صفحات مختارةوائل السواح

لماذا أنا ملحد؟ من يجرؤ، اليوم، على هذا السؤال؟

وائل السواح
أعادت (1) رابطة العقلانيين العرب مشكورة نشر مجموعة من مقالات الكاتب العقلاني (المصري؟) إسماعيل أدهم التي يناقش فيها بضعة موضوعات يبدو الخوض فيها الآن مستحيلا أو شبه مستحيل، بسبب الخوف المادي والمعنوي من سطوة المدِّ الإسلامي المتنامي في المنطقة والعالم.
إسماعيل أدهم، الذي مرت قبل أسابيع الذكرى السبعون لوفاته دون أدنى إشارة لذلك سواء أفي وسائل الإعلام أم في المؤسسات الأكاديمية، واحد من أشد الباحثين الذين كتبوا بالعربية وضوحا وبعدا عن المساومة والتوفيقية. وهو واحد من ألمع المفكرين الذين برزوا في المنطقة في مرحلة ما بين الحربين في القرن الفائت، التي يسميها الباحث السوري المختص في عصر النهضة العربية محمد كامل الخطيب “الفترة الذهبية في تاريخ الثقافة العربية الحديثة.” وهو بذلك ينتمي إلى مجموعة من المفكرين الليبراليين الذين حملوا الفكر المتحرر العقلاني ورفعوه عاليا، من أمثال سلامة موسى وشبلي شميل وفرح أنطون، وربما لحق بهم طه حسين وغيره فيما بعد. وقد درس أدهم الفكر الليبرالي والماركسي وعايش تجربة كمال أتاتورك في تركيا، ولكنه أيضا كان ضليعا في التاريخ والفكر الإسلاميين.
ولد أدهم في عام 1911 لأب تركي وأم ألمانية، وقرأ بلزاك وغي دو موباسان وهو دون العاشرة، ثم تعلم التركية والألمانية والروسية والإنكليزية والعربية، فأتقنها جميعا، وكتب فيها. قرأ داروين وهكسلي وهو دون الثالثة عشرة، ثم انكب على ديكارت وهيوم وكانط، وهو في عقده الثاني. في عقده الثالث درس الرياضيات والتاريخ وتاريخ الأدب. وكتب في التاريخ الإسلامي والتاريخ الأدبي والفلسفة والرياضيات العليا، وله قرابة الثلاثين مؤلَّفا ورسالة، وأكثر من ذلك مخطوطات ضاعت بضياعه، عندما قرر ذات مساء، وهو دون الثلاثين أن ينهي حياته، فأغرق نفسه في البحر المتوسط، ونشرت الصحف المصرية عنه المقتطف التالي: “انتحر الدكتور إسماعيل أدهم ، الباحث المعروف، غرقا في البحر الأبيض، في الساعة السابعة من مساء يوم الثلاثاء 23 يوليو 1940، يأسا من الحياة وزهدا فيها.” وقد ترك في جيب سترته خطابا إلى رئيس النيابة يبلغه فيها بأنه انتحر ويوصي بحرق جثمانه وعدم دفنه في مدافن المسلمين أو غيرهم. وتمَّ فيما بعد نسيانه والتعتيم عليه قصدا، إلى أن نفضت رابطة العقلانيين العرب الغبار عنه، مؤخرا، في الكتاب الذي بين أيدينا.
سأقف في هذا الكتاب عند مقالة مدهشة، عنوانها “لماذا أنا ملحد؟.” والمقالة مدهشة ليست بتحليلها العلمي الدقيق والمبسط والدقيق، وهو كله صحيح وحق، ولكنها مدهشة بعنوانها وتوقيتها. فقد نشرت المقالة في مجلة “الإمام” سنة 1927، أي قبل قرابة القرن من الزمن إلا قليلا. ولم يتلق أدهم طعنة في الصدر من، كما تلقى الأديب المبدع نجيب محفوظ (وهو بالمناسبة مؤمن وليس ملحدا” ولم تُقَم عليه دعوى تفريق بينه وبين زوجه كما أقيمت على الباحث الراحل نصر حامد أبو زيد (الذي ينطلق في بحثه من أرضية إسلامية وليست ملحدة، أيضا،) ولم يُكفَّر أو يُهَدَّد كما كفِّر أو هُدِّد سيد القمني، وإنما (ويا للمفاجأة) تمت مناظرته بكل رحابة صدر وتقبل لأفكاره من قبل نظرائه من المفكرين المتديَّنين.
يبدأ أدهم مقالته بعرض سريع لحياته ودراسته التي أدت به إلى الإلحاد، ويقول إن الأسباب التي دفعته “للتخلي عن الإيمان بالله كثيرة، منها ما هو علمي بحت، ومنها ما هو فلسفي صرف، ومنها ما هو بين بين.” ثم ينطلق لتعريف الإلحاد، منكرا على لودفيغ بخنر تعريفه للإلحاد باعتباره، “الجحود بالله وعدم الإيمان بالخلود، والإرادة الحرة،” لأنه تعريف سلبي للفكرة. وهو يستعيض عنه بتعريف أكثر إيجابية يقول إن الإلحاد هو “الإيمان بأن سبب الكون يتضمنه الكون في ذاته، وأن ثمة لا شيء وراء هذا العالم.” ثم ينطلق الكاتب من مقولة عمانوئل كانط من أنه “لا دليل عقليا أو علميا على وجود الله، وليس هناك من دليل عقلي أو علمي على عدم وجود الله،” لينتقل عبر شرح مبسط وضروري لقوانين الاحتمال probabilities في فهم العلاقة بين السبب والنتيجة. ويستنتج الكاتب أن العالم الذي يخضع لقانون الاحتمال ” يخضع لقانون الصدفة.”
لا تسعى هذه العجالة إلى استعراض مقالة إسماعيل أدهم ولا إلى تقريظها بالتأكيد، فكاتب هذه السطور ليس لديه ما يؤهله للحكم عليها من الناحية العلمية، ولكنها سوف تسعى لاستعراض شروط نشرها وظروفه وتلقيها من قبل معاصريها. وكما ذكرنا أعلاه، فإن إسماعيل أدهم لم يُقتل ولم يُهدر دمه ولم يُفتَ بتكفيره من قبل رجال دين ودولة صارت فتاواهم أقوى من القوانين. على العكس، كان ما جرى حوارا هادئا أجراه معه مفكرون مؤمنون بينهم محمد فريد وجدي الذي نشر في مجلة الأزهر في نفس السنة التي نشرت فيها رسالة أدهم مقالة بعنوان “لماذا هو ملحد؟” وقال وجدي في تقديمه للمقالة إن ” انتشار العلوم الطبيعية وما تواضعت عليه الأمم المتمدنة من إطلاق حرية الكتابة والخطابة للمفكرين في كل مجال من مجالات النشاط العقلي، استدعت أن يتناول بعضهم البحث في العقائد.” ثم يضيف أنه في ظل “بحبوحة الحكم الدستوري (في مصر الثلاثينات) نسلك من عالم الكتاب والتفكير هذا المنهاج نفسه فلا نضيق به ذرعا ما دمنا نعتقد أننا على الحق المبين.”
أما صديق أدهم أحمد زكي أبو شادي فنشر مقالا بعنوان “لماذا أنا مؤمن؟” حاول فيه أن أن يناقش أفكار أدهم وسخطه على الأديان عامة والدين الإسلامي بخاصة. بمثل هذا الأسلوب الحضاري تناول المفكر المؤمن أطروحة زميله الملحد وحاول تفنيدها بالأدلة التي بدت له قاطعة. ولنقارن ذلك الآن باللغة التي يستخدمها اليوم “مفكرون” معاصرون في الهجوم على الرجل نفسه بعد مرور سبعين عاما على رحيله، كما في الهجوم على تنويريين آخرين بسبب جهدهم الكبير الذي بذلوه مطالع القرن الفائت. وما زال طازجا الرد الذي كتبه مؤخرا الفقيه السوري محمد سعيد رمضان البوطي على طه حسين في كتابه “في الشعر الجاهلي.” فالرجل اتهم المفكر التنويري الأبرز بالارتباط بالاستعمار البريطاني، وبأن فكره “باد اليوم بعد أن ساد بالأمس. وإنما ساد حينئذ بفعل الاستعمار البريطاني في مصر، والاستجابة المزاجية له، وباد اليوم بقرار من عقلانية الإنسان وتعامله مع موازين المنطق.” ومع ذلك فلغة رجل الدين الأبرز في سورية ههنا أفضل من لغته عندما هاجم بقسوة عملا دراميا متميزا، هو “ما ملكت أيمانكم،” أقر هو نفسه أنه لم يره، عندما حذر العمل والقائمين عليه ومشاهديه من غضب رباني رآه رأي العين. وهو حذَّر مخرج العمل نجدة أنزور ومؤلفته الكاتبة هالة دياب من غضب رباني رآه قادما من السماء، وأضاف: “إنني لست متنبئا بغيب، ولست من المتكهنين بأحداث المستقبل، ولكنني أحمل إليكم النذير الذي رأته عيني: إنها غضبة إلهية عارمة، تسد بسوادها الأفق، هابطة من السماء وليست من تصرفات الخلائق. إنها زمجرة ربانية تكمن وراء مسلسل السخرية بالله وبدين الله، الفياض بالهزأ من المتدينين من عباد الله. إنه المسلسل الذي أبى المسؤول عنه إلا أن يبالغ في سخريته بالله وبدينه، فيقتطع من كلام الله في قرآنه عنواناً عليه ويسمّيه ساخراً: ’ما ملكت أيمانكم.‘” ولكن الفقيه الأبرز لا يكتفي بتحذير القائمين على العمل، بل يتوقع أن يعمَّ غضب الله البلاد بأسرها، لذلك نراه يتضرع إلى الله أن يحميه ومن يلوذ به من هذا العذاب، فيقول: “اللهم أشهد أنني بلغت، اللهم لا تحرقني ولا من يلوذون بي ولا بلدتنا المباركة هذه ولا القائمين عليها في ضرام مقتك هذا.”
وفي مصر شنَّ الإخوان المسلمون حملة شبيهة على مسلسل يعرض لحياة مؤسس الحركة حسن البنا، واتهموا مؤلف المسلسل وحيد حامد ومخرجه محمد ياسين “بقبض الأموال لتشويه تاريخ الإخوان.” واتهم الأصوليون المصريين مؤلف المسلسل بأنه “كافر وعدو، ولا أعترف بالإسلام، ولا المسيحية، ولا اليهودية.” أما الأقل تعصبا فاتهمه بالجهل و “حالة التعمد الواضحة فى تزوير العديد من الحقائق المعروفة.”
واللافت أن الحملتين أثيرتا في اليوم الأول لرمضان، أي أن النقاد أدانوا العملين قبل أن يروهما. ولم يجد الدكتور البوطي غضاضة في الاعتراف في بيان أصدره بعد نبوءته قال فيه إنه لا يتابع المسلسلات ولا البرامج التلفزيونية، “ولكنني اعتمدت في حكمي هذا على تقرير رسمي صادر من لجنة أعرف صدق أفرادها وأثق في مستواهم الثقافي.”
محزن أن تكون الساحة العربية في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي أكثر تسامحا وتحملا وليبرالية واستيعابا للآخر منها في مطلع القرن الواحد والعشرين. ومحزن أن تغدو لغة الحوار اليوم تخوينا وتكفيرا وتهديدا وإرهابا، بعد أن كانت تسامحا وتفهما واحتراما متبادلا. ومخيف أن المرء لا يجرؤ اليوم، ليس على كتابة، ولكن حتى على إعادة نشر مقالة نشرها باطمئنان قبل ثلاث وسبعين سنة “شاب في حدود الثلاثين، مغولي الوجه والسحنة، أقرب إلى القصر منه إلى الطول، وإلى الهزال منه إلى البدانة، تقرأ في وجهه سيماء العلماء الذين أنهكهم الدرس وأضناهم التفكير” وفق وصف ناشره ومعاصره سامي الكيالي.
هامش:

1- إسماعيل أدهم، من مصادر التاريخ الإسلامي ونصوص أخرى، دار بترا، دمشق 2009

موقع الآوان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى