صفحات العالم

المصالحة السعودية- السورية وتداعياتها العربية

د. أحمد يوسف أحمد
قام عاهل المملكة العربية السعودية بزيارة إلى سوريا يومي 7 و8 من شهر أكتوبر الجاري، وبهذه الزيارة يمكن القول إن حلقة المصالحة السعودية- السورية قد اكتملت بعد التوتر الذي كان قد شاب العلاقات بين البلدين منذ العدوان الإسرائيلي على جنوب لبنان في صيف 2006، إذ تباين موقفا الدولتين من العدوان كما هو معروف،وفسر خطاب للرئيس الأسد في أعقاب انتهاء العدوان على أنه يمس من زعماء عرب آخرين. وكانت الخطوات الأخيرة لاكتمال حلقة المصالحة قد بدأت تتسارع مع الزيارة التي قام بها الرئيس بشار الأسد إلى السعودية لحضور افتتاح جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية في غرب المملكة في الثالث والعشرين من الشهر الماضي. وعلى هامش الزيارة عقد لقاء وصف بأنه “دافئ” بين الزعيمين دام لمدة ساعتين تم خلاله بحث العلاقات الثنائية بين البلدين والوضع العربي العام. وتضاف إلى هذا الزيارات التي قام بها الأمير عبدالعزيز بن عبدالله في الشهور الماضية لسوريا.
ولا شك أن تقارباً سعودياً- سورياً بعد قطيعة أو توتر دام أعواماً يعد من صميم التطورات الإيجابية في الوطن العربي، وذلك بالنظر إلى ثقل كل من البلدين عربياً وإقليمياً، وإلى أن من شأن هذا التقارب أن يساعد على حل بعض المشكلات العربية المستعصية، وبصفة خاصة في لبنان حيث طالت مشاورات تأليف حكومة الوحدة الوطنية لخلافات بين فريقين يفترض أن أحدهما محسوب على السعودية والثاني على سوريا. ومما يزيد من التفاؤل بهذا التطور ما يبدو من أنه قد أعد له بعناية بعيداً عن الارتجال الذي يشوب عديداً من محاولات المصالحة بين أقطار عربية متناحرة، ومع ذلك فإن ثمة سؤالا مهماً ينبغي طرحه في هذا السياق: هل يمكن أن يدخل هذا التطور في الرصيد الإيجابي للنظام العربي؟ أم أنه يتعلق تحديداً بطرفيه، بمعنى أنه يزيدها دون غيرها قوة في الساحات العربية والإقليمية والعالمية بغض النظر عن وجود مردود إيجابي له على النظام العربي؟ تبدو الإجابة على هذه التساؤلات منطوية على شيء من التعقيد الذي لا بأس من محاولة تفكيكه تمهيداً لفهمه في السطور التالية.
لعل أهم مردود متوقع لهذه الزيارة هو الوضع في لبنان. وقد بدا هذا واضحاً منذ الوهلة الأولى لزيارة الأسد للسعودية، حيث استقبلت هذه الزيارة بترحيب واسع من قوى سياسية عديدة في لبنان كون المتوقع منها أن تسهل من عملية التأليف المستعصية والولادة المتعسرة لحكومة الوحدة الوطنية في لبنان. وتكرر رد الفعل نفسه بالنسبة لزيارة العاهل السعودي لدمشق، وعلى رغم ميل الدوائر السعودية والسورية إلى عدم التقليل من شأن المصالحة السعودية- السورية التي اكتملت حلقاتها بزيارة العاهل السعودي الأخيرة لدمشق بحصرها في المسألة اللبنانية، فإن البيان السعودي الرسمي عن زيارة العاهل السعودي لدمشق قد أشار إلى “التأكيد على أهمية التوصل إلى كل ما من شأنه وحدة لبنان واستقراره، من خلال تعزيز التوافق بين الأشقاء في لبنان، والإسراع في تشكيل حكومة الوحدة الوطنية”. ومن ناحية أخرى أبلغ الرئيس السوري نظيره اللبناني بأن لبنان “احتل حيزاً مهماً من المحادثات” بينه وبين العاهل السعودي. ولم يقتصر تحرك ما بعد القمة الثنائية على اتصال الأسد بسليمان، إذ ذكرت تقارير صحفية أن ممثلين لحلفاء سوريا وأصدقائها في لبنان توجهوا بعد الزيارة مباشرة إلى دمشق للاطلاع على نتائج القمة فيما يتعلق بلبنان. ولا يعني هذا بطبيعة الحال أن مفتاح الحل اللبناني بيد سوريا والسعودية وحدهما، غير أن اتفاق هاتين الدولتين المتنافستين في لبنان على النحو الذي أشار إليه اكتمال حلقة المصالحة السعودية- السورية يزيل دون شك عقبة كؤودا من طريق تأليف الحكومة الجديدة في لبنان.
غير أن الصورة لا تكتسي هذا الطابع “العملي” في باقي القضايا التي تناولتها الزيارة وفقاً لبياناتها الرسمية، علماً بأن تلك القضايا قد تكتسب أهمية أكبر من المنظور العربي الأشمل، وقد اتخذت على سبيل المثال خطوات محددة في مجال تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين كرفع مستوى التبادل التجاري، وعقد اجتماع لمجلس رجال الأعمال، وإقامة مشاريع استثمارية مشتركة، وتوقيع اتفاق لمنع الازدواج والتهرب الضريبي، غير أننا عندما نصل إلى المستوى العربي العام نلاحظ استمرار النهج السائد عربياً: مواقف سليمة دون خطوات عملية مؤثرة، ففي الشأن العراقي هناك “اتفاق كامل على أهمية أمن واستقرار ووحدة وعروبة العراق وعدم التدخل في الشؤون الداخلية…”، وفيما يتعلق بالوضع في اليمن “تم التأكيد على ضرورة دعم حكومة اليمن الشقيقة، وتأييد جهودها لبسط الأمن والاستقرار في جميع أنحاء اليمن، والقضاء على الفتن والقلاقل التي تهدد وحدته وسلامته”، أما بالنسبة للأوضاع “المأساوية” في الأراضي الفلسطينية المحتلة فقد أكد الزعيمان “ضرورة وقف الاعتداءات المستمرة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، ومواجهة إجراءات الاحتلال الإسرائيلي لتهويد القدس، وتوحيد جهود العرب والمسلمين لرفع الحصار عن المسجد الأقصى”. هكذا دون أي إجراء عملي واحد، ناهيك عن أن يكون مؤثراً.
ولعل هذا بداية للحديث عن حدود المردود الإيجابي للزيارة على مجمل الأوضاع العربية. فقد أكد الجانبان “التزامهما بمواصلة الجهود من أجل تعزيز العمل العربي المشترك، وبناء تضامن عربي متين لخدمة المصالح والقضايا العربية والإسلامية”، و”عزمهما على التنسيق والتشاور فيما بينهما لتحقيق ذلك”، أي أن هذه المسألة المحورية ما زالت بعد في طور “العزم” و”النية”. ويقيني أن السعودية وسوريا مع كل وزنهما العربي لا تستطيعان القيام وحدهما بمهمة النهوض بالنظام العربي، وربما لو انضمت مصر إلى هذه المصالحة سيكون الوضع أفضل، وإن لم يضمن بالضرورة توحيد النظام العربي حول قيادة متماسكة. صحيح أن إنجازات كبرى قد نسبت في السابق للمثلث المصري- السعودي- السوري، لكن أوضاع النظام العربي صارت أعقد بكثير من قدرات هذا المثلث، ومن ثم فإن إعادة تشكيله ستمثل خطوة مهمة -وإن كانت غير كافية- في إحياء النظام العربي، ذلك أن هذا المثلث يفتقد كثيراً من الدول المؤثرة في المغرب العربي وغيره.
وقد يكون السؤال الأكثر تعقيداً من هذا كله متعلقاً بمدى إمكان أن تكون المصالحة السورية- السعودية جزءاً من عملية إعادة إحياء للنظام العربي، أم أنها في الأصل والأساس عملية بناء لتحالفات على الطريقة البسماركية لزيادة قوة كل من طرفيها؟ ولكي تبدو الأمور أكثر وضوحاً لابد من أن نتذكر أن سوريا قد عززت بنجاح لافت علاقة التعاون مع تركيا، بالإضافة إلى ما هو معلوم عن علاقتها المتميزة مع إيران، أي أن الأمر قد لا يعدو برمته تحقيق هدف حماية الأمن القومي السوري بشبكة من التحالفات العربية وغير العربية بغض النظر عن إحياء النظام العربي، بل إن هذه السياسة قد تكون سبباً في خلق أنماط من التوتر في العلاقات السورية- العربية، أو تعزيز هذا التوتر طالما أن كافة الدول العربية ليست بالضرورة صاحبة نهج واحد في العلاقات مع إيران على سبيل المثال. صحيح أن سوريا يمكن أن تلعب دوراًَ في تجسير الفجوة بين إيران والدول العربية ومنها السعودية، غير أنه مما يقلل من التداعيات الإيجابية المحتملة في هذا الصدد أن المشروعين الإيراني والسعودي مثلا على طرفي نقيض، وينطبق الأمر نفسه على المشروع الإيراني في علاقته بالمشاريع السياسية لدول عربية أخرى.
غير أنه مهما كانت الملاحظات أو التساؤلات أو التخوفات فإن الأمر الذي لاشك فيه هو أن النظام العربي بالمصالحة السعودية- السورية أفضل بكثير منه بدون هذه المصالحة. ويبقى على سوريا والسعودية وغيرهما من الدول العربية ذات الثقل أن تحاول توجيه النتائج الإيجابية لتلك المصالحة بحيث تصب في المجرى العربي على الأقل كما تصب في غيره.
الاتحاد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى