التفاوض السوري الإسرائيليصفحات العالم

الزمن السوري في انتظارنا

يورام دوري
مع تجدد المفاوضات المباشرة مع جيراننا الفلسطينيين، تزداد التوقعات المتشائمة حول حظوظ نجاحها سواء من جانب وزير الخارجية، أم رئيس الحكومة. كما أن غالبية الجمهور الإسرائيلي لا يعتقد أن هناك حظوظاً كبيرة في تحقيق إتفاق سلام ثابت بيننا وبين الفلسطينيين. إن المعادلة التي يضعها كل إسرائيلي نصب عينيه هي”السيادة مقابل الهدوء”، وحتى أكثر المؤيدين للمفاوضات على اختلاف أنواعهم، ليسوا مقتنعين بأن القيادة الفلسطينية قادرة على تقديم ما هو مطلوب في المجال الأمني.
يتمحور النشاط السياسي الإسرائيلي على مسار مركب، ومعقد، من الصعب النجاح فيه حتى بالنسبة للمستعدين تقديم الحد الأقصى من التنازلات الإقليمية. وتتركز غالبية جهود إسرائيل والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول العربية على المسار الفلسطيني. ويبدو أحياناً أن العالم كله يجلس حول الضفة الغربية، وأن استمرار الاحتلال الإسرائيلي هو سبب كل المصائب في العالم. وفي رأيي يجب انهاء الإحتلال لأن ذلك يشكل مصلحة إسرائيلية مهمة، ولأنه يمثل قيمة أخلاقية عليا بالنسبة لشعبنا.وعشية يوم الغفران حيث يحيي العديد من الإسرائيليين ذكرى سقوط 2552 جندياً إسرائيلياً في حرب 1973؛ فإن المراجعة الذاتية تفرض علينا ان  نفهم لماذ ضيعنا فرصة  السلام مع مصر في 1971. ليس  في محاولة للعودة الى الوراء، وإنما من أجل رؤية مستقبلية تجاه جارتنا في الشمال- سوريا…
الإنتظار والتأجيل ليسا الحل
مر عامان على اعلان الرئيس المصري للمرة الأولى عن استعداده للاعتراف بإسرائيل والتوصل الى السلام معها، رفضنا خلالهما اليد الممدودة الينا، مما أوصلنا الى حرب الغفران، مع كل خسائرها المؤلمة، والآثار القاسية التي تركتها في قلب كل إسرائيلي. وفي نهاية هذه الحرب، وبعد سلسلة من الاتفاقات توصل اليها زعماء الدولة آنذاك، من أمثال رابين، وبيريس، وآلون، وقّع مناحيم بيغن على اتفاق مع مصر لا يختلف كثيراً عن مضمون المبادرة التي قدمها يارينغ عام 1971 واقترح فيها الالتزام الإسرائيلي بالانسحاب الكامل من سيناء والعودة الى الحدود الدولية، واقامة مناطق معزولة من السلاح، وتأمين حرية الملاحة للسفن الإسرائيلية في قناة السويس، مقابل تأمين حرية الملاحة في مضائق تيران.
اليوم هناك الرئيس السوري بشار الأسد الذي يلمح منذ مدة طويلة إلى رغبته بالسلام. صحيح أنه يفعل ذلك بالتزامن مع توطيد تحالفه مع إيران، ومع مواصلته تزويد “حزب الله” بالسلاح، ولكن علينا ألا ننسى أن السلام نصنعه مع الأعداء، وأن  قادة الدول يسعون الى إبقاء كل الخيارات مفتوحة من أجل الوصول الى طاولة المفاوضات، وهم يحتفظون بأوارق قوية للمساومة، كي لا يكونوا ضعفاء أو مجردين من أي موقع قوة. وفي الواقع فإن إسرائيل تسعى هي أيضاً الى بناء قوتها العسكرية والسياسية من خلال عقد تحالفات إقليمية قد تشكل تهديداً لجيرانها، وهي أحياناً تلجأ الى استخدام القوة العسكرية كي تُظهر أن” صاحب البيت قد أصابه الجنون” ولكي يتعظ من يشاهدنا. فهل على جيراننا أن يستنتجوا من ذلك أننا لا نريد السلام؟
علينا أن نقوم بمبادرة في اتجاه سوريا. فالإنتظار والتأجيل لا يشكلان سياسة. فسوريا دولة مستقرة نسبياً، والاتفاقات معها ستكون موضع احترام من جانب الطرفين. منذ عام 1974 يحترم السوريون الإتفاق المرحلي الذي جرى التوصل اليه بدقة متناهية. وفي سوريا، بعكس السلطة الفلسطينية، هناك زعيم لا نسمع منه ذرائع مثل”هذا هجوم ارهابي قامت به جهات متطرفة لا تخضع لسيطرتنا” أو” هذا اطلاق النار قامت به حماس التي لا تخضع لنا”، أو “لا نستطيع اعادة جلعاد شاليت لأننا لا نعرف أين هو”.
يتعين على إسرائيل التخلي عن مواقفها الرافضة. قبل عام كان بإمكاننا أن نفترض أن الولايات المتحدة لم تكن متحمسة للمفاوضات الإسرائيلية-السورية، لكن الولايات المتحدة اليوم مع باراك أوباما، وبعد الانسحاب من العراق تستطيع أن تقدم خدماتها الحسنة من أجل اختبار جدية الأسد، والمساعدة في المفاوضات. كذلك بإمكان فرنسا ودول أخرى المساعدة في ذلك.
إن المراجعة الوطنية لأنفسنا تفرض علينا اليوم دفع القيادة الإسرائيلية نحو تكثيف مساعيها ونشاطها السياسي على المسار السوري. إن الزمن السوري في انتظارنا، وهناك احتمالات كبيرة للتوصل الى تسوية.
“معاريف”
ترجمة رندة حيدر عن العبرية
(مستشار استراتيجي، عمل لأعوام مستشاراً لشمعون بيريس
)
النهار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى