أزمة النقاب في سوريةعمار ديوب

هل بدأت الصحوة العلمانية في سوريا؟

عمار ديوب
تثير الاهتمام تصريحات متــعددة صـدرت في الآونة الأخيرة، عن وزراء وسياسيين سوريين بصدد مواجهة قــوى الإرهاب والتطرف الديني وحركة التنقيب في المدارس والجامعــات وغيرها. وهذا من الأمور النادرة التي تسـتوجب منّا المديح؛ فمع الظلامية والتطرف، الجميع خاسر في سوريا، والمجتمع بكل فئاته مقتول مقتول، والكل مسفوك دمه: بقتله أو بتنقيبه أو بعزله أو بصناعة هوية دينية خاصة به.
القرارات ضد التنقيب حركة عالمية، بدأت في أوروبا، وانتشرت في طول العالم العربي وعرضه، ولا يخلو بلد عربي من الشكوى من هذا اللباس الذي يحوّل المرأة إلى كائن بلا هويــة ولا شخصية ولا أي شكل من أشكال الحضور، وهو ما دفع البعض إلى تشــبيه التنـقيب بالعري؛ ففي الحالتين المرأة مستباحة وبلا هوية متميزة سوى هوية السواد والظلام، والمتأتية من عقليات ذكورية جنسية، لا تفهم الوجود سوى من جانبين: الدين بتأويل خاص والجــنس؛ فالدين للرجال والمرأة وقف لمتع الرجال كي يكملوا «دينهم» من دون شهواتٍ حسية فاسدة. وبالتالي لا يجوز لأحد الاقتراب من الكائن الأسود، أو رؤيته، ومعرفته. المصيبة أن الرجل نفسه، لو شاءت المنـقبة خداعه لن يعرفها!
النقاب ليس من حقوق المــرأة ولا يدخل ضمن دائرة حقوق الإنسان كما يردّد مؤيدوه والمنافقــون لأصحــابه، فكما حقــوق الإنسان لي فهي لغيري، أي أنّه لا يحق للمنقبة حجب هويتــها عن الآخر، فمن حقه، أن يعرف ويتأمل مع من يتكلم، أهي ذكر أم أنثى، أمسلحة أو بدون سلاح؟ نعم، المرأة مع النقــاب ليــست من الكائنات البشرية، وهو بالفعل يعيدها إلى عصور الاستعباد والتســليع كأي بضاعة رائجة، فكيف إذا كانت تنطق؟ وهذا مؤشر خطــير على تراجع قيم التقدم والتحرر وتعبيـر عن انكفاء المجـتمع نحو هويــات قاتلة، ومهيئة بالكامل للعزلة والخروج عن قيم العــصر الحديث، القديم كذلك.
من حق المنقــبات، إن كنّ موظفات أن يحصلن على أجورهن، ولكن فقط خلال سنة أو سنتين، مع تشــدّد واضحٍ من قبل الوزارات المعنيّة بأن تحدّد لهن المهلة الزمنية بوضوحٍ ومــن دون لبــس، فـإن استمررن بالتنقيب سيكون من حق الحــكومة منع المعــاشات الشهرية عنهن. ومن الخطأ إحالتهن إلى وزارات أخرى كما فعلت الحكومة السورية، لأنهن سينــقلن نفس العـادات إلى بقــية الوزارات. ربما على الحكومة أن تفرض على الموظفــات أن يتواجدن في المكاتب مع الرجال، وكذلك في الصــفوف الجامعـية، فالرجال ليسوا أولاد الشــياطين، وليسوا كائنــات جنــسية شرهة لجــسد المـرأة كما يتصور الذكور المنقبين أنفسهم. هذه الرؤية القاصرة يجـب تحطيمها.
ما نقوله هنا لا علاقـة له بالحجــاب من قريــب ولا من بعيد، فهذا شأن ديني وحريــة شخصية بالفعل، ونحن لا نتناول الموضوع من زاوية دينية، بل من زاوية اجتماعية وبسبب العسف الشديد الذي يلحق بالمرأة والمجتمع من جرائه. وإذا كان للموضوع ـ النقاب ـ أصل ديني، فهو مرفوض بدوره، لما فيه من تكفير لكل من ليست منقبة أولاً ولها ثانياُ؛ فمن المعروف أن المجتمع حين ينحط، فإن الدين لا ينتج سوى التكفير، ويصبح حينها سيد المواقف فيه، والذي يدشن لاحقاً مبررات القتل.
لا شك أن التدين، هو السبب في بروز ظاهرات كهذه غريبة عن مجتمعنا، وبالرغم من مجيء النقاب من الوهابية السعودية، فإنّ شرطنا الديني الداخلي هو السبب الفعلي، حيث أن تراجع وانكفاء الظاهرات العلمانية عبر تغييبها، وبسببٍ من ضعفها، ولا سيما التيارات السياسية القومية والشيوعية والعلمانية – على اختلاف تمظهراتها – لعب دوراً مركزياً في ذلك البروز. الدولة السورية عبر تجفيفها الصعود العلماني الذي تميزت به منذ بداية القرن العشرين، سهلت مهمة تعزيز الطائفية وتقدم الهويات الماهوية المغتربة عن المجتمع في حدود علاقاته الدنيا، وكنتيجة للتفسخ جاءت حركة التنقيب والعزلة والتجاهل والمحافظة والإشادة بالهوية المذهبية أو الطائفية أو المناطقية.
بدأت الحكومة السورية، «حملتها» ـضد الطائفية والأسلمة السياسية، عبر بعض الإجراءات الأولية، وهي محقة بذلك، ولكن الموضوع يجب أن يتخطى ذلك نحو السماح للقوى العلمانية وغير العلمانية، سياسية وغير سياسية، بالعمل العام، وبما ينسجم مع القوانين العامة للدولة، وأن تصبح بكليتــها وضعية، واستبعاد الشريعة منها كأحد مصادر التشريع، وإلغاء قوانــين الأحوال الشخصية الطائفية، والتي تحوّل السوريين إلى أبناء أديان وطوائف وليسوا بشراً متساوين أمام القانون ولا يتمتعون بنفس الحقوق كمواطنين.
المشكلة تقبع في أن زمناً طويلاً قد مرّ، وفيه تشكّلت قناعات وأفكار وربما سياسات، وكلها تشجع على التنقــيب وليس على التحجيب فقط؛ فالنقاب تعبــير شاذ عن حـالة التـطرف المجتـمعي، ودلالة أكيدة أن التـقدم لم يعد له أرض صــلبة، بل وانكـفأ، وأن تفكك المجتمع أصبح حقيقة قائمة، وتراجعت أهمية الدولة بشكــل استثنائي.
هل تتحمل المرأة المنقبة مسؤولية ما؟ نعم، فهي إنسان بالدرجة الأولى، وعليها أن ترفض أو تقبل أي أمرٍ يُعرض عليــها أو ستضـطر إلى ممارسته، وأن تحدّد خياراتها، ولا يجوز سوقها إلى تنفيذ رغبات الرجل والخضوع لطريقته الذكورية المعتادة والمألوفة في تغييب المرأة بتنقيبها أو بغيره. وفي الوقت ذاته الذي نتفهم الوضعية المأساوية للمرأة في مجتمعنا، فإنّنا نحمّلها جزءاً من المسؤولية في تقـبلها التنقيب.
سوريا وبالرغم من كل ما أشرنا إليه، مؤهلة بحكم التطور التاريخي المتراكم (السياسي والثقافي)، لأن تكون دولة مواطنين. فهل تتخذ استراتيجية للعلمنة على مستوى الدولة السورية؟
السفير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى