: منذ الحملة الانتخابية، قدم أوباما نفسه على أنّه شخصية حذرة، على غرار برينت سكاوكروفت (مستشار الأمن القومي لدى الرئيسين جيرالد فورد وجورج بوش الأب) وجايمس بايكر (وزير الخارجية في عهد جورج بوش الأب)، أي مدرك حدود القوة الأميركية، وهو ما لم يكنه جورج بوش الابن. كان يعرف أنّه لدى الدول مصالح متناقضة، وأنّ القيم الأميركية لا يمكن فرضها أو نقلها، وأنّ التاريخ يملي شروطاً على توقعات الناس، وأنّ الخبرات السابقة أدت إلى أن يصبح الناس خائفين وكارهين للولايات المتحدة، وخصوصاً في الشرق الأوسط. لقد عرف التعنت المتأصل للأشياء. كما قال في خطاب القاهرة في حزيران 2009 «لا يمكن خطاباً واحداً أن يمحو سنوات من عدم الثقة».
هذا جانب واحد من باراك أوباما. لكنّ هناك جانباً آخر، وهو جانب مليء بالأمل وبالرؤية ويحمل في طياته إمكانية التغيير. فقد آمن أوباما لفترة طويلة بأنّه بحكم هويته، تاريخه وصوته، يملك قدرة فريدة لإعادة الاعتبار إلى السمعة الأميركية في العالم. وشاركه هذا الأمل المميز ملايين من الأميركيين والناس حول العالم. نشر أوباما هذا الطموح كثيراً في خطاب القاهرة الذي قال فيه إنّ اقتناعه بأنّ الشرخ الكبير بين الإسلام والغرب يمكن تجاوزه. وأضاف أنّ ذلك يعود إلى أنّه «متجذر في خبرته الشخصية» كمسيحي من عائلة كينية، وأميركي من جذور مسلمة ورجل أقام جسوراً بين هذه العوالم. الحماسة الكبيرة التي قوبل فيها الخطاب في الشرق الأوسط وغيره من المناطق تؤكد هذه الوجهة.
هذه الحماسة تبدو اليوم كذكرى بعيدة. رغم أنّ الخطاب نجح في تحسين مكانة أميركا في العالم الإسلامي، فهو لم يكن ذا تأثير يذكر على السياسة. فالأنظمة هي التي تصنع السياسات ولم تتأثر الأنظمة في المنطقة بيد أوباما الممدودة التي تعرض سياسة جديدة فيها «مصالح متبادلة واحترام متبادل». الدول المعتدلة مثل المملكة العربية السعودية والأردن لم تأخذ خطوات إضافية للدفع قدماً بالسلام بين إسرائيل والفلسطينيين. استفاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من الدفاع العاطفي لأوباما عن بلده للاستمرار بسياسة اعتبرها الرئيس الأميركي معيقة للسلام. تجاهل النظام في إيران رسالة أوباما للسلام التي وجهها وقت عيد النوروز، واستمر في السعي وراء القدرة النووية. وفي غياب التقدم في معظم القضايا، تراجع الرأي العام الإسلامي عن تأييده لأوباما، ولكنه لم يصل إلى مستويات بوش.
إذا كان الشرق الأوسط هو معضلة فيزيائية، فإنّ أوباما يعرف القصور الذاتي للموضوع، لكنّه بالغ في تقدير القوة التي يمكن ضغطه أن ينتجها. أوباما، مثل بوش، آمن بأنّ هناك شيئاً ما في شخصه، وهو شيء مختلف بالتأكيد، سيكسر الجمود المستمر منذ سنوات. يمكن النقاش أنّ بوش ساهم في تمديد هذا الجمود. لم يفعل أوباما ذلك. في موضوع إيران، يجب أن ننسب إليه قدرته على جمع تحالف من الدول مستعدة لفرض عقوبات، وعدم إعطائه عذراً لطهران لتوحيد الصفوف ضد الخارج «الفضولي». وجه أميركا، صوتها ونبرتها، لها أهميتها، لكن أقل مما آمن أوباما ومن حوله ومن يروّجون له. السبب الهامّ الوحيد الذي تشعر بسببه الشعوب في الشرق الأوسط بالغضب من أميركا، هو مساندتها إسرائيل. لكن الجمهور الوحيد الذي لم يتأثر بخطاب القاهرة هو الإسرائيلي. لأوباما نفوذ أقل من بوش في إسرائيل لأنّه ضغط على إسرائيل أقسى مما فعله بوش. فقد طالب أوباما بإنهاء المستوطنات، وصدّت إسرائيل ذلك. الجمود المستمر قتل عملياً «البداية الجديدة» التي وعد بها أوباما في خطابه في القاهرة.
جاذبية أوباما في تناقص مستمر في الوطن وفي الخارج. كان ذلك درساً قاسياً للبيت الأبيض. لكن يجب ألا نخلط حكماً انتقالياً بآخر نهائي. كان أوباما دوماً أكثر صبراً من منتقديه. لقد التزم بأسلوب الهجوم الخاص به حين كان يعتبر لاعباً هامشياً في 2007. لقد أطال النقاش حول أفغانستان حين كان المنتقدون يسخرون منه بسبب تردده. وفي ما يتعلق بموضوع الانتشار النووي المهم جداً له، لعب لعبة مقصودة، عبر طرح أساس لإنجازات صغيرة لكن مهمة في مشروع يعتبره مستقبلياً. السياسة بالطبع، لديها إطار زمني قصير للمغفرة، وإذا عاقب الناخبون الديموقراطيون بقساوة في تشرين الثاني، فسيعرّض فشل أوباما في تقديم نجاحات سريعة، قدرته لتحقيق أهدافه على المدى الطويل للخطر. لكن هل نتمنى أن يهدد أوباما باجتياح إيران ليبرهن على قوته للمستقلين. هل نريده أن يغازل الناخبين كما يفعل مثلاً جون ماكين دون خجل؟ لست من هذا الرأي أبداً.
القدرة على إلهام الآخرين مهمة جداً، لإدارة الدولة والسياسة على السواء. لكن الصبر، الإصرار ووضوح الحكم، وهي مزايا يقدرها أوباما في أشخاص مثل بايكر وسكاوكروفت، تستطيع إنجاز الأمور. لهذا السبب أستطيع القول إنّ قصة أوباما لم تكتب بعد، ومن المبكر جداً تقويمها.
* عضو “مجلس العلاقات الخارجية”
صفر من أربعة
ستيفن والت *
لو كنت مسؤولاً في الحزب الجمهوري، ولا أكترث أبداً لرفاهية الولايات المتحدة، فسأكون بحالة جيدة اليوم. سيربح حزبي الكثير من المقاعد في الكونغرس في تشرين الثاني. وهذا الربح سيجعل من السهل على الجمهوريين إعاقة مبادرات أوباما المستقبلية. والأهم من ذلك، سأكون واثقاً من استعادة البيت الأبيض في 2012. ثمة عامل أساسي يقف وراء ذلك. إنه الاقتصاد، بالطبع. فرغم أن فريق أوباما الاقتصادي قام بعمل جيد في إيقاف الذوبان المالي والركود الذي بدأ أيام الرئيس بوش، فإنّهم لم ينالوا ثقة الناخب الأميركي. لا يهتم الناخبون بالكوارث التي كان يمكن حصولها، لكنها لم تحصل. تهمهم الأمور التي تحصل اليوم. هناك قدر كبير من الأبحاث في العلوم السياسية التي تظهر أنّ فهم الناخبين للاقتصاد له تأثير كبير على الانتخابات الرئاسية. ويقول كتاب صدر أخيراً عن الأستاذ في جامعة برينستون لاري بارتلز إنّ نمو المدخول في سنوات الانتخابات ينبئ بقوة بنجاح الرئيس المنتهية ولايته.
المشكلة مع أوباما واضحة. لا يتوقع أحد أن يستعيد الاقتصاد الأميركي عافيته بسرعة خلال السنتين المقبلتين، وهناك خطر لا يزال يحدق بنا بحصول تراجع مزدوج وركود. هذه الحقيقة لا تضمن وحدها خسارة ديموقراطية في 2012، لكن اقتصاداً أميركياً يعاني ركوداً سيكون هدية للجمهوريين. وإذا حصل الجمهوريون على السيطرة على مجلس النواب، فسيستخدمون ذلك لإيقاف معظم المبادرات التشريعية، وسيكون من الصعب على الديموقراطيين دعم حظوظهم بتحسين الاقتصاد في 2011. يستطيع أوباما ادعاء شرف الوقوف خلف رزمة إصلاح النظام المالي وقانون الرعاية الصحية، لكن أياً منهما لن يحسن طريقة عيش الأميركيين بسرعة كافية لتغيير الكثير في صناديق الاقتراع.
بالنسبة لأوباما، للأسف، لا تبدو الأمور أفضل في السياسة الخارجية. في الجانب الجيد هناك اتفاقية الحد من الأسلحة مع روسيا (التي قد لا يستطيع التصديق عليها). وتوحي استطلاعات الرأي بأنّ صورة أميركا العالمية تحسنت كثيراً في مناطق عدّة من العالم. فقد لطّف المسؤولون قليلاً من الخلافات مع اليابان ويقومون بعمل جيد في إندونيسيا، وهذه سياسة ذكية في الوقت الذي تصبح فيه الصين أكثر جزماً. لكن كم صوتاً تؤمن هذه النجاحات المتواضعة لأوباما في 2012؟ قد أقول لا شيء، وخصوصاً أنّ صورة عالمية محسنة ليست إنجازاً حين نتذكر كم كانت الأمور سيئة حين انتخب أوباما.
وأكثر من ذلك، قد ينال أوباما علامة صفر من أربعة على القضايا الكبيرة التي حددت برنامج سياسته الخارجية، وبالتالي سيكون مندفعاً نحو 2012 دون إنجاز كبير على الصعيد المحلي أو الخارجي ليترشح وفقه. كل هذا ينذر بمشاكل للديموقراطيين في 2012.
لنلقِ نظرة على اللائحة.

العراق

لم يدخلنا أوباما إلى العراق، لكنّه يقوم بالعمل الصحيح بإخراجنا منه وفق الجدول الزمني (إلى حد ما) الذي حددته إدارة بوش في 2008. لكن من الواضح اليوم أنّ سياسة «الإغراق» التي كثر الحديث عنها كانت فشلاً استراتيجياً، ومن السهل للعراق أن يخرج مجدداً عن السيطرة فور رحيل القوات الأميركية. وحتى في أفضل الأحوال، يمكن اعتبار العراق خسارة للولايات المتحدة. فقد صرفنا تريليونات من الدولارات وفقدنا آلاف الأشخاص لإعطاء السلطة إلى حكومة تساند إيران، ولن تكون على الأرجح صديقة للولايات المتحدة. لكن الأميركيين لا يحبون أن يخسروا. وسينال أوباما اللوم لهذه النتيجة حتى لو كان ذلك غلطة سلفه.

إيران
تبنى السياسات الفاشلة نفسها مع طهران وتفاجأ لماذا لا تهرع إلينا

قام أوباما بمبادرات جيدة بداية عهده، لكنّه عاد تدريجياً إلى المقاربات غير المثمرة التي طبعت إدارة بوش. في الجوهر، يبقى موقف الولايات المتحدة تجاه إيران على الشكل الآتي: «تعطوننا بداية كل ما نريده، أي إيقافاً كاملاً لكل أنشطة التخصيب، وسنكون بعدها سعداء بالتحدث في بعض ما تريدون». هذه المقاربة لن تنجح، وسيدفع ذلك صقور الحرب، وبعضهم موجود داخل الإدارة، للقول إنّ الخيار الوحيد المتوافر هو القوة العسكرية.
يستطيع المرء أن يناقش أنّ أوباما يواجه عقبات في طريقه، منها انتخابات 2009 التي أثارت الجدل وما لحقها من اضطرابات في إيران، مما جعل التحادث مع طهران أكثر صعوبة. لكنّ النقطة الأساسية هي أنّ أيّ تقدم ملموس في هذه القضية لن يحصل مع مقاربة الإدارة الحالية. في أفضل الأحوال، سنواجه جموداً. وفي أسوأ الأحوال، حرباً أخرى. بعض الأشخاص الأذكياء لا يزالون يعتقدون أنّ الخيار الثاني مستبعد وأرجو أن يكونوا على حق. لكن هناك أصواتاً مؤثرة داخل الإدارة وخارجها، ستبقى تدفع باتجاه رد فيه قوة. بكل الأحوال هناك أمل قليل في أنّ أوباما سيستطيع أن يضع إيران في خانة الربح بحلول 2012.

إسرائيل ـــ فلسطين

استلم أوباما منصبه وهو يعد «بدولتين لشعبين» تتحقق خلال فترته الأولى، وبدا جدياً حيال ذلك حتى خطاب القاهرة في حزيران 2009. وتوالت التراجعات، واحداً تلو الآخر، منذ ذلك الحين، وكما قال السفير مارتن انديك في مقابلة مع جريدة هآرتس إنّ ذلك يعود أساساً إلى ضغط اللوبي اليهودي: «يهود أميركا تقليدياً يساندون الحزب الديموقراطي. صوّتوا بكثافة لمصلحة باراك أوباما وهم يميلون للتصويت لمرشحي الديموقراطيين ويؤمّنون تمويلاً كبيراً للحملات الانتخابية. ولذلك فإنّ العنصر اليهودي مهم جداً للمرشحين الديموقراطيين. لا أظن أننا نكشف أسراراً كبيرة حين نقول إنّ هناك العديد من الأشخاص الغاضبين من أوباما. وأظن أنّ البيت الأبيض فهم أنّ لديه مشكلة كبيرة في هذا الموضوع وهو يسعى بكلّ جهده لإظهار أنّه من أصدقاء إسرائيل وملتزم بالسلام».
يبدو أنّ التركيز اليوم هو على بدء نوع ما من المفاوضات المباشرة. لكن حتى لو استطاع جورج ميتشل اجتراح معجزة، فلن تؤدي هذه المحادثات إلى نتيجة. ستستمر المستوطنات في التوسع، ولن تفعل الولايات المتحدة شيئاً لإيقافها وسيستنتج العديد من الناس أنّ فكرة «الدولتين» تصبح مستحيلة. كما قلت مراراً، هذا الموقف سيئ بالنسبة للولايات المتحدة، إسرائيل، وبالطبع للفلسطينيين. ولكنّه سيئ أيضاً لأوباما لأنّه يعني أن ّ هناك قضية كبيرة لن يستطيع القول إنّه حقق تقدماً فيها.

أفغانستان

أوافق المعلقين الذين يقولون إنّ التسريبات الأخيرة من ويكيليكس لم تضف الكثير من المعلومات الجديدة عن الحملة في أفغانستان. على العكس، لقد أكدت كلّ ما كنا نعرفه من مصادر متعددة: الحرب تسير سيراً سيئاً، «شريكنا» الباكستاني «يلعب على الحبلين»، وأوباما ارتكب خطأً كبيراً حين قرر التصعيد في 2009. كم منكم واثق من أننا سنقلب الأمور لمصلحتنا؟ لقد علِق أوباما اليوم، ما يعني أنّه لن يرأس حرباً خاسرة، بل حربين خاسرتين. هو لم يبدأ أيّاً من هاتين الحربين لكن هذا لا يهم الناخبين الأميركيين، وبالطبع لا يهم الحزب الجمهوري وفوكس نيوز وغيرها من ماكينة الهجوم اليمينية.
يمكننا الإضافة إلى هذه اللائحة العلاقة المتدهورة مع الصين (وهي قضية لها آثار طويلة المدى)، وعدم وجود تقدم في قضية التغيير المناخي (وهي واحدة من أوليات أوباما التي لم تنفع). ولديك رئاسة ستتجه إلى 2012 مصابة بعرج ناتج من عدم وجود إنجازات ملموسة في السياسة الخارجية يمكن أن تنسبها لنفسها. لن يكون ذلك مشكلة إذا استمر الاقتصاد بالتدهور لكن كما قلت سابقاً لا أظن أنّ الوضع سيكون كذلك.
بالتأكيد، ولا واحدة من هذه المشكلات سهلة الحل. وعدم وجود تقدم (وفي بعض الأحيان وجود تراجع) يعكس الحالة الصعبة التي تعاطى معها أوباما منذ البداية. لكن هذا ليس عذراً. خطأ أوباما الأساسي كان محاولته إدارة سياسة خارجية تقليدية، تبين أنّها ليست مختلفة عن عهد بوش الثاني. وهذا وضع يتطلب تفكيراً أكثر إبداعاً واستعداداً لتجربة مقاربات جديدة والالتزام بها حتى لو أزعجت المكوّنات الداخلية. لكن، على العكس، اعتمد أوباما على «المتهمين المعهودين» لإدارة سياسة الشرق الأوسط وهؤلاء حققوا النتائج نفسها التي وصلوا إليها في السابق. هو «يلتزم بالمسار» في أفغانستان، رغم أنّ عدداً كبيراً من الأذكياء أخبروه أنّ هذه استراتيجية خسارة من البداية. تبنى السياسات الفاشلة وغير المبدعة نفسها مع طهران، وبدا بعدها متفاجئاً لماذا لا تهرع إيران إلينا. وربما كان الموضوع الأكثر بروزاً أنّه فشل في الاعتراف بأنّ دولاً أخرى (مثل الصين، باكستان، تركيا، البرازيل، العراق، إيران، اليابان، ألمانيا وحتى بريطانيا العظمى) لديها مصالح لا تتوافق دائماً مع مصالحنا، وأنّنا لن نحظى دائماً بمساندتها عبر خطاب متغطرس جديد. وأيضاً بعد كلّ هذا نحصل على «استراتيجية للأمن الوطني» مع جدول أعمال طوله ميل، واعتراف خطابي فقط بأنّ هناك حدوداً لما تستطيع الولايات المتحدة ويمكنها أن تحاول فعله.
إذاً، كما قلت، لو كنت مسؤولاً جمهورياً فسأعتد بنفسي الآن. فقط لو كنت أستطيع أن أجد مرشحاً لا يبدو … أشد سوءاً.

* أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفرد
الاخبار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى