صبحي حديديصفحات العالم

اوباما امام الامم المتحدة: إعادة تجميل الخطاب البغيض

null
صبحي حديدي
‘لقد عدنا إلى الإنخراط مع الأمم المتحدة، وسدّدنا فواتيرنا’، هكذا أعلن الرئيس الأمريكي باراك أوباما، في أوّل خطبة له أمام اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، والتي استغرقت 41 دقيقة، أي أطول من آخر خطب سلفه جورج بوش بـ 20 دقيقة. فأل حسن، كما ساجل البعض جادّاً، أو في سياقات جدّ أين منه أقصى الهزل؛ وصحيفة ‘نيويورك تايمز’ ساقت عبارة الفواتير إياها، من فرط الإعجاب بها، فاختارتها في ركن ‘اقتباس اليوم’؛ وأمّا الموقع الرسمي للأمم المتحدة فقد احتفى بالعبارة إلى درجة التزيّد، وإضافة ما لم يقله أوباما بالحرف: أمريكا سدّدت الفواتير المتأخرة عليها!
في الآن ذاته كان الكثير من المعلّقين قد افتُتنوا بواقعة التصفيق الشديد الذي لقيه أوباما (وبلغ دقيقتين متواصلتين في ختام الكلمة، عدا التصفيق المتقطع لهذه الفقرة أو تلك)، مقارنة بنوبات الصمت التامّ، أو التصفيق البارد العابر، حين كان سلفه يعتلي منبر الأمم المتحدة في اجتماعات سابقة. وبذلك لاح أنّ الرئيس الأمريكي اكتسب مزيداً من الشعبية هنا، في المحفل الدولي؛ هو الذي أخذت شعبيته تتآكل تدريجياً هناك، في بلده، وخاصة في تلك الأوساط الشعبية المهمشة التي صنعات الكثير من أسباب صعوده وفوزه.
ولاح، أيضاً، وكأنّ الأولويات الأربع التي حدّدها (الحدّ من التسلّح النووي، سلام الشرق الأوسط، التغيّر المناخي، ومعالجة الفقر في البلدان النامية) ليست قديمة العهد، معادة، مكرورة، شهد هذا المنبر النطق بها على لسان رئيس أمريكي تلو آخر، مع تنويعات في الصياغة الخطابية وحدها، وبراعة أو رداءة الأداء الخطابي عند رونالد ريغان، جورج بوش الأب، بيل كلنتون، جورج بوش الابن، باراك أوباما… هذا إذا لم يعد المرء بالذاكرة إلى أحقاب أخرى أبعد زمناً في تاريخ منظمة الأمم المتحدة، والعلاقات الدولية عموماً، سواء في ما يتصل باتفاقية الحدّ من انتشار الأسلحة النووية (1968)، أو التغيّر المناخي (بروتوكول كيوتو، 1992)، وللمرء أن يدع جانباً سلام الشرق الأوسط وفقر البلدان النامية، فهذه أشبه بقضايا عالقة في المطلق الأبدي!
بيد أنّ من المشروع أن يُقرأ خطاب أوباما على نقيض الرسالة المركزية التي أراد الرئيس الأمريكي إيصالها، ومفادها أنه رجل التغيير هنا أيضاً، وسياسة الولايات المتحدة تجاه المنظمة الدولية قد تبدّلت، وصارت إيجابية ومنخرطة وفاعلة، بعد أن كانت سلبية عازفة جامدة. فهو، بادىء ذي بدء، أعاد إنتاج مفردات الإدارة السابقة حول السلام في الشرق الأوسط، وخاصة التشديد على يهودية دولة إسرائيل، واستخدم صياغة عالية التهذيب في الإشارة إلى عدم شرعية المستوطنات (دون أن يمنعه هذا من إعطاء الضوء الأخضر لاستئناف البناء في ما أسماه ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ‘مخادع النوم في ضواحي القدس’). قبل هذا كان أوباما، خلال القمة الثلاثية مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس ونتنياهو، قد أكّد التزام الولايات المتحدة بأمن الدولة العبرية، على نحو قاطع وصريح وبليغ، أطرب الأخير فضحك ملء شدقيه أمام الصحافة، وأتعس الأوّل فاكفهرّ وعبس!
وفي غضون المظاهر الاحتفالية ـ بما فيها وصلة المصافحة المضحكة بين عباس ونتنياهو ـ كانت فلسفة المبعوث الأمريكي جورج ميتشل، كما اختزلها في حوار مع صحيفة ‘جيروزاليم بوست’ الإسرائيلية، هي الفيصل حتى إشعار آخر طويل: ‘نحن لا نقول إنّ إنهاء أو تجميد المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية شرط مسبق لاستئناف المفاوضات، فهناك عقبات كثيرة، والمستوطنات إحداها، ولكنها ليست الوحيدة. ونحن لا نصف أية مسألة بأنها شرط مسبق أو إلزام للمفاوضات’. وبهذا، من جانب آخر، كان ميتشل يبطل تماماً ايّ معنى عملي وراء إصرار عباس على أنّ استئناف المفاوضات ‘يعتمد على تعريف سيرورة المفاوضات’، وأنها يجب أن ترتكز على ‘الإقرار بضرورة الإنسحاب إلى حدود 1967’.
في القضايا الأخرى التي تضمنها خطاب أوباما وكانت إعادة إنتاج لسياسات الإدارة السابقة، أو إعادة صياغة لها تجميلية منافقة دبلوماسية، كان طريفاً أن يدعو أوباما المجتمع الدولي إلى استشراف القرن الجديد تحت خيمة الأمم المتحدة، من جهة؛ وأن يقرّع العالم لأنه يعادي سياسات أمريكا، ولا يساندها في حروبها، ولا يمنحها ترخيصاً خالصاً بالعمل الأحادي، أنى ومتى ارتأت أمريكا استخدام أيّ من خياراتها في التدخل الخارجي، من جهة ثانية. وهو يفسّر حكاية العداء تلك كما يلي: ‘بعض السبب فيها يعود إلى سوء الإدراك أو سوء المعلومات حول بلدي. بعضها الآخر يعود إلى معارضة سياسات محددة، واليقين بأنّ أمريكا تصرّفت لوحدها في بعض القضايا، دون الاكتراث بمصالح الآخرين. وهذا ما أدّى إلى نزعة عداء شبه انعكاسية، كانت غالباً تُستخدم كذريعة لامتناعنا عن المشاركة في العمل الجماعي’.
من الجلي أنّ أوباما تعمّد أن يتناسى كيف وقف أقطاب ما يُسمّى ‘المجتمع الدولي’ خلف إدارة بلاده، حين اعتزمت غزو العراق، واختارت حفنة من أبرز قيادات الديمقراطيات الأوروبية (كانوا سبعة بالتمام والكمال: الإسباني خوزيه ماريا أثنار، البرتغالي خوزيه مانويل باروسو، الإيطالي سيلفيو برلسكوني، البريطاني توني بلير، التشيكي فاكلاف هافل، الهنغاري بيتر ميجيساي، البولوني لاشيك ميللر، والدانمركي آنديرس راسموسن)، صحيفة ‘التايمز’ البريطانية لتوقيع بيان مشترك يدعو إلى الحرب ضدّ العراق. ولقد تجرّد هؤلاء، علانية، من الضمير (القياسي البسيط المتفق عليه كونياً، والذي يحدث انه ضمير أوروبا القارّة العتيقة العجوز، وضمير فلسفات العقل والحداثة وحقوق الإنسان…)، ومارسوا، على الملأ، قلّة احترام الذات، واحتقار الشعوب، وغضّ البصر عن عذابات البشرية.
كذلك لم يتردد الفرسان السبعة، زعماء الديمقراطيات الأوروبية، في رفع الفزّاعات ذاتها التي نصبها البيت الأبيض آنذاك، وأضافوا إليها جرعة من المزاودة في الإعراب عن الإفتتان بالولايات المتحدة (والغمز بالتالي من الدول الأوروبية الأخرى التي لم توقّع هذا النصّ، وفي طليعتها فرنسا وألمانيا)؛ وجرعة ثانية من المزاودة على دور الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي: ‘نحن في أوروبا نرتبط مع الولايات المتحدة بعلاقات صمدت أمام اختبار الزمن. فبفضل شجاعة وسخاء وبُعد نظر أمريكا، بصفة أساسية، نجحنا في التحرّر من شكلين من أشكال الطغيان دمّرا القارّة في القرن العشرين: النازية والشيوعية. وبفضل التعاون المستمرّ بين أوروبا وأمريكا تمكنّا، أيضاً، من ضمان السلام والحرية في القارّة. والعلاقات هذه ينبغي أن لا تكون ضحية محاولات النظام العراقي المستمرة لتهديد الأمن الدولي’.
الفرسان السبعة من جانبهم اعتبروا الحرب على العراق فرصة لـ ‘ضمان السلم والأمن العالميين’، وفرصة إضافية ـ وكذلك: فرصة ثمينة! ـ لكي يبرهن مجلس الأمن الدولي على ‘مصداقيته عن طريق ضمان الإلتزام التامّ بقراراته’. وكان يسيراً تماماً، وغير مدهش بالتالي، أن يتناسى الفرسان السبعة عشرات القرارات التي اتخذها المجلس ذاته في ملفّ الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وظلّت حبراً على ورق لأنّ الدولة العبرية ترفض تطبيقها، هكذا ببساطة. وكان تحصيل حاصل أن يتناسى زعماء الديمقراطيات الأوروبية أنّ جورج بوش الابن لفظ عبارة ‘دولة فلسطينية’ مرّة واحدة في خطاب عن حال الإتحاد الأمريكي استغرق ساعة كاملة، وكأنه كان يقول إنّ ما تمارسه سلطات الإحتلال الإسرائيلية في فلسطين المحتلة من مذابح وحشية وممارسات نازية لا يهدد السلم والأمن العالميين، أو لا علاقة له بهما أبداً!
وفي تلك البرهة من اصطفاف معظم الديمقراطيات الغربية خلف الولايات المتحدة، كانت الأرقام تقول إن أمريكا تنفق على السلاح والجيوش والقضايا الأخرى الدائرة حول فكرة ‘الأمن القومي’ ما يزيد على مجموع ما ينفقه العالم بأسره. وفي المشهد ذاته، قبل نشر عشرات الآلاف من القوّات الأمريكية والبريطانية في الخليج للإنقضاض على العراق، كان أكثر من نصف مليون عسكري أمريكي ينتشرون في 395 قاعدة عسكرية كبيرة، ومئات القواعد الثانوية الأصغر، في 35 بلداً أجنبياً. ومنذ الحرب العالمية الثانية وحتى عشية اندلاع حرب الخليج الثانية، أنفقت الولايات المتحدة أكثر من 200 مليار دولار لتدريب وإعداد وتسليح جيوش أجنبية في أكثر من 80 بلداً، أسفرت عن أكثر من 75 انقلاباً عسكرياً، وعشرات الحروب الأهلية التي تسببت في مئات الآلاف من الضحايا.
وفي غمرة ذلك كله كانت تجري عمليات ‘تصنيع’ العدو وتأثيمه إلى المدى الأقصى الذي يبرّر التدخل العسكري، والغزو، والإنقلاب، وإشعال الحروب الأهلية. كانت هذه هي الحال مع بناما، مصر، البيرو، البرتغال، نيكاراغوا، التشيلي، جامايكا، اليونان، الدومينيكان، كوبا، فييتنام، كوريا الشمالية، لبنان، العراق وليبيا… والولايات المتحدة، آنذاك كما اليوم أيضاً، تنفرد وحدها بموقع رائدة ‘العالم الحرّ’ بامتياز، التي تفرض الثقة أو تحجبها، وتوافق أو لا توافق على هذه أو تلك من التعاقدات الدولية، بصرف النظر عمّن يبرمها. لكن أجهزتها الأمنية ــ وتحت ستار ‘الأمن القومي’ الأمريكي دائماً، هذا الذي يعلن أوباما اليوم أنه لن يتراخى في الدفاع عنه ــ شاركت في إسقاط أنظمة ديمقراطية أو إصلاحية منتخبة في عشرات البلدان.
وفي ما يخصّ مواقف الولايات المتحدة في مجلس الأمن الدولي، الأرجح أننا لن ننتظر طويلاً حتى نرى المندوبة الدائمة الحالية، سوزان رايس، وهي ترفع بطاقة الـ ‘فيتو’ في وجه أيّ إجماع دولي ضدّ أي من جرائم إسرائيل الآتية. قبلها شهد العالم إصرار الإدارة السابقة، بضغط من فريق المحافظين الجدد ونائب الرئيس ديك شيني، على تعيين جون ر. بولتون في منصب المندوب الدائم، رغم أنّ جوهر موقف الرجل من المنظمة التي سيعمل فيها كان، ببساطة: الاحتقار التامّ! كوندوليزا رايس، وزيرة الخارجية آنذاك، دافعت عن بولتون بطريقة مبتكرة حقاً: إنه ليس أوّل كارهي هيئة الأمم في لائحة مندوبي أمريكا الدائمين. قبله كان هناك باتريك موينيهان، وجين كيركباتريك، و… كانت مادلين ألبرايت، الديمقراطية الكلنتونية حتى النخاع، كما نسيت رايس أن تضيف!
ففي مطلع اعام 1993، أثناء تقديم شهادة تثبيتها في المنصب هذا، قالت ألبرايت إنها ‘لن تسمح بالتنازل عن السيادة الأمريكية للأمم المتحدة، في منطقة ذات مصالح حيوية للولايات المتحدة في أيّ مكان من العالم’. ولعلّ العالم يتذكّر، ليس دون مزيج خاصّ من الإستطراف والإستياء، صراع الديكة الذي نشب بين ألبرايت والأمين العام الأسبق بطرس بطرس غالي، حول صلاحيات مجلس الأمن الدولي بالذات، حين كانت تردّد: ‘أليس من المضحك أن يعتقد أنه قادر على استخدام الفيتو ضدّ سياسات الولايات المتحدة’؟
ولهذا لم يكن مضحكاً، فحسب، أن يمزّق الزعيم الليبي معمّر القذافي نسخة من ميثاق الأمم المتحدة، لأنّ الدول في المنظمة الدولية ليست متكافئة حسب نصّ الميثاق (وكأنّ مواطني ليبيا متساوون، كأسنان المشط، أمام القانون!)؛ بل كان المشهد أقرب إلى الكوميديا السوداء. ولم يكن إلا أقصى الهزل أن يتغنّى أوباما بالمنظمة الدولية، هو الذي تدوس بلاده على أنظمتها وقراراتها، صباح مساء!

‘ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس
خاص – صفحات سورية –

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى