صفحات العالم

«الاخوان المسلمون» وحساسيات العلاقة بين مصر و «حماس»!

مصطفى الفقي
لم يدرك الكثيرون في العالم العربي وخارجه المشكلة الحقيقية التي وقفت وراء الانتقادات التي وجهها البعض للموقف المصري أثناء الحرب الإسرائيلية على غزَّة. وتصور عدد كبير من المراقبين أن مصر مكبَّلة بالتزاماتٍ تعاقدية تجاه الدولة العبرية أمام المجتمع الدولي بعد توقيع اتفاقيتي «كمب ديفيد» عام 1978 ومعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979، وفي ظني أن الأمر لا يقف عند هذا الحد بل هو محكومٌ بحساسيات أخرى ينبغي أن ننقّب فيها وأن نفتح ملفاتها إذا كنَّا جادين حقاً في عمل عربي مشترك وتنسيق قومي حقيقي، لأنني أظن أن هناك عاملاً إضافياً لا يمكن تجاهله وأعني به أن حركة «حماس» – وهي فصيلٌ قوميٌ مناضل – لها جذورٌ تاريخية تمتد إلى جماعة «الإخوان المسلمين» التي بدأت في مصر على يد الإمام حسن البنا منذ عام 1928، لذلك كان غريباً ومريباً أن تنطلق السهام تجاه مصر صاحبة التضحيات الكبرى والمواقف القومية حرباً وسلماً تجاه القضية الفلسطينية. ولم يدرك الكثيرون أن الأمر يحتاج إلى نظرةٍ أعمق وإلى تحليلٍ أكثر موضوعية وإنصافاً لكل الأطراف، ولعلي أفصِّل هنا شيئاً مما أتصوره مرتبطاً بهذا النمط من قراءة الأحداث وتحليل مدلولاتها. وسأوجز ذلك في النقاط الآتية:
1- إن للأمة العربية همومها المشتركة وشجونها الواحدة ومع ذلك فإن لكل قطر عربي خصوصيته التي تختلف عن غيره وتحتاج من أشقائه أن يتفهموا ظروفه ونوعية معاناته، فالأوروبيون مثلاً يدركون هذه النقطة جيداً ويتعاملون فيما بينهم بفهمٍ واسع لما تواجهه كل دولة من تحديات وما يحيط بها من مشكلات، ولو تأملنا الاتحاد الأوروبي مثلاً في صيغته الحالية لوجدناه يسلِّم بالاختلافات البينية ويقبل منطق السرعات المتفاوتة، إذ ليست كل الدول الأوروبية في منطقة العملة الموحدة (اليورو) وليست كلها أيضاً منضمّة إلى مجموعة «الشنغن» أي «التأشيرة الموحدة لمعظم دول الاتحاد»، كما أنها لم تقبل جميعاً بفكرة المنطقة الجمركية الواحدة بل ارتضت الدول الأوروبية جميعاً بهامشٍ من الاختلاف في سياستها الخارجية لأسبابٍ ترتبط بالتزامات كل قطر وأوضاعه، وقد يقول قائل – ومعه بعض الحق – إن المقارنة هنا غير واردة، لأن الأمة العربية ليست هي الاتحاد الأوروبي، فالعرب تجمعهم قومية واحدة بكل مظاهرها اللغوية والثقافية والحضارية بينما أوروبا هي خليطٌ من قوميات متعددة ولغاتٍ مختلفة، ولكن يبقى الأمر في النهاية أن كليهما يمثل تجمعاً لمجموعة من الدول المستقلة ذات السيادة كما أن لغة المصالح المشتركة أصبحت هي التي تتقدم على لغة العواطف المتبادلة.
2- إن مصر بلدٌ كبير – تاريخاً وسكاناً – وهو ما يضع على كاهلها أعباءً أكبر ويحيطها بمشكلاتٍ أكثر بل ويمارس عليها ضغوطاً أشد، ومع ذلك فالأمل فيها كبير وسقف التوقعات منها مرتفع وهو ما يضع تلك الدولة المفصلية في وسط العالم العربي أمام ظرفٍ استثنائي يحتاج إلى المراجعة والتأمل، ولا يخالجني شك في أنَّ كثيراً من الدول العربية الأخرى لها ظروف مشابهة وأوضاع مماثلة ومع ذلك تظل الخصوصية المصرية نسيجا وحدها، و يتأتى عن ذلك ضرورة أن ينظر أشقاؤها إليها بعين الاهتمام والتفهّم، ولا بد أن أعترف أن الأشقاء العرب – في مجملهم – ينظرون إلى مصر من هذا المنطلق، وحين يغرِّد البعض خارج السرب فإنه يبدأ باستهداف مصر متصوراً أن هدم ما هو قائم هو دائماً تمهيد طبيعي لقيام ما هو مطلوب! والأمر في ظنّي لا يتضمن إشارة الى بلدٍ معيّن بقدر ما يشير إلى تياراتٍ بذاتها موزعة بين أقطار الأمة كلها، وأنا هنا لا أفترض أن مصر دولة فوق الدول أو خصوصية فوق الخصوصيات، فما هو متاحٌ لها يجب أن يكون في متناول يد الجميع، وإذا كان العرب قد اختصّوها بالجامعة العربية مقراً وارتضوا لها دور الشقيقة الكبرى في كثيرٍ من الظروف إلا أن ذلك لا يلغي منطق المساواة في السيادة والعدالة في توزيع الأدوار.
3- إن مشكلة حركة «حماس» التي قادت المقاومة الباسلة ضد إسرائيل في غزة أنها فصيلٌ محسوب على جماعة «الإخوان المسلمين»، و «الإخوان المسلمون» في مصر يمثّلون واحداً من أضخم الملفات السياسية في العقود السبعة الأخيرة. فلقد اشتبكت معها كل أنظمة الحكم المصرية في العهدين الملكي والجمهوري بلا استثناء، وأدركنا دائماً أن «الاخوان» قد لا يستطيعون الوصول إلى السلطة ولكنهم قادرون على إيجاد مساحةٍ لهم في الشارع المصري انطلاقاً من تديّنه المفرط وإيمانه العميق ونتيجة الخلط لديهم بين الدين والسياسة، و «مصر الرسمية» بل و «الشعبية» أيضاً تحسب حركة «حماس» على جماعة «الاخوان». وأعتقد أن الذي يعزز هذا المنطق لا يأتي من جانب حركة «حماس» بقدر ما يأتي من الجماعة ذاتها فهي تتصرف في مصر وكأنها وصية على هذه الحركة النضالية بما يضعها معها في سلة واحدة، وأشهد أن السيد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» قال لي في لقائنا الأخير في دمشق أنه يوصي كل رفاقه الذاهبين إلى مصر بالامتناع عن زيارة «المرشد العام» أو مقر «الإخوان» فى القاهرة تجنباً لحساسيات يدركها ودرءاً لمشكلاتٍ لا يفضّل التورط فيها.
4- لقد كانت العلاقة بين مصر و «حماس» مرشحة لأن تكون هي الأقوى بين فصيل فلسطيني والدولة المصرية، إذ أن حركة «حماس» هي بنت قطاع غزة الذي يتاخم الحدود المصرية، وكان من المنتظر أن تكون هذه الصلة مبرراً لفهم أكثر وثقة أكبر وعلاقة أفضل، ولكن اللون الديني للحركة – باعتبارها تعبيراً عن المقاومة الإسلامية قبل أن تكون مقاومة وطنية – قد خلق الحساسيات وزرع الشكوك. ولمن لا يعلم فإن التاريخ الحديث لمصر قد جعل الدين طرفاً مباشراً في العملية السياسية على نحو أصاب الوضع كله بحال من القلق والتوتر التي انعكست بدورها على الرؤية المصرية لحركة «حماس» ونضالها ضد العدوان الإسرائيلي، ولنا أن نتخيّل لو أن غزة تضم أغلبية «فتحاوية» وقيادة فلسطينية وطنية مدنية، هل كان الموقف المصري سيكون على ما آل إليه أخيراً؟ إن الجواب عندي بالنفي، وهل نسينا أن «أبو عمار» كان ابن القطاع بهواه المصري ومشاعره الجيّاشة تجاه «ارض الكنانة»؟ لذلك فإنني أعبّر صراحة عن أسفي للفرصة الضائعة التي كان يمكن أن تتيح علاقة مختلفة بين الدولة المصرية والحركة «الحمساوية» انطلاقاً من أمرين: اعتدال أكثر في فكر «حماس» وسماحة أوضح من جانب مصر.
5- إن كثيراً من التصرفات الأخيرة لأعضاء جماعة «الإخوان المسلمين» حديثاً في البرلمان المصري وخارجه قد سكبت الزيت على النار في العلاقة الملتهبة أحياناً بين مصر و «حماس»، فأخذت الحكومة المصرية موقفاً متحفظاً تجاه الحركة على خلفية تحفظها تجاه الجماعة! ودفعت حركة «حماس» في علاقتها مع مصر فاتورة الخلافات الداخلية في الحياة السياسية المصرية. فقد تصور «الإخوان المسلمون» – ولهم تاريخ طويل في دعم القضية الفلسطينية منذ بدايتها – أنهم هم الأوصياء على نضال ذلك الشعب الشقيق وذلك خطأ كبير انعكس بشدة على نظرة المصريين الى النضال الفلسطيني متمثلاً في حركة «حماس» تحديداً، فالصوت المرتفع في الحديث عن معبر رفح داخل مصر جاء من جماعة «الإخوان»، وقوافل الأطباء للإغاثة نظمتها نقابتهم وفيها أغلبية «إخوانية»، فشعر الكثيرون وكأن الجماعة تتعامل مع حركة «حماس» باعتبارها الجناح العسكري لها وهذا احتكار للنضال واختزال للحقيقة لأن المصريين جميعاً – شأن كل العرب – متعاطفون بشدة مع المقاومة ضد الاحتلال المستمر والعدوان القائم، ولا تستطيع جماعة دينية أو حزب سياسي أو تجمع شعبي أن ينسب لنفسه شرف رفع العلم الوطني وحده.
إنني أردت من الملاحظات الخمس السابقة أن أوضح طبيعة العلاقة الحالية بين مصر وحركة «حماس» صاحبة السيطرة الفعلية في قطاع غزة، وهو ذلك القطاع الذي يرتبط بمصر ارتباطاً عضوياً منذ فجر التاريخ ويكفي أن نتذكر أن مصر كانت هي المسؤول الإداري عن شؤون القطاع ما بين 1948 و1967 أي الفترة ما بين النكبة والنكسة، لذلك فإن من الطبيعي أن تكون مسؤولية مصر أساسية بالنسبة الى القطاع وسكانه مهما حالت بعض الضغوط الداخلية في مصر أو التوجهات الدينية في فلسطين دون إبراز أهمية هذه العلاقة وحيويتها في تحديد مستقبل المنطقة، لذلك فإنني أشارك كل العقلاء شعور الأسف لطبيعة تلك العلاقة التي تبدو مخالفة لمنطق الأمور وأبدي دهشتي – مثلاً – من إقحام حركة «حماس» نفسها في الخلاف العابر بين مصر و «حزب الله»، خصوصاً أنني اعتقد أن التصعيد في مثل هذه الخلافات إنما يخدم طرفاً واحداً هو دولة إسرائيل العدوانية التوسعية العنصرية الخارجة على الشرعية الدولية!
* كاتب مصري
الحياة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى