صفحات العالممحمد سيد رصاص

تمظهرات الصراع السياسي

محمد سيّد رصاص
أصيب الكثيرون بالصدمة المعنوية – الفكرية لما كانت عملية تفكك وانهيار”الكتلة الاشتراكية”وبنيان الاتحاد السوفياتي آخذة، في حالات عديدة، أشكال تفجرات وصراعات تمظهرت في شكل قومي (الصراع الجيورجي الأبخازي) أوقومي – ديني (الأذربيجان المسلمون مع الأرمن المسيحيين حول اقليم ناغورني كاراباخ – الشيشان المسلمون مع الروس الأرثوذكس – الكروات الكاثوليك مع الصرب الأرثوذكس في اقليم كرايينا بكرواتيا وهما مع البوسنيين المسلمين ثم الصرب مع الألبان المسلمين في اقليم كوسوفو)، كماأن التحالفات في صراعات بلقان العقد الأخير من القرن العشرين قد أخذت شكل الإختلاط القومي – الديني كما في تحالف (الصرب الروس – اليونان) ضد (البوسنيين – الألبان – الأتراك).
اعتبر الكثيرون أن هذا رجوعاً في عجلة التاريخ إلى الوراء، فيما تبنى العديدون نظرية المؤامرة:لم يقل هؤلاء بأن هذه التمظهرات معبرة عن فشل الحلول الآخذة لأشكال ما فوق قومية، كما في البنيان السوفياتي أو اليوغسلافي أو التشيكوسلوفاكي، وهو شيء قد رأيناه قبل ذلك في التجربة العثمانية وفي تجربة باكستان حتى انفصال باكستان الشرقية بعام 1971 وتشكيل دولة بنغلادش. كما أن هؤلاء لم يتجرأوا على القول بأن هذا تعبير عن مشكلات لم تحل عبر”الشكل الأممي وأخوّة الشعوب”وبأن ظهورها من جديد وأحياناً عبر أنهر من دماء هو دليل لا على “رجعية وتخلف الشعوب والقادة” وإنما عن راهنية مشاكل لم تحل وستفرض نفسها وستظهر وستنفذ في رمال الزمن مثلما ينفذ الماء في التربة.
ربما، كان أكبر دليل على اصطناعية تلك الحلول المافوق – قومية، والتي قام بها ماركسيون، هو قول ماركس في مقدمة كتاب”الإسهام في نقد الاقتصاد السياسي” (1859) بأنه “لا تطرح الإنسانية على نفسها قط سوى مسائل قادرة على حلها”وقول فريدريك إنجلز في كتاب”حرب الفلاحين في ألمانيا” (1850) بأن”الحروب الدينية في القرن السادس عشر كانت تتضمن مصالح طبقية ايجابية…. ورغم أن مصالح وحاجات ومطالب مختلف الطبقات كانت مختفية خلف ستار ديني فلم يبدل هذا شيئاً من الأمر ويمكن تفسيره ببساطة من واقع ظروف تلك الأيام”، ثم ليضيف انجلز في كتابه المذكور العبارة التالية متحدثاً عن أوروبا القرنين السادس والسابع عشر وهو ما يشمل ثورة 1642 1649 الإنكليزية التي قادتها طائفة البيوريتان التي مثلَت المزارعين الأغنياء وتجار لندن ضد الملك: “كانت عقائد الكنيسة شعارات سياسية”.
في عام 2002 خاض ليونيل جوسبان معركة انتخابات الرئاسة الفرنسية ضد جاك شيراك:لم يرتفع صوت فرنسي واحد ليشير إلى بروتستانتية جوسبان حيث لايتجاوز البروتستانت 1% من المواطنين الفرنسيين فيما الكاثوليك 90%. في عام 1685 لم يكن الواقع الفرنسي هكذا عندما نقض وألغى الملك لويس الرابع عشر مرسوم نانت (الصادر عام 1598) المنظم لعملية التعايش بين الكاثوليك والبروتستانت الفرنسيين (الهوغنوت)، وهو ما أدى إلى طرد ما يقارب المليون من الفرنسيين، وغالبيتهم من التجار والصناعيين المهرة ورجال المال، إلى انكلترا وإلى جنيف، بعد تحطيم الكنائس البروتستانتية واغلاق مدارسها. كان هذا دليلاً على أن تلك المسألة التي تمظهرت في صراع كاثوليكي – بروتستانتي بفرنسة لقرن من الزمن، كانت تعبيراً عن صراع اقتصادي اجتماعي سياسي ثقافي، تمحور بين صغار النبلاء وأعيان الريف وصناعيين وتجار في جنوب غرب فرنسة وفي الغرب عند مقاطعة النورماندي وفي مدينة ليون ضد السلطة المركزية في قصر فرساي المتحالفة مع كبار النبلاء والكنيسة الكاثوليكية، ثم ليقوم لويس الرابع عشر، الذي قال يوماً عبارة “أنا الدولة”، بين 1686 و1715 بتنمية السلطة المركزية على حساب كبار طبقة النبلاء وهو ما جعل توكفيل في كتابه”النظام القديم والثورة” (1856) يعتبر ثورة 1789 تعبيراً عن ذروة اتجاه عام نما في رحم النظام القديم وأنها لم تنشب لولا عودة نمو قوة النبلاء في عهد لويس السادس عشر (منذ 1774).
هذا يعني، من تجربة جوسبان – شيراك، أن تلك التمظرات الكاثوليكية – البروتستانتية، التي أخذها المسرح الداخلي الفرنسي لقرن كامل من الزمن بكل انعكاساتها في الفكر والثقافة والسياسة والاجتماع، قد تجاوزها تطور المجتمع الفرنسي ووضعها وراءه، وأن تمظهرات الصراع السياسي الفرنسي قد أصبحت، وهذا واضح في القرن العشرين وإلى حد أقل في القرن الأسبق، تأخذ شكلاً سياسياً – أيديولوجياً حديثاً بعيداً عن التعبيرات والأشكال الدينية. في العراق حصلت تجربة معاكسة: في يوم انقلاب 8 شباط 1963 على عبدالكريم قاسم أخذ الإصطفاف السياسي – الأيديولوجي مظهر استقطاب في معسكرين، بين حزب البعث القائد للإنقلاب العسكري وخلفه قوى قومية عروبية من ناصريين وحركة القوميين العرب، وبين معسكر الدفاع عن سلطة قاسم الذي كان مؤلفاً أساساً من الشيوعيين العراقيين. كان هذا الإستقطاب يومها، حسب حنا بطاطو في الجزء الثالث من كتابه عن العراق، متموضعاً بين مكانين يفصلهما جسر على دجلة هما حي الأعظمية المعادي لقاسم وحي الكاظمية (سمي بهذا الإسم نسبة لإمام الشيعة الثامن موسى الكاظم حيث بني ذلك الحي حول مرقده) الذي كان معقلاً للشيوعيين. في يوم 9 نيسان 2003 الذي شهد سقوط مدينة بغداد بيد الإحتلال الأميركي ولسنوات سبع بعده كان استقطاب المكانين المذكورين محصوراً بقوى سياسية إسلامية سنيَة وشيعية تتراوح بين التنظيم الإخواني العراقي المسمى بـ(الحزب الإسلامي) إلى الشيخ حارث الضاري ومايمثِل في الأعظمية وبين (حزب الدعوة) وآل الحكيم وتنظيمهم مضافاً لهما الصدريون في الكاظمية.
يعبر ذلك كله عن تمظهرات، فالتاريخ هو”تغيُرٌ على الأشكال”وفقاً لتعبير ماركس، وكل تمظهر يعبر عن مستوى محدد من التطور الحضاري للبلد المعني، فإذا كان الصراع الطبقي يأخذ شكلاً سياسياً أيديولوجياً حديثاً ولكن مع محتويات اقتصادية – اجتماعية – ثقافية، فإن الصراعات القومية والقومية الدينية، أوالفئوية أو الجهوية – المناطقية، تعبر عن مستوى أدنى في التطور الحضاري بالقياس إلى الصراع الأول، ولكنها أيضاً تأخذ شكلاً سياسياً قومياً أو قومياً – دينياً أو فئوياً أو جهوياً – مناطقياً بمحتويات اقتصادية – اجتماعية – ثقافية يحملها كل طرف من أطراف الصراع، وهي لا تعبر عن عدم وجود طبقات اجتماعية بل عن نزوع هذه مجتمعةً أومعظمها إلى تغليب تلك الأشكال على ذلك الشكل السياسي – الأيديولوجي الحديث، إما لسبب فشل الأخير في التعبير عن مصالحها عبر تجربة سابقة، أو لأسباب أخرى موضوعية وذاتية عندها.
المستقبل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى