صفحات ثقافية

مــن أصدقــاء عبــاس بيضــون.. باقــات كــلام (٣)

null
لم نكن نبالغ عندما قلنا إن أصابع عباس بيضون لم تعد بعيدة عن القلم. كنا متفائلين، ولما نزل، ذلك أن وضعه الصحي بات جيداً، فهو خرج من نفق الخطورة، ومن مركب القلق المتأرجح، واستعاد، بعد حادث الصدم، القوي والخطير، كل وعيه، وكل ذاكرته، ونجحت تماماً كل العمليات التي أجريت له، ولم يعد يعيقه شيء عن القراءة أو الكتابة. إلا أنه يحتاج إلى بعض الوقت كي يرتاح، وتهدأ نفسه ويطيب مزاجه. ويحتاج إلى ثقة أكبر بجسده، لكونه لا يزال طريح الفراش، في منزله، بسبب كسور في رجليه الاثنتين.
سوف يعود قريباً إلى الكتابة، التي لن يؤخره عنها إلا بعض نقاهة، ونسائم اطمئنان، وقناعة قاطعة بأن سلطته على جسده استعيدت. نعم، سوف لن يتأخر عباس عن قرائه، وإن أعاقت حاله عودته السريعة إلى مكتبه في الجريدة. يعرف تماماً مسؤوليته أمام من أحبوه وأدمنوا قراءة كل ما يكتب، ويعرف أن محبة أصدقائه له ما هي إلا دين عليه، لا يفيه إلا بالكتابة. ربما باتت الكتابة العملة الشائعة التي يكسب بها أصدقاء ومحبين ومريدين، وهي المياه التي تنعش شجرة علاقاته الوطيدة والجميلة. يعرف تماماً أن الكتابة حبل السرّة الذي يربطه بالحياة، وأنه من دونها يبقى الميدان مفتوحاً على أمواج القلق.
هذه الصفحة التي أردناها فسحة لطمأنة الأصدقاء، كل أسبوع، لم تعد لها ضرورة، بعدما زالت كل أنواع الخطر. وإذا نحن فتحناها، منذ أسبوعين لتحايا الأصدقاء، فإن حدودها جامحة، لكثرة ما نتلقى من رسائل، ومن شأن استمرارها أن يمنع تفتّح ورود عباس على هذه الصفحة، ويؤخر قلمه في أخذ مكانه على رأسها… لذا، نعتبر هذه الدفعة الثالثة من باقات الأصدقاء خاتمة ما ننشر، معتذرين لمن أرسل لنا متأخراً، أو يريد أن يعبّر لعباس عن محبته وصداقته. لعل الرسائل الشخصية المباشرة والالكترونية من شأنها أن تقوم بالدور نفسه.

أشــعر برغبــة فــي الغنــاء.. فقصيدتــك المنســية رددتــها الحناجــر
مرسيل خليفة
عبث الريح على سن الكلمة؛ في سيل الجنون الجارف إلى البعيد؛ في وحشية الرفق؛ أنجذب بمطر القصيدة الآتية من المستقبل كما يأتي النهار من الليل؛ تفتح الدروب؛ تعبر الآفاق؛ متفجرة؛ متجددة؛ شغوفة وحرة كالبرق؛ شفافّة وكثيفة كالريح؛ المجد لرقة الشعر؛ يا عباس؛ ماذا عليّ أن أكتب وعيناي تسرحان بين الكلمات على حفافي الجرح؛ وصفحات قصب الوجع تنبت نايات ساكتة على بحة مقام القصيدة؛ الكلمات تقفز الواحدة بعد الواحدة لترتمي بأفياء الهدب؛ حيث رائحة حبق وعتب وورد وتراب؛ إني أحاول أن أصفو من خلال صمتي أمام صفحة بيضاء أكتبها لك؛ لن يكون بوحي شجياً ولن يكون بارعاً؛ سأكتب حروفاً بلا تشكيل؛ بلا قواعد؛ ربما تكون كتابة على الحياة مباشرة؛
عندما أفقد المعنى أقبل على نصك بعبق المعرفة فألمس جمالاً وحشياً؛ عصياً على الاستيلاء؛ ووعياً حراً من أسر الكلام العذب؛ لا أعرف أين أذهب مع خفق إيقاع قصيدتك الذي يتسلّل في رعشة إلى ليلي؛ ربما إلى مجهول غامض ليتضح شيء ما؛ زرتك البارحة وكنت تغفو في دعة وهدوء؛ ألتقي بأصدقاء لم ألمحهم منذ زمن بعيد؛ ننتظرك لتنبثق من ظلمة النور؛ لنرتمي بظل عودتك الصاحية؛ أيها الصديق الجميل ما هذا الذي إنقضّ على خطوتك الواثقة؛ على حريتك الذاهلة لتقطف وردة الطريق الحائرة تعربش على سور حديقتك السرية؛ تنزلق على الجانبين لتشم رائحتها الذكية ولتنعم بشرابها؛ هل هي قصيدة منسية سلكت طريقها رغماً عنك ورددتها الحناجر عالياً كبرهان وليس ضماناً للخلود لعلي شعيب؛ لجهاد أسعد؛ قصيدة تحولت إلى أغنية هدفها خلق الأزمات وليست المواساة؛ هدفها الاستفزاز والمجازفة وليس الترفيه في وحشة هذا الكون؛ قلقك الدائم يا عباس دفعك إلى التمرّد على النفس لإيجاد بذرة تتوالد من تلقاء نفسها؛ تتفتح وتتحوّل إلى عطاء وذلك القلق هو ما يجعل الحياة ممكنة؛ البارحة غلبني النعاس من فرط الزحام المتداخل في يومياتي؛ لم أستطع أن أكتب لك؛ صحوت باكراً هذا الصباح عند انسياب أول شعاع من النور وبدأت سفري بالكلمات؛ الكلمة تقودني إلى بساطة كاملة؛ تجعلني أقرع جميع الأبواب لأصل إلى أعماق الأثر؛ أأنت هنا؟ هذا النداء يذوب في غمر العالم وفي موجة هذا الشك القاطع لليقين؛؛ هأنذا؛ مع برعم الصباح؛ بيد أن الهواء العليل ينسم قربه؛ لم أر وجهه؛ لم أعر أذني إلى صوته؛ لكني سمعت خفق خطوات هادئة لهذا الفجر الصامت الممتد كالبحر يرتعش بأغنيات الطيور وبالزهور الجذلى والشمس المذهبة في قرية تنسكب على البحر هاربة من سلسلة الجبال العالية؛ احتلت الشمس كبد السماء وطيور اليمام تهدل في فيء شجرة التين؛ نعاس لذيذ يجاذب عيني في كل مرة أعود إلى ضيعتي الساحلية مع ذكريات تجيء ولا تؤذي؛ ما زالت شجرة الكينا تنتصب أمام البيت حارسة للمدى وللحب الذي أحاط بنا، وكان جدي قد جاء بتلك النصبة وزرعها قبل أن تضعني؛ رجّون؛ تلك القابلة القانونية في صحن الماء الكبير بعد أن قطعت الصرّة التي تربطني بأمي الصغيرة؛ أتذكّر طفولة أولى ألعب وألهو في حدود بيتنا المصون بحديقة صغيرة خضراء وكان اللعب قادراً على خطف أنفاسي من صدري الهش؛ بين البيت والكنيسة والمدرسة تشكل عالمي الأول الصافي والبريء حيث تقف حدوده عند حدود خطواتي؛ والبحر كان يسوّر الجبال الهاربة من علو شاهق لتبلل أقدامها بالمياه الدافئة. بحر يتلألأ بأمواجه الهادرة في الشتاء القارس وسكونه الحالم في الصيف الحارق حيث كان يضفي على حرارة الجسد الملتهب شيئاً من طيف برودة منعشة؛ ولقد تعلمت عشق البحر من جدي يوسف ذلك الصياد العتيق؛ كان يأخذني معه إلى الشاطئ الصخري؛ يجلس بهدوء؛ يعدّ شباكه ويبدأ محادثته مع البحر وهو يتسلى بصيد السمك؛ كان جدي يغني للبحر وأنا والبحر نستمع لجدي وننطرب بشدوه الناعم؛ ذهبت اليوم إلى ذلك الشاطئ العمشيتي؛ جلست قبالته لأكتب إليك رسالة حب صامتة مرصعة بذهب الأمل؛ على الشاطئ صيادون لهم عيون ثاقبة؛ تلتمع ملابسهم المتسخة مع أصواتهم الصاخبة؛ هازئة بالأفق وهم يلقون شباكهم الماكرة في البحر لتتلقف أسراب سردين صغيرة تنازعهم عليها طيور البحر البيضاء؛ نظرتك البارحة يا عباس تتسلّل إلى نصي الصباحي؛ أعاود ترتيبه وأعيد صياغته كي لا أضيع الأشياء الجميلة؛ أتطلّع إلى السماء البعيدة إلى شمس تلمع؛ تلهث؛ تبهر؛ تخطف العين حتى لا أرى أين ولا كيف ولا لماذا وإلى متى؛ أتمتع وأتحيّر في الكون البهي اللون يسبح في فلك عظيم؛ كل شيء يدور حول شيء آخر؛ لا أشعر بالزمان والمكان؛ أصبح جزءاً نابضاً من وجود شامل يتلألأ ويتألق؛ أمشي خفيفاً شارداً وكأن جسدي ريشة والبحر الممتد أمامي يعبق بلونه النيلي؛ أتصفح الشاطئ؛ أبعثر رمله؛ أحدق في الأفق البعيد وأغني: من ينسى عيون الأطفال الخائفة في أرض موطني؛ من ينسى كيف يغوص الفلاحون في تربة خوفهم كالخلد؛؛؛ وحدي هنا يفتتني الانتظار في قيظ هذا النهار؛ أستنطق شعرية الصمت في حنين خفي إلى قصيدتك؛ يبللني الماء؛ يمسني شغف غامض؛ أعيد ترتيب الذكريات وأصرخ: يا علي؛؛؛ لا صدى لصوتي في هذا المدى المفتوح للأمواج ولا أحد يسمعني؛ يا عباس أشتاق لتلك الأيام التي عبرت هنا قبل أن نلتقي حيث كنت أفتح مسارب الهواء من أجل أقدامي المشغولة بالوصول إلى الهدف ثم أختفي وأتلاشى في مساء صيفي بعيد بمدينة المنفيين من كل حدب وصوب؛ باريس؛ حزيران لسنة 1967 التقينا في مقهى الفلوريس حيث كان يغصّ بالأصدقاء الجدد؛ حلقات من الوافدين أو المقيمين بداعي الدراسة أو السياسة؛ ولقد كوّن هذا اللقاء مناخاً اجتماعياً وسياسياً حاراً؛ أذكت طراوته الأحداث المتسارعة التي تجري في بلدنا والتي تأخذ طابعها الدراماتيكي المعروف؛ أذكر كيف رحت بخجل وتردد أعرض بعضاً من تجاربي الموسيقية الأولى؛ شاب متحمس؛ أخرق؛ يريد أن يجعل الأغنية سبيلاً لتغيير العالم؛ أن يخفف الألم والبؤس والفقر والحروب؛ أن يشعل ثورة مدعوماً بوتر وقصيدة ليستدل على الحلم ويصل إلى تحقيقه؛ أتذكر أنني أخذت المترو وللمرة الأولى من محطة سان ميشال إلى المدينة الجامعية؛ بعض الركاب كان يغط في نوم عميق ما ان يلامس جسده الكرسي، والبعض الآخر يستغرق في قراءة جريدته ولا يلتفت إلى وجوه الجالسين معه في العربة، وهنالك من يتابع حديثه ولا ينتهي عند وصوله إلى محطته النهائية، وأنا لم تفارق عيوني النوافذ بحثاً عن نور سيأتي من مصباح بعيد في ظلمة الأنفاق؛ كان الزمن آنذاك يمشي بطيئاً كسلحفاة، وكنت أستعجله لأكبر؛ استمعت إليّ وكان داخلك مشحوناً بالتمرد؛ ومثلما يفلت الزمن تفلت الأمكنة كما لو أنها لم تكن وكما في الموسيقى، حيث الجمل تمحو بعضها البعض؛ لا شيء يتكرر؛ كبرنا بأقصى سرعة واليوم نستمهل الزمن لنكمل القصيدة ولنقفل الأغنية؛ المهم أن تقترب الروح من الروح وأن تتسّع الموسيقى ويتسّع الشعر للإنسانية كلها في حزمة ضوء؛ في خفقة جناحي فراشة تحط على سياج جسر خشبي بين عشبتين؛ في شمعة خافتة وراء نافذة صغيرة؛ قريباً من الينبوع؛ من خرير الساقية؛ من ارتطام جناحي الحمام بسطح الفضاء المفتوح؛ لا حيطان ولا أسيجة ولا أبواب ولا سواتر ولا وطن للقصيدة وللموسيقى؛ نشتاق يا عباس لأيام عبرت قبل أن نلتقي لنولد من جديد ولأبعد جرحك المفتوح للمدينة التي بقيت جاهزة للذكرى، وخاصة تلك الأيام الصعبة حيث أقمنا في المدهش والمفاجئ والصاعق والغريب والنبيل، التي صادفتها ذات مساء جميلة تنبت زرقة صافية؛ صيفها اليوم ينوء بأثقاله على بناياتها المطوقة بالإسمنت؛ صور لم تعد ذاتها؛ أحس الشجن يفتّتني ولو للشجن صوت لكنت سمعته؛ كنت هنا وكنت هناك قبل قليل وكأننا لم نكن؛ حدث شيء غامض فحملت الريح قصيدتك إلى منفى ليس دائماً في المنفى وإلى وطن ليس دائماً في الوطن؛ يا عباس أعتذر من خلل هذه الكلمات المبعثرة على طول هذا الشاطئ؛ أتنهد وأعرف أنك تسمعني؛ فكيف نعالج روحنا المكسورة من وجع أرض تتسع وتدور وندور معها كغرباء، نتبادل الحنين الذي لا يفسّر، نشرب دمع العنب حتى الثمالة، وليس لنا إلا الريح نسكنه وندمنه ونتنفسه في سماء متموجة بقوس قزح وفي غيم أينع بعشب الروح؛ نحلم كثيراً وننام قليلاً، وكل لحظة نوم خسارة لرؤية النور ولهذا أطير إليك لألمك من نعاسك؛ لتتعافى وتعود بقبضة ريح تحملها بين جناحيك؛ وقفت قليلاً أمام غرفة الطريق في المستشفى لتصحو من نعاسك، وأنا أتطلع إلى السماء تنقحها غيمة بيضاء، وإلى وجوه الأصدقاء يلفها شوق الانتظار وكان الصمت الوسيلة الوحيدة لإبراز القيمة العاطفية لصداقة تأخذ عذوبة الحب، وأحسست بمطر يخترق أعماقي؛ سرير في وسط الغرفة يأسر جسدك الطافح من تلك الصدمة؛ يعصف بألق ندي وصبر طري؛ ونظرة شاردة تراقب الداخل والخارج؛ أبحث عن مفردات أحمّلها شوقي إليك فلا تأتي؛ أتطلع في الجدار المقابل فأرى زهرة بيضاء تخترقه وتمد خضرتها الداكنة في سطوة الحجر ولا تبالي؛ لم أدرك البارحة كم كان عليّ أن أسألك حين يئن صمتك من صمته ويتهدج صوتك بـ«أهلا»؛ هل كنت تحترف البكاء اللامرئي وتدس حرقته في الهروب؛ كم من سؤال مرّ بي فأجلته لأحترم التعب في عينيك؛ ولطالما طلبت من صديقنا إميل أن نلتقي في عشاء سري، لكن تحرّك الأمكنة والناس والأشياء والزمن في ضوء الحياة؛ في النار المشتعلة؛ حال دون أن نلتقي؛ يا عباس؛ هل هذه الكلمات تبني حياة جديدة نكون فيها لا قبالتها؛ أنتظرك لأسترد غبار الدروب الأولى الذي علق على أقدامنا؛ على درج بناية عزيزي بالمصيطبة، عندما كنا نسهر وشعرك يحوم في شقتنا بالطابق الثالث فوق سوق الخضرا؛ يقودني شوقي إليك هذا الصباح الحاني؛ البارحة نهدت في منامي؛ خفق قلبي وانتظرتك لأذرف عسل الكلام؛ ندائي يحتضن صرخة مبللة بالملح على أرض تترعرع بالقمح؛ عار إلاّ من شعاع الشمس؛ ألقيت في يم البحر كلماتي؛ أسير فوق عيون الماء كحصان مندى؛ أغرق في حنايا النص وأذوب في قساوة المعنى؛ أعود طفلاً أرنّم في ذلك الفجر الذي طلع عليّ في قريتي الساحلية، أبحث عن أمي بين عشرات الوجوه؛ طفل في الخامسة يخاف في أيامه الأولى بمدرسة الوردية؛ يخاف من عتمة تقترب بعد غياب الشمس؛ أبحث عن امي قبل أن أهزم وحيداً في فناء الملعب؛ كبرت قليلاً كبر نبتة الصبار على الحفافي والتي كانت تمنعني دائماً من العبور لأسرق عناقيد العنب من الدالية المغروسة في الحقل المجاور؛ وكل مرة كنت أقتلع من جلدي الحافي ذلك الشوك الدقيق حيث كان يختفي أحياناً في لحمي؛ وكانت الأفاعي تزحف بالقرب مني؛ أتبعها إلى جحورها حيت كانت تبيض؛ وأحيانا كنت أرى جلودها مرتمية في الحقالي آتي بها إلى البيت لأعلّقها على الحائط الخالي من كل زينة؛ وأنتظر نور جسر الدجاج يهاجرون كل صيف مع خيامهم إلى الجبال العالية ليسدوا رمق الحياة؛ لا يتركون شيئاً وراءهم إلا رماد المواقد المعدة للطبخ وللغسيل؛ هو هو نفس الإناء؛ يعيشون ليومهم؛ لا يعرفون ما ينتظرهم في الغد الآتي ولا ينتظرونه؛ يصل إليهم كما اتفق ويرحل كما اتفق؛ وتلك النورية الصغيرة التي كان حبها يناديني ويصرخ بي بصمت ويمتلكني ويسكنني ويتوجني بالحلم ويهيم بي ويأخذني إلى أعلى ثم أعلى؛ إلى شمس نهديها تحرقني والماء يسيل رقراقاً في جلسات الحب السريعة؛ كنت أحدق بملمحها الجذاّب بذلك السحر وبذلك الألق ليمسح عن جبيني تعب الرحيل الصيفي؛ وعندما كانت تعود من هجرتها القسرية في أول الخريف كنت آتي إليها من تعبي ومن خوفي ومن فرحي ومن حبي المغامر والعامر؛ أقفز وأقطف تفاحة البنفسجة وأندس تحت فيء عريشة خيمتها كالدوري؛ أشتعل بالدوالي أقطف حبة حبة وأذوق لسعة عسلها البرّي وتطال يدي زهرتها وتمتد إلى زغب العش الناري؛ أعتصره؛ أشربه وأطير عشقاً؛ سحراً؛ حباً وأعماق الأعماق يشفي جرحي المفتوح بملح الحب على أديم الجسد المضرّج بالنور والنار وأقطف الوردة السرية النازفة بالشهوة ونشتعل ولا ننطفئ؛ لقد حملتني الفصول إلى البعيد؛ أقلب المدن صفحة صفحة؛ أنتقل من مطار إلى مطار؛ أسكن في قاعات الانتظار؛ أعبر القارات ولم أعد أعرف إن كنت مسافراً أو إن كنت عائداً في أمسيات حافلة بالشعر والموسيقى والغناء مع جمهور مشتعل عاد إلى طفولة الأشياء؛ إلى زمن جميل؛ إلى حب يرفرف في أرجاء المطارح؛ الآتون إلى الساحات والملاعب؛ كباراً وصغاراً؛ يعيدون صياغة الحلم ولا يتوبون عن أحلامهم؛ ولا يأبهون لخسارة غدهم؛ يأتون للغناء ولمزيد من الحب؛ طفلة صغيرة لا تتجاوز التاسعة من عمرها برفقة والدتها تقترب بخفر شديد من الخشبة لتأخذ صورة؛ أضمها وتهمس في أذني فأتطلع بوالدتها مندهشاً فتقول لقد رضعت الحب مع الحليب؛ أرتجل موسيقى لتعانق القصيدة؛ ألقي بنفسي في غيم الروح ليتضّح المعنى ونستشف الأمل؛ يا عباس ثمة شمس في القصيدة فلا تذهب إلى النوم وحدك؛ الأحلام في انتظارك؛ يجف حبر الكلام ولم أكتب ما أريد أن أكتبه؛ الشعر صعب مثل الحب مثل السر بحاجة إلى موهبة ومكابدة وصوغ ماهر ورحلة لا تنتهي إلى البحث عن النفس في المجهول؛ لم نتحرر من شرطنا التاريخي؛ لكن القصيدة وفرت لنا هامش الحرية تعويضاً مجازياً عن عجزنا لتغيير الواقع وانشددنا إلى لغة أعلى من الشروط التي تقيدنا وتعرقل الانسجام مع وجودنا الإنساني وساعدتنا قليلاً على فهم الذات بتحريرها مما يعيق تحليقها الحر في فضاء بلا ضفاف؛ نحب الحياة وننخطف بزهرة الحفافي وننتظر مطرة الخريف الأولى ونمارس الحب كي نواصل الحياة؛ حين غنيت «يا علي» منذ ثلاثين عاماً ؛ مسّ الجمهور حنين عميق وصارت الأغنية ملازمة لأرض الجنوب؛ تسير إليّ وتطاردني؛ أجلس الآن وحدي في المقهى البحري والمشاة المسرعون بدأوا يملأون الشاطئ؛ أرشف فنجان قهوتي؛ أنتظر شمس الغروب لتصبح طعماً للسمك في بحر الظلام؛ لحن أبحث عنه يلاعب أوتاري؛ نوتة؛ كلمة؛ قطرة؛ وردة؛ أعيش كشفيف المناديل بعد سفر طويل زادي ظل المعاني في حب يسيل من مجون؛ وفي نداء يحتضن صرخة؛ انتصفت قنينة العرق؛ العود مثل امرأة عطشى على فخذي وكالاستسلام الأول نطّ اللحن من الوتر؛ أشعر برغبة في الغناء يا عباس: قاومت لتحرّر دمك؛ من عنابر الزيت؛ وفمك من مخازن السكر؛ وعظامك من مقاعد البكوات؛ وأمراء الدواوين؛ لكن؛؛؛ أين تجد هنا أرضاً لرأس طليق ويدين حرتين؛ عباس إشتقنالك؛؛؛

تعالي، أنا الشعر
راشد عيسى
حين التقيته أول مرة، كان عباس بيضون قد نجا لتوّه من عملية قلب مفتوح، لكن همته العالية ورشاقته لم تكن تشي بأنه تعرض لجراحة بهذا الحجم، كما أنها لم تكن تناسب رجلاً أو شاعراً بهذا العمر؛ حين أدركَ أنه نسي نظارته على المنصة بعد قراءة الشعر (كنا في الملاجة، قرية محمد عمران)، وضع كلتا يديه على الخشبة وبقفزة واحدة صار فوق. لدى عودته فرد ذراعيه لطفلة عابرة، وعندما لم تكترث لندائه قال لها «تعالي، أنا الشعر».
خفة عباس، وحيويته، وميله الدائم للدعابة كانت دائماً مفاجئة، وقادرة أن تضحكني من القلب.
لكن ما يمتع أكثر تلك القصص التي تروى عنه، عن نسيانه وشروده، عن الكلمات والتعليقات التي يتركها هنا وهناك. من فرط روعتها وفكاهتها يشعر المرء بأنه قد جرى توليفها، يصعب أن نصدق أن عباس بيضون هو كل ذلك.
لكنه كل ذلك حقاً. فهو المعلم (وأعرف أنه يأنف هذه الوظيفة)، الذي رغم اللقاءات القليلة أحفظ عنه أشياء لا تنسى. لشد ما أثار إعجابي حين رأيته في تأبين ممدوح عدوان ممسكاً بدفتر صغير يسجل عليه ملاحظاته، لتتحول في اليوم التالي إلى تغطية ولا أجمل لذلك التأبين، كيف نصدّق قصص النسيان مع تلك الانتباهات التفصيلية التي يصعب أن يراها غيره؟ ربما كانت مقالته عن زيارته للشاعر محمد الماغوط قبيل رحيله نموذجاً، لا لفرادة الانتباه إلى التفاصيل وحسب، بل هي نموذج للكتابة الفريدة، التي لا يشبهها سوى صورة مجرى لنهر يُشق في أرض قاحلة، سرعان ما يصير حقيقة، وحياة.
لكني مولع أكثر بكتابته عن المدن، عن أسفاره هنا وهناك، إنها أدب رحلات لا مثيل له، أستطيع أن أتذكر الآن وصفه للبحيرة، وللنقاش الذي جرى فوق البحيرة، وللتمثال، بل وكيف دسّ نفسه في فراش فندق طارئ. كيف حدث أن عباس بيضون لم يسجل نفسه كروائي حتى اللحظة (رغم روايته «تحليل دم»)؟
يحدث في بلادنا أن الكتّاب غالباً ما يصيحون أنهم بلا آباء، كي يقولوا إنهم جميعاً صنعوا أنفسهم وبدأوا من الصفر. غير أني وجدت نفسي دائم البحث عن أب، لو أردت أن أسميه اليوم لقلت بلا تردد إنه هو، عباس بيضون.
(كاتب سوري)

بسمة رجعت
صفوان حيدر
مهيب أنت محتجب ومفتقدٌ بمقهانا وروضتنا/ جميل أنت معتكف ومحفوظ بمنفانا وغربتنا/ بديع أنت كالمرجان والأصداف والياقوت/ تقاوم كبو حادثة أصابتنا/ كما الزلزال/ لكي تمشي إلى الأوطان والبلدان في بيروت./ نُضمِّد حزن أغنية مبللة بمنديل بأدمعنا/ على الترحال/ لكي نرمي صدى الألحان والألوان بالأزهار../ لكي نرمي لصوص القمح والتاريخ بالأحجار../ أيا عباسُ شاعرنا../ عليم أنت بالمرسوم والمعزوف والمنحوتْ../ رؤوف أنت بالمحزون والمنكوب والمكبوتْ../ بكَ الإشفاق والغفران والتصويب والجبروتْ/ لماذا راهب الكلمات في جمع يحادثنا/ وفي فكر يحاورنا/ أضاء ظلام سهوتنا وغفوتنا؟/ بلا قنديلِ كهربةٍ ولا كهنوتْ./ فدحنا غيبة العباس.. كمملكة بلا ملكوت/ كلام الصفو مصدوم بدا خرسا/ كما المشطوبِ والمسكوتْ/ أيا عباسُ شاعرنا../ نريدك بسمة رجعت/ لتكتب كي تعانقنا/ بصبح واهج التشويق للمخبوء في الموقوت/ على عنوان صفحتنا../ تضاحكنا وتبكينا، تمازحنا/ بلاهوت هو الناسوت.. وتفرحنا/ تجادلنا وتحزننا، وتنصحنا/ بناسوت هو اللاهوت.. وتفلتنا/ وباقية «سفيرتك»، منارتك، سفينتك/ لتنقلنا إلى الكلمات…/ بأنوار وأشرعة تخاطبنا..

لا يملك إلا أن يعود
راسم المدهون
كأن حادثة عباس كانت تلوح في البال. ليس ذلك إلا قياسا لما كان يحدّث هو عن نفسه… عن ذهوله… عن شروده المتواصل في أزقة عالم لا يبدو قابلا للتغير إلا قليلا.
عباس بيضون هو بالنسبة إلي قصيدة النثر في تجلّيها الأسطع، إذ هو من قلائل أوقفوا حالة الذهاب النقدي نحو «جيل الرواد»، وأجبروا سدنتها على التوقف عنده باعتباره رؤيا وتجربة، وفي الحالتين نحن أمام عصف الشعر بالروح على نحو مختلف يقتصد في الكلام ليتيح المساحة الأوسع للمخيلة والصورة التي تتفاعل حتى تتحول مشهدا دون أن تقع في إغواء السردية التي تظل حاضرة، ولكن على طريقته هو، طريقة عباس بيضون.
بين مقالات نقدية كثيرة حظيت بها مجموعتي الشعرية الثانية «دفتر البحر» (1986) لا أزال ممتنا لمقالتين كتب إحداهما عبده وازن في «النهار»، وكتب الثانية عباس في «السفير»، وأثارتا في وقتيهما جدالات لم تخل من حسد، فان تعجب قصائدك شاعرا كعباس ليست مسألة سهلة أو يمكن العبور منها بخفة.
عباس في ذاكرتي مجموعات شعرية كثيرة، لكنني أتوقف بين وقت وآخر عند مجموعته التي لا تزال تعيش معي «لمريض هو الأمل»، والتي أهدانيها مع مسافر عائد من بيروت إلى دمشق، فكتبت عنها مقالة يومها، لكنني حين التقيته ذات «ربيع شعر» في دمشق وسألني عن خراب العالم، لم أجد مسؤولا عن ذلك سوى «الشق الذي في الجدار» كما كان يردّد في «مريض هو الأمل».
هل أتحدث عن عباس وأغفل الحادثة؟
وهل تستحقُ الحادثة المشؤومة تلك أن تكون في موازاة شاعر بقامة عباس بيضون؟
ذات سنة كتب عباس بيضون مقالة نقدية عن مجموعة شعرية جميلة وهامة للشاعر اللبناني شوقي بزيع، وأظنُ أنني لا أزال الى اليوم أحمل دهشتي من مجموعة شوقي أولا، ثم من قراءة عباس لها.
سيتماثل عباس للشفاء لأنه لا يملك إلا أن يفعل.
نحن ننتظره.
لا يهم أن ننشر في الصفحات التي يشرف عليها في «السفير»، بل المهم أن يطلّ هو من شبابيكها المفتوحة على الشعر والأدب، ليلوّح بيده لقراء لا عدد لهم لا يعرف هو أسماءهم، لكنهم ينتشرون في ربوع وطننا الكبير المثخن ولكن المتعطش للشعر والحرية، وما الشعر والحرية سوى توأم الحياة.
(كاتب سوري)

ترفــق بقلوبنــا
فتحي ابو النصر
ترفق بقلوبنا يا عباس بيضون… كن بخيرٍ رغماً عن المكيدة المباغتة. سوف لن نحتمل هذا الفراق الفاجع.
[[[
ارتبط اسمه برعاية الجدل والانتماء للإرادة الثقافية الصعبة، كما عرى التابوهات بإحساسه الرفيع في التجاوز، وبات من الاستثناءات القليلة المشهودة في المشهد الفكري والشعري العربي المعاصر: فلا أحد مثله – إلا نادرا ً- يتذوق الجديد كحداثي متألق لا تشوبه التأزمات؛ فيما طاقته الكتابية تسلب الإعجاب بحرفنته المهنية العالية ذات الوعي الرزين والحر فنياً وسياسياً وجمالياً وشعرياً.
عباس بيضون المؤهل دائماً للضوء كمقاتل حلمي فريد من اجل سلامة الحلم، وكمخلوق واضح الأبعاد يدافع عن خياراته الفكرية بشفافية أنقى: هو عباس بيضون المنتمي الى الجوهر، والمعتز بعصاميته، وصاحب الخيارات الباسلة التي تنحاز للمدنية وللدمقرطة دونما استرخاء أو تذبذب.
الوطني اللبناني الانسانوي العربي العالمي بكل حيوية وموضوعية ثقافوية، ينقب عن الحب أينما وجد؛ وعن القصيدة أينما حلت، وهو جزء أصيل من تكويننا الذهني: رجلٌ حقيقي المكابدة؛ وسادن شغف أصيل، انعتق من الأيديولوجيات في عز تجليها، وأجرى مراجعة ذاتية شجاعة لكل اليقينيات، ولطالما أشاع الأمل في الأرواح اليائسة، كما تحوي مراجعاته النقدية الثاقبة سلطة أخلاقية تندر.
[[[
لنصلّ. من أجل استمرار شهيته المفتوحة على اتقان المعنى الخصوصي جداً في الأفكار والرؤى… لنصلّ. من أجله كقيمة سليمة الحس، وكمثقف وشاعر بجماليات وافرة وبلا ذرائع أو تحرزات… لنصلّ. من أجل عباس بيضون: ذلك المثال المعرفي الآسر.
(شاعر من اليمن)

رأسٌ أصلعٌ حزين
دارين حوماني
غبارٌ يهبُّ بين يديّ…
أسلّمُ عليه…
يستدير نحو جريدته…
فيظهر أمامي
رأسٌ أصلعٌ حزين
غارقٌ في تكاوين الورق الأصفر
يتدلّى خلف أذنيه
قليلٌ من الشَّعر
وكثيرٌ من الشِّعر والأسى
قلتُ له سأمرّ بعد يوم / مرّ عامٌ
فافتقدتُ غبارَ يديه/ وغبار وجنتيه
أحبُ أن أصنع دُمى له
تليقُ بعربات الملوك
صحوتُ فجأةً على قصيدة/وأنا أحدّثه
فغرقت داخل دلو من اللغات والوجوه
والدموع المتناسلة.
أرغب في اصطياد موجة
وأن أغمُرَها بذراعيّ
وأطرّز منها رغبات مجنونة
تغمرُ صدري
وتغمرُ ما تعلّمته طيلة ثلاثين عاماً
من التآكل/ أعدو
داخل صحنٍ لنفض السجائر
أفتش عن رائحة جسد ما
بين الدخان/عن ظلّ رجل ما
أتحوّل إلى مشط/ يكنّس أرض البيت
وأعواماً حزينة…/ هذه الليلة
لا أريدُ أن أتوقف عن كتابة ما يتساقطُ من شَعري
الموسيقى/ الشِّعر/ الأحلام
مررتُ بكَ كقصيدة عابرة
فلم تلحظ ما كنتُ أودُّ قوله
لكني لم أنطق بشيء
ابتلعتُ أغراضي الداخلية
وكوّمتها تحت وجهي
وخرجت من أمامكَ لورائك
فلم تتيقّن أني حتى مررتُ بك
ولم تعرف أن ظلي كان يهيم حولك
بين الكتب/ وتحت أقدام المارّين
ثم ينزوي في المقهى المجاور.

أنت تأكل الدنيا من رأسها
انطوان ابو زيد
أعرف انك سوف تبتسم لكلام قيل عنك، وانت في عزّ معركتك ضد الحديد والإسفلت،
وللمرة الثانية، على حد تقديري، باللحم الحيّ، هذا اللحم الذي ما برحت تدافع عن أساطيره
حتى كتابة هذه السطور. لن أضيف هلعا كثيرا إلى ما قيل. ولن أطلب رعاية من الكائن
الأعلى حفظا لك، ولوجودك الحيّ الى جانب ميتاتنا الكثيرة، هذه الأيام، لعلمي بأنك ضنين
بما للبشر من طاقات، وللكائنات الصغيرة والمهدورة من مهارات، كفيلة بالتخليص.
إلاّ أني فعلت ذلك، للحقيقة، ومرارا، من الأعلى.
لن أضيف بأني خفت على أحبائك، على ولديك الحبيبين، بانة، الملاك الحارس، وزكي،
الإبن الشعلة.
أخي عباس، هذه الرسالة، لا تصدّق أنها للطمأنة فقط. إنها للاعتذار أيضاً .الاعتذار منك
لعلمي بأنك، وسوف تبقى، حتّى قيامك بعد شهر من الآن إلى الدنيا، تأكلها كعادتك من الرأس
أولاً، حامل هموم الشعراء وأوزارهم الكثيرة، والمطمئنّ إلى الغائب بمقدار اطمئنانه الى
الحاضر.
عرفت ذلك بالملموس،عشته معك، من شرق صيدا، إلى حيث هُجّرت، وصولاً إلى
بيروت، التي رسمتها لنا أجمل، وصدّقنا. وعشتها أجمل ولم تزل.
أعتذر منك. وأدعوك إلى تشويقنا إليك بغير الطرق الخطرة هذه.
قال لي ابني رجا، حين نظر إلى صورة تجمعني بك، وأنت ابتسامة كلك: أنظر، عمو
عباس عندو عينين خضر! وحلوين!
قبلاتي لك، الممنوعة كانت، ايام مستشفى الأميركية. أخي عباس الإنسان – ذوالعينين
الخضراوين –
الى اللقاء، هذه المرّة آتيك حتى ولو في منتصف الدرس.
أنطوان أبو زيد

كاتــب الدهشــة
هيفاء بيطار
رغبت أن أكتب لك حال سماعي بالخبر الاليم ولا أعرف لمَ لمْ أفعل، لكن رسائل الاصدقاء شجعتني. شعرت بأني أريد أن أقول لك ما تعنيه بالنسبة إليّ وإلى قراء كثيرين مجهولين.
أسميك يا عباس كاتب الدهشة، لأنك قادر على إدهاشي في كل مقال تكتبه، ليس لجمال لغتك وثقافتك الواسعة، بل لتلك الرؤية الفريدة والمميزة التي تمتلكها في كل مقال تكتبه. من مثلك كتب عن أفلام ايليا سليمان؟ من مثلك كتب عن التعذيب وسجناء الرأي وبيروت والمؤتمرات والندوات التي تحضرها؟
لا أحد يضيء عقلي مثلك، صدقني. ولا أحد قادر على إدهاشي مثلك. ونادراً ما أكمل مقالاً إلا مقالاتك. وهناك العديد من الأصدقاء المشتركين بيننا يشهدون كم أحكي عنك بافتخار واعجاب وتقدير، لدرجة أتمنى لو يكون هناك شارع في بيروت يحمل اسمك. لمَ لا!
أنت من المثقفين النادرين الذين لم يرتهنوا لأحد. كان ولاؤك للحقيقة وحدها. لم تبهرك الأضواء الزائفة ولا المغريات بكل أنواعها. وفي المرات القليلة التي كنت ألتقيك فيها في «السفير» وتصر أن تضيفني شيئاً، كنت أتفحصك كيف تقرأ باهتمام مواد عدة، وأتأمل الكتب المتناثرة على مكتبك وعلى الأرض. كان المشهد لوحة رائعة لمثقف يهدي حياته من أجل ثقافة حرة حقيقية.
أتخيلك تبتسم وتقول يا للمبالغة، وإنك لا تستحق كل ما كتبته، لكني أعرف أنك أيضا تعرف بذكائك أن للصدق رائحة، وأنني احتفظ بكل مقالاتك، وأغبطك، وأغار منك أحياناً، لأنك تتخطى كل الحواجز والخطوط الحمراء، ولأن ذهنك المضاء بقوة بنور الحقيقة يملي على قلمك كتابة ساحرة، كتابة لا يمكن تقليدها، لأنها نابعة من روح حرة.
شكراً لأنك موجود في هذا العالم ، وفي انتظار مقالاتك بلهفة…

(كاتبة سورية)
السفير الثقافي

عباس والوطواط في بيروت
منذر مصري
وكأن ما سأكتبه الآن هو ما كان يجب أن يكون آخر ما أكتبه عن عباس بيضون. أفعل هذا ربما لكوني هذه الأيام، خلافاً لما كنت أدعيه سابقاً، أختار الطرق الأسهل لفعل كل شيء، ولكن ربما أيضاً لكونه، بالنسبة لي، أكثر ما فكرت بكتابته خصوصية، فلا أظن الكثيرين، وربما لا أحد، جاءت مشاركته، في هذا الافتقاد العلني، المشترك، على شكل قصائد. قصائد ليست من وحي المناسبة، مع أني أستطيع أن أفعل، بل قصيدتان كتبتهما عنه منذ ما يزيد عن العشر سنوات، وتضمنتهما مجموعة (الشاي ليس بطيئاً/2004/)، في القسم الرابع منها، ذي العنوان الطويل: “عباس والوطواط في بيروت، وريلكه وأنا في المنام، وأسامة لوحده في اللاذقية”.
وقتها، حرصت على أن أقدم له “الشاي…” في بيته. ليس لأني كنت مقيماً عنده فحسب. فمنذ بداية معرفتي به، عندما جاء ليلتقيني عند رياض الريس /1997/ ومضى بي، مصرّاً على حمل حقيبتي الصغيرة، تاركاً لي حمل الكيسين الثقيلين من الكتب التي لممتها دون خجل من على رفوف الدار، إلى حيث كان يسكن ذلك الوقت في حي “مار إلياس”. ثم بعد أن انتقل إلى (العفيف)، مقابل بيت القاضي عضوم كما كان ينصحني ضاحكاً بأن أخبر سائقي سيارات الأجرة إذا اضطررت لأركب إحداها. صار بيته مقر إقامتي الطارئة في بيروت. ومن حينها علمت أن 75% من الكتب التي تقدم له في مكتبه في جريدة السفير تصير من نصيب أي صديق عابر أو زائر مجهول يمر بالمكان!. فالرجل لا يبخل بشيء، مهما يكن، فما بالك بالكتب المكدسة حوله؟ ولكن عليك، كما أيضاً علمت، أن تأخذها وتضعها تحت إبطك، أو تطلبها منه، لأنه ببساطة لا يفعل ذلك عن عمد، ولا نتيجة أنه ليس لديه الوقت لتصفحها، ولو بإلقاء نظرات سريعة وقراءة بعض صفحاته، بل لأن عباس أحد أولئك الذين يصعب عليهم قول “لا” لأحد. يصعب عليه قول “لا” ولكن سمعته يقولها مرات، يقولها عندما لا يكون هناك مجال لقول “نعم” كعادته، يقولها “لا” قوية وقاطعة، وفي وقتها ومحلها.. ولكن أبداً ليس مع زكي وبانة والسيرلانكية التي تعمل ـ تتلهى على الشرفة وتشاهد التلفاز وتنام – عندهم، قلت له : “عباس يجب أن تتخلص من هذه المرأة، إنها لا تصلح لشيء!”. أجابني: “لا أستطيع، المشكلة أنها لن تجد من يقبل بها للعمل عنده، ثم ألا تظن أنه يجب علينا معاملتهن بطريقة مختلفة!؟” وليس مع أصدقائه وزائريه، وليس مع الشعراء من أية طبقة!؟ (أليس هو صاحب عبارة: أخوة الشعراء)؟ أما إذا لاحظ أن كتاباً ما اختفى من أمام نظره كان قد وضعه لتوه هنا في هذا المكان، فواجب عباس أن يتظاهر بأنه لم ينتبه!؟ وواجبه أن لا يسألك ما إذا كنت وضعت الكتاب بالخطأ في الحقيبة البلاستيكية التي تحملها معك وقد امتلأت بالكتب من على مكاتب أحمد بزون وإسكندر حبش وعناية جابر!؟ أمّا سرقة، أو استعارة بدون استئذان، أو سمها ما شئت، عملية أخذ الكتب من خزانتيه في بيته، اللتين لا مكان فيهما للثياب بسبب الكتب المكدسة، بأقل درجة من الترتيب، فوق أرضيتيهما ورفوفهما، فتنحصر بالساهرين لليلة أو ليلتين، وكذلك الغربان الثقلاء مديدي الإقامة نسبياً من أمثالي. وبما أني سوري، ينقصني كل شيء، وجوعان لكل شيء، وعديم كل شيء، فقد كنت آخذ ما أمكنني حشوه في حقيبتي من كتب وسيديات وكاسيتات غير متوفرة بسوريا، أصورها وأنسخها في اللاذقية عدة نسخ لي ولأصدقائي، وأحرص على أن أعيدها له كلها. كلها ما عدا التي لديه منها أكثر من نسخة، دون الحاجة لإخباره أني فعلت!.. مرة سمعته يشكو أمامي فقدانه للكثير من كتبه. “أرجو أنك لا تقصدني بهذه الملاحظة” قلت له، فقال: ” لا لا.. أبداً، فأنت على الأقل تعيد بعضها!”. أما نظارة القراءة، أقسم إني أخذتها حاسباً إياها نظارتي، وعندما اتصلت به من اللاذقية، قلت له: “عباس أخذت شيئاً من عندك بالخطأ”. أجاب مباشرة: “أعرف.. نضارة القراية”. إذن كان يعلم كل شيء!؟
راح عباس يقلب صفحات “الشاي ليس بطيئاً”، بجدية زائدة لم أره عليها إلا في أحوال نادرة، فالأمر الآن يقع في صميم اختصاصه: (الشعر..). أولاً: أبدى إعجابه بالعنوان.. يهتم دائماً بالعناوين! أذكر تعليقه عندما صدرت مجموعتانا يوسف بزي “تحت المطرقة” وأنا “مزهرية على هيئة قبضة يد” عام 1997: “لماذا هذا العنف كله.. مطرقة وقبضة !؟” ولكن ما أن التقطت عيناه العنوان الذي فيه اسمه: “عباس والوطواط في بيروت، وريلكه وأنا في المنام، وأسامة لوحده في اللاذقية”، ثم قرأ القصيدتين (التفاتة قاسية من فوق الكتف) المكتوبة عنه والمهداة له بالاسم الكامل، وبعدها مباشرة (تبعاً لإحساس أعمى في الاتجاه) حتى همهم بشيء من البهجة والاستغراب: “هذا الكتاب عني!؟؟”.
[ القصيدة الأولى:
كتبت “التفاتة قاسية من فوق الكتف” قبل انشغالي بمجموعة: (منذر مصري وشركاه) التي هي بمثابة قراءة الشعر بالشعر، أو تجربة كتابة الشعر بكلمات وأحاسيس وأفكار الشعراء الآخرين! لكن “التفاتة” فيها الكثير من هذا، وكأنها تبشير به. فالسطر الأخير، من إحدى قصائد عباس، لا أذكر أية قصيدة ولا أية مجموعة، بتحوير بسيط. كما أنها تتضمن مقاطع من حوارات لم نتفق فيها على شيء سمحت بها لقاءاتنا المتقطعة، كقوله لي وهو يقرأ مجموعة شعرية لأحدهم: “لا شيء يبعث على الضجر أكثر من الشعر” وكذلك قوله لي مرة عن بيروت: “المدن بدائل ناقصة عن الأحلام”، ومقابل أقواله هذه هناك تعقيباتي عليها: “وخاصة الجيد منه” حيث أعتقد أننا توصلنا إلى قصيدة تخلو ما أمكن من الأخطاء خلوها ما أمكن من الإمتاع والإثارة. وكذلك تعريفي للشعر بأنه “توثيق دقيق للأكاذيب” وذلك لإيجاد حل ما بين الخيال والواقع، أو بين الادعاء والحقيقة. كما تتضمن انطباعي الأخطر عن عباس بيضون بأنه، خلف تلك الخفة التي يبدو عليها دائماً، والتبسط الذي يفاجأ به كل من يلتقيه للمرة الأولى، يخفي قلباً مفؤوداً تنخره الثقوب، وروحاً مثقلة لا يستطيع عباس حملها والعيش بها إلا بالتحايل عليها. ولا شيء كالشعر قادر على ذلك.
التفاتةٌ قاسيةٌ من فوق الكتف
( إلى عباس بيضون)
ربما أستطيع بعد لأيٍ
أن أنسل من عقدته خيطاً
أمرّره في عين مسلتي المقوسة
وأحيك به
ما يستحقه من مديح.

ذلك أن حيلتي
لا تتطلب أكثر
مما بقي لدي من إرادةٍ واهية
لأن أتخذ المنحدر الأجرد
صراطه المستقيم
الأقصر مسافةً والأقل إضاعةً للوقت
سبيلاً يصل بي إلى جحره
حيث يقتضي هبوطي
التمسك جيداً برؤوس الصخور
وأنا أدير باتجاهه ظهري
مصححاً بعد كل خطوةٍ أو خطوتين
بالتفاتةٍ قاسيةٍ من فوق الكتف
اعوجاجي.

وكعادته سيكون هناك غائباً
بحجةٍ جاهزةٍ وعذرٍ محكم
بأن يترك على التربيزة
قرب الصوفا الطويلة في الصالون
قدحاً ملأه بخلائه
علامةً على أنه كان مستلقياً هنا
بانتظارنا
وكتاباً مفتوحاً
قرأ منه عدداً من الصفحات
ثم قلبه على بطنه
لأنه: ” لا شيء يبعث
على الضجر أكثر من الشعر ” يقول هو
” وخاصةً الجيد منه ” أتابع أنا
حيث المدن
بدائل ناقصةٌ عن الأحلام
والقصائد
توثيقٌ دقيقٌ للأكاذيب.

يشدُّ الأبصار إلى يدٍ
ليخفي ما يفعله باليد الأخرى
مخرجاً من قبعته
ما كان قد سقط فيها
دون أن ينتبه له أحدٌ
من فتحة كمه

كل هذا وأعمال الحواة
بعرفه
لا تحتاج لمعذرة..
ـ14-8-1996
[القصيدة الثانية:
القصيدة الوحيدة، التي كتبتها في بيروت، وذلك خلال إحدى زيارتي في الصيف غالباً لبيت عباس وإقامتي لمدة تزيد عن الأسبوع عنده. ليقول لي في نهايتها، عندما أخبره أني سأسافر: “لا تسافر، ابق كام يوم، تعودنا عليك”. كتبتها، بالرغم من طولها نسبياً، ذات يوم وليلة!؟ كاليقطينة التي أنبتها الرب فوق رأس النبي يونان (يونس) لتمنع عنه سعير الشمس، ثم أرسل ريحاً ساخنة وأحرقها! مما أغصب يونان وجعله ينتف بيديه شعر رأسه ولحيته!؟ الأمر الذي أثار دهشة عباس لحد ما، وجعله يصدق أني أكتب الشعر هكذا، كل يوم قصيدة، فسألني في حواره معي: “تكتب بغزارة، يخيل أنك تكتب بقدر ما تعيش، هل هناك سباق بين شعرك وحياتك، ألا تجد أن للشعر حيزاً خاصاً يستحق التهيؤ والصمت؟”. والحقيقة أنها قصيدة تتبع طريقتي التقليدية في الكتابة، الطريقة التي أستطيع بها بسهولة الكتابة عن أي شيء، كما تلك القصائد الطويلة مثل “دفاعاً عن حق الإنسان في استخدام الممحاة” التي نشرت سنة /2008/ في “نوافذ” في “المستقبل” بعد كتابتها بعشرين سنة، و”لمن العالم” التي نشرتها بالتسلسل في أحد المواقع الأنترنت، مع عنوان إضافي: “أطول وأسوأ قصيدة في الشعر العربي الحديث” فأرسل لي وقتها إسكندر حبش رسالة يقول فيها: “صدقت يا منذر… إنها بالفعل أطول وأسوأ قصيدة قي الشعر العربي الحديث”. إلا أن القصيدة مثلها مثل كل قصائدي ومثل كل ما أكتب عنه، كما أفعل الآن، مصابة بالمرض ذاته، مرض نرسيس ، حيث أن كل ما تتكلم عنه، عباس الذي أوجه له شبه اعتذاري هذا مع ما يكفي ويزيد من الذرائع والمبررات، وبيروت المدينة التي “تأتي إليها بأفضل ثيابك/ ولست على موعدٍ مع أحد/ ثم لا تقدر على مغادرتها/ ولم يبق لديك ما تفعله” ليس سوى مرايا، صفحات ماء أنحني عليها، متشبثاً بفرع واطئ من شجرة، مقترباً من وجهي ما أمكنني، وأنظر لأرى من أنا. كما يعرف الجميع ويأخذونه علي. لكن القصيدة أيضاً تتطرق لعدد من النقط التي ما فتئ الشعراء والنقاد ومن لف لفهم يتناولونها ويختلفون حولها، كمسألة الشاعرية والسوقية “أنا الشاعر الذي يبدأ صباحه بكرع زجاجة مياه غازية”، الوضوح والغموض، والإكثار من التفاصيل والتلميح. فحين تنتهي جولتي الوطواطية متسكعاً في شوارع وكافتريات وبارات بيروت، وأعود لبيت عباس، وكان حينها في مار الياس، الساعة الثانية بعد منتصف الليل، صاعداً تلك المتاهة المظلمة لحلزون السلالم، أجرب المفتاح الذي تركه معي في العديد من الأبواب، حتى يفتح لي أحدها، فأجد عباس نائماً بكامل ثيابه، ما عدا الحذاء، على كنبة الصالون الطويلة مقابل التلفزيون، وكل أنوار البيت ساطعة، ورغم كل هذا الوضوح، أقف أنظر إليه متسائلاً ماذا يفعل!؟
تبعاً لإحساسٍ أعمى في الاتجاه
( شبه اعتذارٍ عن عدم قبولي دعوتك لقضاء السهرة، تلبيةً لنداء الواجب بالقيام كل ليلةٍ بجولتي الوطواطية)

ذائباً كالظلِّ في الظلِّ
أمضي فوق
منعطفاً دون تحديد
تبعاً لإحساسٍ أعمى في الاتجاه
إلى مكانٍ لا أعرفه
وأعود إلى مكانٍ لا أعرفه
وفي كل مرة
– يا للحسرة-
أصل.

وكأني كنت على موعدٍ مع المطر
كعادته ينتظر لحظة خروجي
وخبطة الباب ورائي
لينهمر.

لم أشعر بالإثارة بالقدر الذي تتوجبه
مؤخرة الممثلة المضيئة
حال دون ذلك
الذباب الذي كنت أسمع أزيزه
محوِّماً في العتمة على غير هدىً
ثم فجأةً يلطم وجهي
وكأنه يلتقط انعكاس
الأضواء في عينيّ.

تأتي إليها بأفضل ثيابك
ولست على موعدٍ مع أحد
ثم لا تقدر على مغادرتها
ولم يبق لديك ما تفعله
قلت لك :
” مع كل مدينةٍ تحتاج امرأةً
ومع كل امرأةٍ تحتاج مدينةً ”
وبرهاني هو :
” كما لا يمكنك أن تحبَّ
امرأتين في مدينةٍ واحدة
لا يمكنك أن تحبَّ
مدينتين في امرأةٍ واحدة”.

في المتاهة الدامسة لحلزون السلالم
لم أعرف في أي طابقٍ أنا
ولم يكن لدي ما يدلني على بابك
سوى المفتاح الذي تركته معي
فرحت أجرِّبه على أبواب جيرانك
في كلِّ طابقٍ ثلاثة أبواب
تصورْ أن يفتح
صدفةً
باب آخر غير بابك!.

لم أصدِّق أنني في بيتك
حتى رأيتك نائماً بكامل ثيابك
ما عدا الحذاء
– أذكر هذا التفصيل تأكيداً لولعي المبالغ به
بالدقة –
إذن… بعد منتصف الليل
بساعتين تقريباً
عدت ووجدتك نائماً
بكامل ثيابك ماعدا الحذاء
على الكنبة الطويلة في غرفة الاستقبال
فماذا تريد أشد وضوحاً من هذا!
خاصةً وأنك أضأت
مصابيح الشرفة والسقف والجدران
ولم تطفئ التلفاز
ورغم كل هذا الوضوح
وقفت طويلاً
أنظر إليك متسائلاً
ماذا تفعل؟

أعطيك عشر صفحاتٍ من شعري
تعطيني بالمقابل ثلاثين صفحةً من شعرك
تفعل هذا تهذباً
وبنظارتك المكسورة الساعد
تطوي الصفحة الأخيرة
وأنا بعد لم أنته من المقدمة
ومع أنك تقرأ صامتاً
تسعل مرتين أو ثلاث
كلما قلبت صفحةً.

الصحون لا تجد مطرحاً لها على المائدة
الكتب تغمس أطرافها
في بقايا الطعام.

لا نتفق على شيء
كلانا باق على عناده الأخرق
وليس أمامنا من خيار
أنت تأكل الكتب وأنا أقرأ الصحون
: ( يالها من سلطةٍ بطعمٍ شاعري ).

بين الرسامين يسمح لي أن أقف وأتكلم عن أي شيءٍ
باعتباري شاعراً
وبين الشعراء ليس لي إلا أن أجلس وأنصت
باعتباري رساماً
ولأنه من الصعب أن يكون لديك
في أحد أدراج مكتبك أو على سطحه
حيث تتكدّس دون أدنى تفرقة
كل أجناس القصائد
قلمٌ ذو قلبٍ من فحم
فإن أي قلمٍ بقلبٍ من رصاص
أو من دمٍ أسود أم أزرق
جاف
يكفي لأستعرض أمامك
مهارتي في الرسم.
/
ملامحك أشبه ما تكون بالعناوين
إلا أني سألون ما بين خطوطها العريضة
بالشاي الثقيل الباقي في القدح.
/
سوف تتذكرني أنا منذر مصري
الشاعر الذي يستيقظ في الصباح الباكر
ويبدأ نهاره بشرب
زجاجة مياهٍ غازية.

حشوت في حقيبتي
كل ما يلزمني من قمصانٍ وسراويل وأحذية
ولم أنس شيئاً لا أقدر على العيش بدونه
سوى المنشفة
وحين غسلت وجهي جففته بأسفل
الجزء الخلفي من قميصي
ثم حملقت في المرآة

رأيت فمي
ورأيت أنفي
ورأيت أذنَيّ
ولم أرَ عينَيّ
لكني لم أدهش
ولم أسأل نفسي
كيف أنظر بعينَيّ
وأرى بعينَيّ
ولا أرى عينَيّ

لأنه على الدوام
تضيع في وجهي عيناي
كلما حدث ومضيت
إلى
نهاية
قصيدة..
المستقبل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى