زين الشاميصفحات الناس

لم لا نحترم خصوصية الفرد؟

null
زين الشامي
كل يوم يواجهنا بعض أفراد أسرنا ومجتمعنا وحتى اصدقائنا بالكثير من الأسئلة الشخصية والمحرجة، مثل «ما هو راتبك الشخصي، ولم ترتدي هذا القميص، أو لم لا تضعين الحجاب، ولم تضعين المكياج، أو لماذا لم تشذب وتحلق لحيتك، ولم شعرك طويل مثل الأجانب، وما هو دينك وطائفتك، هل أنت مسلم أم مسيحي… سني أم شيعي، كاثوليكي أم أرثوذكسي، ماروني أم علوي أم درزي؟» وغيرها المئات من الأسئلة التي تتعلق بحياتنا اليومية وتفاصيلها الحميمة وخصوصياتنا كأفراد وأسر.
إن مثل هذه الأسئلة وهذه السلوكيات التي تعودنا عليها ونقبلها على أساس أنها عادية، تعتبر عيباً كبيراً حين طرحها أو ممارستها في مجتمعات أخرى، وبخاصة منها المجتمعات الغربية المتقدمة حيث يتمتع الفرد بخصوصية حتى داخل بيته ومع أسرته.
ربما هناك من يعتقد أن الثقافة العربية والإسلامية مختلفة عن الثقافة الغربية وما نوجهه ونطرحه من أسئلة لبعض المقربين والأصدقاء، يعتبر طبيعياً ويؤشر إلى عمق العلاقة، ويعكس قربنا من الشخص ومحبتنا واهتمامنا له! لكن الحقيقة غير ذلك تماماً، لأن اختلاف الثقافات والعادات بين مجتمع وآخر لا يجب أن يكون أبداً على حساب احترام حرية الفرد وخصوصيته رغم انتمائه لأسرة ومجتمع.
إن التفكير طويلاً في تلك الأسئلة التي تنتهك خصوصية الفرد، والتعمق في ما لو كان هناك ضرورة في طرحها، سيجعلنا نخرج بنتيجة أنها لا تقدم ولا تؤخر، ولا تفيدنا الأجوبة أو عدم الإجابة عنها في شيء، أما توجيهها، وخاصة لأشخاص لا نعرفهم جيداً ولا تربطنا معهم علاقة إنسانية قوية، فهو ما يتسبب في الاحراج ويضعنا أحياناً في مواقف صعبة.
إن بعض القوانين وأعراف العمل في الشركات والمؤسسات وأماكن العمل في الدول المتقدمة تمنع على الأشخاص توجيه أسئلة عن الدخل الشهري، وفي بعض الدول يعتبر مجرد السؤال عن الهوية الدينية والطائفية والمعتقدات الشخصية انتهاكاً للقانون يخفي مواقف تمييزية.
هذه القوانين والأعراف والعادات الاجتماعية لم تأت من فراغ، بل توصلت إليها تلك المجتمعات والدول بعد تجارب حياتية ومتغيرات اجتماعية وسياسية وثقافية امتدت على مدار قرون طويلة، لا بل أننا لا نبالغ فيما لو قلنا ان تلك المجتمعات دفعت ثمناً غالياً من حياة أبنائها خلال الثورات الاجتماعية من أجل الوصول إلى دولة ومجتمع يعمهما القانون الذي يحمي خصوصية الأفراد ويصون استقلال شخصياتهم.
ثم من ناحية أخرى فإن عاداتنا هذه في توجيه الأسئلة الخاصة غالباً ما يتسبب في حصول مشكلات عائلية واجتماعية تنعكس سلباً على الجميع، فمثلا ان إجابتنا عن سؤال وجهه أحد الأصدقاء أو زملاء العمل عن حجم راتبنا أو دخلنا الشهري، قد يقود إلى مشكلة حقيقية داخل المؤسسة فيما لو عرف السائل أن راتبه ودخله يقل كثيراً عن راتب ودخل الشخص الذي قبل أن يجيب، كذلك فإن سؤالا توجهه إحداهن لجارتها أو قريبتها عن حياتها الخاصة وعلاقتها مع زوجها، قد يسمح فيما بعد بتأويلات عديدة بعد الإجابة، كما أنه سيخرج الحياة والعلاقة الخاصة بين الزوج وزوجته إلى الحيز العائلي والاجتماعي ما يكسر حرمة هذه الخصوصية ويتسبب لاحقاً في حصول مشكلات كبيرة ومتعددة قد تنعكس لاحقاً على مستقبل الحياة الزوجية نفسها.
إن تدهور الحريات الشخصية في مجتمعاتنا لا يتجلى فقط في انعدام الحريات السياسية، وقمع السلطة السياسية، ومنع حرية التعبير، أو حق التظاهر، أو تشكيل حزب سياسي، بل هناك سلطة المجتمع نفسه والثقافة التي لا تحترم الخصوصية وتنتهك الفردية كل يوم، إن مجتمعاتنا وأسرنا والثقافة التي نخضع لها جميعاً وصلت إلى حد تطالبنا قسراً بأداء عمل لا نحبه، وتفرض علينا تخصصاً جامعياً معيناً وهوايات معينة، وطريقة عيش معينة، وزوجة المستقبل، والملبس والمأكل… وغير ذلك.
بالطبع نحن لا نعترض ولا نختلف في أن يكون لأي مجتمع أو جماعة نمطها وعاداتها وتقاليدها من مأكل وملبس ومسكن وقناعات وأفكار، إنما الاعتراض على حرمان الفرد من حقه في الاختلاف الشخصي ومصادرة الحرية الشخصية وسلب المبادرة الفردية… إن ذلك يعتبر من مظاهر القمع في أساس البنية التحتية للمجتمعات العربية، التي نرى انعكاساتها المباشرة وغير المباشرة على المستويات كافة من تربوية وثقافية وسياسية وإدارية.
كاتب سوري
الراي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى