صفحات سورية

إلا سوريا

null
زينب رشيد
حتى نساء مملكة الخوف والظلام السعودية التي اسماها حكامها على اسم عائلتهم تظاهرن أمام وزارة قمعها للمطالبة بالافراج عن أبناءهن وأزواجهن المغيبين في زنازين الموت والقهر، وقد فرضن على مسؤولو وزارة الداخلية الاستماع لهن ولمطالبهن مع الوعد برفع تلك المطالب الى الهيئات الاعلى.
في تلك المملكة لم يتظاهر الشعب يوما من أجل أي شيء ولا حتى من أجل فيضانات مياه الأمطار التي غمرت مدينة جدة للعام الثاني على التوالي مغرقة ذات المناطق التي أغرقتها في العام الأول ومضيفة اليها مساحات جديدة في مناطق جديدة، حتى يتظاهر ضد نظام العائلة الحاكمة الناهب لخيرات بلده والمبذر لثروات الشعب، إلا أن نساءه فعلنها بوحي والهام من ثورتي تونس ومصر وتظاهرن أمام أكثر وزارات هذا النظام الظلامي قمعا وقتلا.
من مظاهرة النساء في السعودية الى مظاهرات أعم وأشمل في دول لم يُعرف عن شعوبها أو طلبتها أنهم كانوا يسقطون حكومة ويتوجون أخرى بمجرد خروجهم الى الشارع كما كان شعب وطلبة سوريا يفعلون في ستينيات القرن الماضي.
ثورة في تونس أطاحت برأس النظام الأبوي الديكتاتوري حيث أجبرت الجماهير رأس هذا النظام على الهرب في جنح الظلام خوفا من أبناء تونس الذين أنهكهم ذلك الديكتاتور ورموز نظامه وافراد اسرته واسرة زوجته قتلا وسجنا وقهرا ونهبا وترويعا، فعادت تونس خضراء وستزداد اخضرارا ورونقا مع الأيام.
كما ان الشعب المصري قطف بالامس ثمار ثورته في التخلص من الطاغية وهو سيباشر العمل فورا في الانتقال من حكم بوليسي ديكتاتوري الى رحاب الدولة المدنية الديمقراطية التي تضمن العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة وتكافؤ الفرص والتعددية وحرية الرأي والتداول السلمي السلطة، كما تضمن وجود أجهزة رقابة ومحاسبة لكل من تسول له نفسه أن يمد يده الى أموال الشعب التي سرق منها رأس النظام الآيل للسقوط هو وأبناءه فقط حوالي السبعون مليار دولار وهو رقم كبير جدا اذا عرفنا ان حجم المساعدات الامريكية المقدمة الى مصر منذ توقيع اتفاقيات كامب ديفيد حتى اليوم لا يتعدى اربعين مليار دولار اغلبه مساعدات عسكرية. بمعنى اخر ان مصر بدون الديكتاتور مبارك لا تحتاج ابدا للمساعدات الامريكية.
والى الجنوب من سوريا لم يتردد الشعب الاردني بالخروج بمظاهرات صاخبة سيكون لها امتداداتها الحتمية بعد ان انتصار الثورة المصرية، وقد امتدت التظاهرات الاردنية الى مناطق نفوذ الملك حيث العشائر الاردنية التي ما انفك الملك يوما يستقوي بها ويتباهى بولائها المطلق له ولعرشه “الهاشمي”.
والى الشرق من سوريا في العراق صاحب التجربة الديمقراطية الفتية خرج الشعب العراقي للمطالبة بمزيد من الديمقراطية ومزيد من التوزيع العادل للثروة والقضاء على الفساد وضبط الامن والابتعاد عن التناحر الطائفي مع ان الأمن لا يقوضه الا أبناء العروبة الذين ما زالوا يصرون على اعادة عقارب الساعة الى الوراء، كما ان ما يسمى بالتناحر الطائفي هو من فعل أبناء الاسلام الذين يفتون ليل نهار بتكفير الشيعي واخراجه من الملة عدا عن كونهم يتعاملون أصلا مع المسيحي باعتباره ضالا كافرا منذ القدم.
وفي اليمن الغير سعيد الشعب هناك أجبر الديكتاتور على الخضوع مبكرا والاستجابة لمطالب الشعب بعدم الترشح لولاية رئاسية جديدة، أو توريث السلطة لابنه الجنرال الصغير، مع وعود أخرى باطلاق سجناء الرأي والعمل على تعديل الدستور بما ينسجم مع مطالب الشعب المنتفض، وكل هذا بالتأكيد لن يرضي الشعب الذي لا بد انه سيواصل التظاهر مستلهما من انتصار ثورة الشعب المصري، ولن يرضى بأقل من الرحيل الفوري للديكتاتور واعادة السعادة الى روح اليمن والبسمة الى ثغوره.
وفي الجزائر مظاهرات يومية ضد النظام ورموزه وكذلك في السودان و في فلسطين هناك مظاهرات رغم القمع، وهناك دعوات لمظاهرات في المغرب والبحرين وغير مكان من بلدان العالم العربي، وفي كل بلد دعا بناته وأبناءه لمظاهرات كان هناك تجاوب بنسب متفاوتة وكلما اقتربت ثورة مصر من تحقيق أهدافها كلما ارتفعت نسبة التجاوب مع تلك الدعوات، إلا في سوريا حيث “المملكة” التي يسودها صمت مطبق وحيث ان الدعوة الى التظاهر لم يستجب لها حتى شخص واحد فماذا حل في سوريا؟ وما الذي يمنع شعبها من اللحاق بركب شعوب الدول العربية الأخرى التي تظاهرت فأسقطت ديكتاتورها والتي تستعد للخروج لاسقاطه وبقية الشعوب السائرة على طريق التحرر.
كما كان العرب بعيدين عن معاناة الشعب العراقي في ظل الطاغية النافق صدام حسين، فهم اليوم أبعد ما يكون عن المعاناة التي يعانيها شعب سوريا في ظل نظام لا مثيل له ولا نظير من حيث الاجرام والقمع والتنكيل وتكميم الافواه وممارسته لارهاب الدولة المنظم ضد ابناء سوريا.
الشعوب التي ثارت، أغلبها يملك هامش من الديمقراطية وحرية التعبير بنسب متفاوتة بينما يغيب هذا الهامش أبدا في دولة البعث الأسدية البوليسية والهامش الوحيد الموجود في ذلك البلد هو الهامش الذي يركن به النظام كل من لا يسبح بحمده ويدين بالولاء له حتى وان بقي صامتا ولم يعترض.
الشعوب التي ثارت كلها تملك بنية انترنت لا بأس بها مكنت أبناء الشعب من التواصل والتحادث فيما بينهم مما مكنهم من القدرة على اطلاق تجمع احتجاجي أولي تطور الى ثورة، بينما الانترنت في سوريا ما زال وكأن شبكته يتم تشغيلها بواسطة “الحطب” عدا ان النظام السوري يتصف بخاصية في هذا المجال تميزه عن باقي دول العالم وهو ان من يدخل على شبكة الانترنت “السلحفاتية” لا بد له من تسجيل كل بياناته الشخصية رغم انه في كل الاحوال ربما لن يتمكن من الدخول الا لبعض المواقع الحكومية وأذنابها من المواقع الأخرى فالنظام السوري تفوق على الكثيرين في عدد المواقع المحجوبة لديه.
تفوق آخر يسجل للنظام البوليسي الأسدي هو عدد أجهزة الأمن والمخابرات التي لا حصر لها وكل مهامها هي الحفاظ على رأس النظام وقتل وقمع وسجن وتعذيب كل صوت مخالف، فهناك الأمن السياسي وأمن الدولة والأمن الجنائي وأمن المعلومات وفرع فلسطين وفرع التحقيق وفرع المنطقة وفرع الدوريات والمخابرات العامة والمخابرات العسكرية وجهاز الامن والاستطلاع الخارجي الخ.
لا يوجد سجين تجاوز الثمانون عاما من العمر في أي سجن عربي أو حتى في كل العالم عدا سجون بشار الأسد كما حال شيخ المحامين السوريين الأستاذ هيثم المالح، كما أننا لن نجد سجينة طفلة في سجون بلدان الشعوب التي ثارت وما زالت تثور كما هي حال طل الملوحي التي لم يخجل النظام بعد أن أحرجه العالم من ان يوجه لها تهمة التجسس لصالح جهات أجنبية، وهي سابقة لم تحصل بحق فتاة بعمر طل.
أغلب النظم التي ثارت عليها شعوبها كانت ما زالت تقدر الجيش وتقدم لأفراده وضباطه حياة كريمة بينما أفراد الجيش في سوريا يتلقون بضعة دولارات شهريا عن خدمتهم الالزامية في حين ان ضباط الجيش لا يتلقون مرتبات تكفي لاعالة أسرهم مما اضطرهم الى اتباع طرق للارتشاء والفساد ربما لا يتخيلها كثير من العرب، فكثير من ضباط الجيش في سوريا يعيدون بيع طعام الجيش الغير كافي اصلا للمطاعم الخاصة ويجبرون جنودهم أو يساومونهم على كمية المبالغ النقدية والهدايا العينية الواجب دفعها شهريا لهم مقابل أن لا يحضر الجنود الى معسكراتهم. وفي أكثر من حادثة اضطر جنود للعبور برا وجوا باتجاه العدو هربا من الظلم الفادح الذي يتعرضون له على أيدي قادتهم الذين يتعرضون بدورهم للقهر على أيدي منتسبي الأجهزة الأمنية المتعددة.
هما قيل عن الفساد في الدول التي ثارت شعوبها فانه لن يصل بكميته واساليبه الى ما هو موجود في سوريا خلال اكثر من اربعين عاما من عمر حكم العائلة الاسدية، فالفساد نخر كل اجهزة الدولة والمجتمع وتنوعت اساليبه وتم مسخ كل الاجهزة لتغدو بصورة فاسدة نتنة، ففي القضاء يعرف السوريون جميعهم ان هناك لائحة سعرية لكل القضايا التي تطرح امام قضاة سوريا من المخالفة التموينية والشجار العادي الى قضايا القتل والاجرام، باستثناء القضايا السياسية طبعا, كما ان ابتزاز المواطن وقهره لم يصل في اي مكان على وجه الارض الى ما هو موجود في سوريا. عرض علي مواطن سوري نسخة عن فاتورة مياه وجب عليه دفعها في حين لا توجد لديه في المنزل تمديدات مياه مقدمة كخدمة من بلدية دائرته وقد تم جبايتها عنوة بحضور عناصر شرطة ترافق موظف البلدية وهذا مثال بسيط جدا لحالة مواطن يعيش وعائلته ليس بعيدا عن مركز العاصمة ويضطر لشراء مياه الشرب والغسيل بشكل يومي من “صهاريج” متنقلة.
مجازر جماعية ارتكبت بحق السجناء مثلما حدث في سجن صيدنايا وقبلها في مدينة حماة حيث مارس الاسد الاب سياسة الارض المحروقة فدمر مدينة باكملها على رؤوس سكانها، وسجون فوق الارض وتحتها تغص بسجناء الحرية ويمارس بحقهم صنوف التعذيب وهم من خيرة أبناء سورية وجزء منهم من أبناء الطائفة العلوية الكريمة التي كانت كغيرها من كل طوائف الشعب وقومياته ضحية لهذا النظام الاجرامي، ومنافي متعددة ينتشر فيها أبناء سوريا، واقتصاد سوري منهك من سرقات مليارية ابطالها راس النظام وعائلته وحاشيته ورموز سلطته، ومجتمع سوري مقهور من قسوة النظام وطول بقاءه.
مصر التي خلع الشعب فيها الديكتاتور بالامس هي بمثابة جنة حريات قياسا لسوريا و تونس واحة حريات قياسا مع سوريا وبقية الدول التي تظاهر وانتفض شعوبها هي افضل حالا على كل المستويات وعلى العكس من ذلك فما هو متوفر للشعب السوري من تراكم نضالي تاريخي وخاصة في أحداث مشابهة لا يتوفر لغيره من الشعوب التي ثارت، فلماذا لا يثور شعب سوريا؟ ما زلنا ننتظر و انتظارنا لن يطول كثيرا، واذ كانت كمية القتل والاجرام التي يرتكبها النظام قد تؤجل ثورته قليلا فانها في ذات الوقت تمنحها دفعا يجعل منها ثورة سريعة وقاضية على النظام الديكتاتوري وركائزه المتهالكة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى