أحمد مولود الطيارصفحات الناس

تحقيق حول ظاهرة الكتابة باسم مستعار في سوريا

null
أحمد مولود الطيار
: الأسباب والضوابط والمعايير ورد فعل النظام
ناشطون وكتاب سوريون وأفراد عاديون، تنتشر تعليقاتهمخاصة على موقع التفاعل الاجتماعي “فيس بوك”، درجوا في مراحل مختلفة في ظل نظام يصفه كثير من المراقبين والمحللين بالشمولي، على الكتابة مرة بأسمائهم الحقيقية، ومرات كثيرة بأسماء مستعارة. حول هذه الظاهرةوأسبابها، ولماذا، وهل تأتي بالنتائج المتوخاة منها، كذلك عن الضوابط والمعاييرلتلك الظاهرة وما هو رد فعل النظام السوري ازاءها، استطلع “سكايز” آراء أبرز إسمين ظهرافي الآونة الأخيرة، وشكلا بنشاطهما إن على “فيس بوك” او في كتاباتهما،حضورا ملحوظا، وهما الشاب ملاذ عمران والشابة هيام جميل. استطلعنا كذلك، رأي الدكتورعاطف صابوني عضوالادارة المؤقتة ل”منتدى الأتاسي الافتراضي” على “فيسبوك”، وسألناه إن كان هناك من تأثير سلبي أم ايجابي جراء مداخلات أصحاب تلك الأسماء المستعارة على الأوراق التي قدمت للمنتدى.
وأخيرا حول مجمل تلك الظاهرةتجاوب معنا مشكورا الكاتب والمفكر ياسين الحاج صالح لفهم هذه الظاهرة وتقصي أسبابها ونتائجها.
لماذا تكتب باسم مستعار؟ أجاب ملاذ عمران قائلا: “بالنسبة لي وللغالبية من الذين عرفتهمويكتبون بأسماء مستعارة، الموضوع هو فقط بهدف الاستمرار ليوم آخر، هناك الكثير ممانودّ قوله وفعله ولن يتاح لنا ذلك بأسمائنا الحقيقية، وهذا ليس استثناءً بالمطلق،فكل حركات التحرر حول العالم استخدمت هذا الأسلوب وليست سورية أو النشاطالإلكتروني استثناء على ذلك.”
أما هيام جميل فترجع السبب الى “وجودخطوط حمراء كثيرة تضعها السلطات الأمنية” منها “فساد أهل السلطة وممارسات الأجهزة ذاتها”، وتضيف: “…الوضع الأمني الضاغط على الجميع،كتابا وصحفيين وسياسيين، حيث أن هنالك الكثير من المواضيع التي لا يستطيع الكتّابطرحها بأسمائهم الصريحة، كما أن الاسم المستعار محاولة جادة لرفع سقف الحرية فيالبلد من أجل المزيد من حرية التعبير عن الرأي”.
وماذا يقول عاطف صابوني: “لا شك أن الخوف هو السبب الأول للكتابة بأسماءمستعارة ولكن هذا الخوف ذو شقين :الشقالأول يتعلق أساسا بالمساءلة،حيث أجهزة الأمن التي تراقب كل ما يكتب أو ينشر، والشق الثاني يتعلق بالخوف من الإفصاحعن الفكرة ذاتها، حيث يلجأ البعض لانتحال اسم مستعار لطرح قضية لا يملك الشجاعةعلى طرحها باسمه الصريح، وهذا أمر بدأ شيوعه في الآونة الأخيرة وهو يعبر عن موقفسيكولوجي أو عن قلة اللياقة الديموقراطية أو عن قلة الثقة بالنفس”.
هل تشجع ظاهرة الكتابة باسم مستعار؟ ملاذعمران أجاب: “نعم أشجع هذه الظاهرة، لأن كل واحدمنا كسوريين لديه الكثير ليقوله وشهد الكثير من الانتهاكات التي نحتاج إلى فضحهاولسنا مستعدين لدفع أثمان باهظة من حياتنا ومستقبلنا ثمناً لما هو حقنا أصلاً بكلالعهود والمواثيق الدولية وحتى الدستور والقانون السوري، لكنها جميعا تداس تحتأقدام المخابرات التي تحمي نظام فاسد لا هم له سوى البقاء والثراء والسلطة”.
هيام جميل تشجع على ذلك، وترى في الكتابة باسم مستعار “مخرج ملائم حاليا للهروب،قدر الإمكان من أيدي الأجهزة الأمنية وملاحقاتها”.
الدكتورعاطف صابوني المقيم خارج سوريا له رأيمختلف في الموضوع، ويرى بأن الكتابة باسم مستعار “لا تخدم أبدا قضاياالمعارضة والتغيير، طالما أن شعاره سلميا وديموقراطيا”. ويعلل سبب رفضهبالقول: “السرية لم تحمي المعارضة في يوم من الأيام من عصا النظام الغليظة… ثم إن المعارضة المجهولة لن تكون ذات مصداقية أمام الناس وسيتوجس النظام منهاأكثر وسيملك مبررا أكبر لملاحقتها وقمعها”.
أما حول أن بعض ممن يكتبوا بأسماء مستعارة واتسام كتاباتهم باللغة “العالية”وخلوها من المعايير والضوابط المتعارف عليها، فيقول ملاذ عمران حول هذا لموضوع:”بالمطلق لست مع أية ضوابط”، ويتابع:”هناك من يكتبون بلغة شتائمية وسوقية، وهناك من يكتب بلغة طائفية، لكن بالمقابل هناككثر من يكتبون باتزان”. ويعتبر ذلك “صادقجدا ويعبر بصراحة عن تركيبتنا كمجتمع سوري يجمع الطائفيين والسوقيين والمتوترينوالمتزنين على حد سواء” .
أما هيام جميل فتطالب “بضرورةالتزام الموضوعية عند الكتابة تحت اسم مستعار، المطلوب هو مزيد من الجرأة، وليسمزيد من الفوضى في الطرح”. ولا تشجع حسب رأيها “البهلوانيات في الكتابة”وتقف بالمطلق ضد “السب والشتم” وتشدّد على “الكتابة المسؤولة”المقترنة ب”الحقائق”.
عاطف صابوني يرى إن تلك اللغة العالية والتي تحتوي على “خطاب شبه طائفي ودعواتللاجتثاث والانتقام والى التدخل الخارجي أحيانا أو الى تمزيق البلد وغيرها من الدعواتوالكلام غير اللائق سياسيا”، ويحذرمن استخدام الأجهزة الأمنية لهكذا أساليب والدخول على الحوارات بأسماء وهمية من أجل”تخويف الناس وفرض أجندة حوارية غير وطنية على تلك الحوارات”.
وحول تأثير هذه الظاهرة على “منتدى الأتاسي” على اعتبار أنه أحد أركان ادارته،يقول صابوني: “للأسف فان أغلب من يقومون بذلك ليسوا من الداخل ولكن من خارجسورية وذلك يفترض بهم أن يكونوا أكثر راحة في التعبير عن مواقفهم بأسمائهم الصريحة،ولكن هذا لا يمنع أن يلتزم أعضاء ورواد المنتدى بقواعد رئيسية لاتتعلق بحريةالتعبير ولكن تتعلق بضوابط طوعية تشكل ميثاقا للشرف حول قضايا أساسية التزمت بهاحركة المعارضة السورية، كالبعد عن الخطاب الطائفي والنأي عن استخدام أوصافالحيوانات أو السخرية الشخصية وغيرها مما كان يرد في المداخلات”. ويخلصصابوني الى القول أن هكذا لغة “تسبب نفورا وتراجعا من المتقدمين بحذروبطء”.
ماه و رد فعل النظام السوري على تلك الكتابات الموقعة بأسماء مستعارة وكيف يرصدها مناستطلعنا أرائهم في هذه الظاهرة؟
عمران يرى أنه وزملاءه باتوا “يشكلون مشكلة حقيقية للأجهزة الأمنية وأنهم يجدوندائما الحل لمواجهة أدواتهم”.
كيف ذلك؟ يجيبنا: “البروكسي لتجاوز حجبهم، المجهولية العالية لحماية هوياتنا،التشفير لمواجهة التنصت”، وفيما يشبه السخرية من تلك الأجهزة يتابع:”يحتاجون إلى سنوات لتطوير أو شراء آلة قمع افتراضية لكننا في صباح اليومالتالي نتجاوزها”.
جميل ترى بأن النظام السوري “يخشى الأسماء المستعارة كما يخشى الأسماء الحقيقيةويبذل قصارى جهده لمعرفة هوية أصحابها، وخصوصا حين يصبح لدى صاحب هذا الاسم رصيدجيد من الجرأة والموضوعية في طروحاته”.
ثم تضيف: ” تستنفر الأجهزة الأمنية، وتسأل جميع من تستدعيهم عن هذا الاسم وتبقى “وراهوراه”… لتجيب قراره”.
رد فعل النظام السوري على هكذا كتابات سواء أكانت بأسماءحقيقية أو مستعارة هو الحجب الكامل لكل المواقع الالكترونية للمعارضة السورية وحتىبعض المواقع غير المعارضة ? كثير من الصحف العربية لا تدخل الى سوريا ورقياومواقعها أيضا محجوبة على الانترنت – لمجردمقالة أو رأي مخالف ينشر فيها كما يخبرنا الدكتورصابوني، ويضيف: “اضافة الى اجراءاته الانتقامية ضد العديد من الناشطين عبر الانترنتكما حصل مع الكثيرين خلال السنوات الماضية، حيث اعتقل الناشطين الالكترونيين من الجنسينوبأعداد كثيرة وقسم منهم مُنع من السفر والقسم الآخر لم يعد قادرا على العودة الىالوطن كما حصل معي ومع غيري على خلفية النشاط الالكتروني”.
ختاما ماذا يقول ياسين الحاج صالح حول مجمل هذه الظاهرة؟”في بلادنا، أرجح أن السبب الأساسي هو الخوف،الخوف من سلطات تخيف. السلطات السياسية بخاصة، لكن أيضا السلطات الدينية. وبعد الانترنتصرت تجد من يتستر وراء اسم مستعار من أجل أن يأخذ راحته في شتم غيره من أفراد أو جماعاتأو في النيل منهم”.
هل يشجع؟: “لا أشجع لكني أتفهم. قد يضطر الواحد منا للكتابة باسم مستعار كي يقولأشياء من شأن توقيعها باسمه الحقيقي أن يتسبب له بمصاعب أو يعرضه لأخطار”.
وحول اللغة “العالية” يسأل ياسين: “لم أفهم المقصود بعبارة “لغة عالية”؟هل هي لغة عنيفة مثلا، أو تحريضية؟ لغة شتيمة وتسفيه؟ تنكيل لفظي بخصوم؟”ويجيب بأنه “ضدها في كل الأحوال” ثم يستطرد: “لا بد من ضوابط قانونية وضوابط أخلاقية. لا يجوز التساهل مثلا معالتحريض الطائفي أو مع الحث على الكراهية. لكن الأمر مرهون أساسا بترقي الوعي العاموالثقافة والحس الأخلاقي. وعلى المنابر الإعلامية، بما فيها مواقع الانترنت، أن تضعضوابط ضد العنصرية والطائفية والكراهية وتلتزم بها. ومن المفيد في تقديري إبقاء هذهالقضية قيد النقاش بين المهتمين”.
وحول رد فعل النظام السوري، يقول ياسين: “ليس لدي معطيات”.
آراء كثيرة حول هذه الظاهرة وصلتنا عبر البريدالالكتروني تحفظ أغلب أصحابها على أسمائهم، إنّما القاسم المشترك لمعظم تلك الآراءارجاعها تلك الظاهرة الى الخوف كعامل رئيسي أول وانتشار ثقافة “الوما”بسبب غياب الحريات، ويأتي التحفظ الاجتماعي كسبب ثان، ولدى البعض ممن يوقعونبأسماء مستعارة فرصة لانفلات الغرائز الطائفية والمذهبية والاثنية”.
تفاوتت الآراء حول اللغة “العالية”، فرأىالبعض أنها ضرورية لرفع سقف النقد وحرية التعبير، فيما رأى البعض أن ذلك مشروطبالتزام الموضوعية ويجب النظر الى “الظرف والسياق” حسب تعبير لأحدهم.
وتكاد تجمع أغلب الآراء، أن النظام يسعى جاهدا لكشفهؤلاء الذين يكتبون بأسماء مستعارة وسيكون مصيرهم فيما لو وقعوا في أيدي أجهزة الأمن كمصير بعض زملائهم ممن يوقعون بأسمائهم الحقيقية.
سكايز 22/ 08/ 2010

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى