أبي حسنصفحات الناس

بمناسبة تجديد البيعة للرئيس الفيصل

null
أُبيّ حسن
أقرّ الحزب الشيوعي السوري(جناح يوسف الفيصل), في مؤتمره العاشر الذي عُقد عام 2006, أن تجتمع اللجنة المركزية للحزب كل عامين بغية تقييم أداء المكتب السياسي للحزب
فإما أن تجرى تعديلات على المكتب السياسي وإما أن يتم تجديد الولاء التلقائي له. وقد كان من ضمن نتائج التقييم الذي جرى منذ فترة قصيرة أن تم تجديد البيعة من قبل اللجنة المركزية للمكتب السياسي ولرئيس الحزب السيد يوسف الفيصل.
وإن يكن تجديد البيعة لا يقدّم ولا يؤخر, إذ أن الحركة الشيوعية تعاني من فوات تاريخي شأنها شأن سواها من حركات سياسية, سورية كانت أم عربية, موالية ومعارضة. وبالرغم من أن ذلك الفوات سبق أن عانى منه الشيوعيون(جناح الفيصل) مسبقاً, إلا أنهم مع ذلك لم يتعلموا الدرس, أعني عندما تأخروا قرابة الثلاثين عاماً كي يعلنوا انشقاقهم عن القائد الراحل خالد بكداش(تم الانشقاق النهائي لجناح الفيصل عن بكداش سنة 1986).
وذلك الفوات, لايوازيه شيء سوى رفض زعماء وأمراء القبائل والعشائر العربية والبدوية لقرار تقسيم فلسطين, ذلك القرار الذي يناشدون إسرائيل راهناً أن تقبل اعترافهم هم به! لكن هيهات!. ومعروف في حينه موقف الحزب الشيوعي من قرار تقسيم فلسطين, وهو موقف وإن كان من ناصره منهم حينذاك قد ناصره محاباة للسوفييت فقط, إلا أنه أثبت مدى صحته منذ قرابة الثلاثين عاماً في الحد الأدنى. علماً أن الاتحاد السوفييتي كان قد طلب من المندوبين العرب في ذلك الوقت التنسيق معه قبل إقرار قرار التقسيم من أجل صياغة مشروع متكامل يخدم قضاياهم, لكنهم رفضوا!. وهل من المعقول أن يضع “أولياء” ثقاة تقاة أطهار يخافون الله ويخشونه كأمراء الخليج ومملكة آل سعود يدهم بيد “نجسة” ملحدة كالاتحاد السوفييتي؟! أستغفر الله!.
كثيرة هي الحالات التي وصل فيها الشيوعيون, أو بعضهم ممن أراد المساهمة في صناعة الحياة, بعد فوات الأوان. فانشقاق معظمهم عن القيادة “التاريخية” للحزب والتي كانت ممثلة عملياً بخالد بكداش تأخر كثيراً. وكلامنا هذا لايعني الانتقاص من خالد بكداش ودوره في الحركة الأممية بشكل عام والشيوعية السورية بشكل خاص, فلاشك أن بكداش كان من القيادات التاريخية الاستثنائية التي عرفتها الحركة الشيوعية وإن كان يعيش, وهو يبني حزبه الشيوعي, في المأزق ذاته الذي يعيش فيه الإسلاميون الذين يقف منهم هو وحزبه على النقيض.
فمن الناحية الفكرية- السياسية, مرجعية بكداش هي الماركسية- اللينينية, ولايقبل معها أي تحريف أو تعديل وتطوير! وهو بهذا لايختلف إطلاقاً عن الإسلاميين الذين يعتقدون أن الله قال كل مالديه في القرآن! فبهذا بات يتوهم البعض منهم أن القرآن ينطوي على العلوم كلها من فيزياء وكيمياء ورياضيات وفلك وعلم اجتماع الخ.. ولاحاجة إلى إعمال العقل والتفكير بغية الارتقاء والتطور, إذ التطور نأخذه فقط من القرآن, وإن لم يكن منه, فالقرآن يدلنا على أماكن التطور ويحثنا على الأخذ به!. وهذا المطب الإسلامي هو ذاته المطب البكداشي الذي يؤمن أن ماركس ولينين قد قالا كل شيء وما على البشرية سوى استخلاص العلوم من زبدة آرائهما!.. نعم تأخر جناح يوسف الفيصل كثيراً, وكثيراً جداً.
ومع ذلك, لا أكون ظلمتُ الشيوعيين إذا قلت: إن الحزب الشيوعي السوري, وعبر مراحل تاريخه المختلفة, لم يكن يخلو من العقلية القبلية والعشائرية, وهذا ما كان يظهر جلياً عقب كل أزمة كان يعيشها الحزب. ففي كل أزمة سرعان ما كان الأكراد يقفون خلف بكداش(لدواع عرقية), قبالة ذلك كان العرب(من الشيوعيين) يشدون من أزر الفيصل ونعمة الخ… وهذه القبلية لم تكن حكراً على الحزب الشيوعي السوري, ولم يكن وجودها فيه عن سوء نية-كما نزعم- لدى أي من الأطراف المتخاصمة والمتصارعة داخله.
مرة أخرى, لم يكن من الخطأ أن يُجدد الأصدقاء المؤتمرون في الحزب المذكور البيعة لرئيسهم, وإن كانت صلاحياته راهناً ضمن حزبه كفاعلية الحزب ذاته في قيادة البلاد(بمعنى لاتقدّم ولا تؤخر), فمن المعروف أن السيد يوسف الفيصل قد بلغ من العمر عتيا (84 سنة فقط,عقبى المائة عام). ولم يُعرف عنه “ولعه” بارتياد المقاهي, كمقهى “الروضة” كما يفعل سواه من السياسيين والمناضلين القدامي الذين قد يجدون بين رواد المقهى من لديه متسع من الوقت بغية الإنصات إلى “بطولاتهم” السابقة, وانجازاتهم كذلك, تلك “الانجازات” التي كان من شأنها أن أنجبت “جيل الهزيمة” الذي عناه الدكتور الراحل بشير العظمة في كتابه الذي يحمل العنوان نفسه.
فضلاً عن أن “نجم” الشيوعيين السوريين مايزال يتمتع بصحة جيدة, وهو شديد الهمة والنشاط, فقد كان يتحمّل أعباء السفر إلى أقاصي منطقة الجزيرة السورية, وهو في الثمانين من العمر, ليحلّ خلافاً قد يقع بين الرفاق هناك, أو ليحاضر في موضوع حزبي! وهذا لعمري مايعجز عنه الكثير من شباب اليوم!. وشخص بمثل هذه الهمّة وذلك النشاط من المعيب الطلب منه أن يمضي ماتبقى له في هذه الحياة في “دار السعادة” الخاصة بمسني الطبقة المخملية في مزة أتوستراد, على سبيل المثال!.
من جانب آخر, لن يشطح بنا الخيال فنطلب من السيد الفيصل وحزبه أن يقودا مظاهرة ضد حكومة السيد ناجي العطري وسياساتها الاقتصادية “الإصلاحية”, أو أن يطلب من وزراء حزبه تقديم استقالتهم من تلك الحكومة, فمطلب كهذا ربما يحتاج إلى مخيلة خصبة كمخيلة الشاعر “الألمعي” ذائع الصيت السيد مصطفى طلاس, ونحن مع الآسف لانملكها.
لكن, والحق يقال, أن من أهم أفضال السيد الفيصل, على المهتمين والمتابعين, وتحديداً الشيوعيين, هي كتابته لمذكراته التي أتت تحت عنوان “ذكريات ومواقف”, والتي يلمس القارئ الجهد الواضح في الإعداد لها, ناهيك عما تنطوي عليه من أحداث لابد للمتابعين من معرفتها. وقد يكون أهم ماتفضّل به الفيصل للقرّاء, في مذكراته تلك, هي توثيقه لرسالة سالم, تلك الرسالة الفضيحة والعار التي تبين كيف كان يتم تدمير الإنسان في الحزب الشيوعي من خلال إذلاله لذاته بذاته عن قناعة ورضا!. وهنا لايسعنا سوى أن نشكر الله كون الأقدار لم تسعف الحزب المذكور في الوصول إلى السلطة في خمسينيات القرن الماضي.
بالعودة إلى رسالة “سالم” التي طلب خالد بكداش من قائد شيوعي كبير ونبيل كفرج الله الحلو كتابتها, سنكتشف من خلالها أن مؤسس عبادة الفرد في سوريا ليس وزير الإعلام الأسبق الراحل أحمد اسكندر الذي كنا نظن(وبعض الظن إثم) إن اختراع عبادة الفرد ماركة مسجلة باسمه! فمع الأسف شرف السبق في ابتكارها يعود للمغفور له خالد بكداش الذي على مايبدو لم يكن يكفيه أن جفف ذاكرة حزبه قبل استلامه هو لأمانته العامة عام 1937. حتى صحيفة “صوت الشعب” التي ماتزال تصدرها زوجته أم عمار ماتزال تحمل في ترويستها أن مؤسسها هو خالد بكداش, علماً أن من أسسها هو القيادي الشيوعي اللبناني الراحل نقولا اسكندر الشاوي!. وكأنه لم يكن يكفي القائد الخالد خالد بكداش(كما تحب أم عمار أن تطلق عليه من خلال أجهزة إعلامها, شكراً لله أنها أجهزة فقيرة وليست كإعلام الرئيس رفيق الحريري) أن يطرد من “جنة” حزبه كل من كان يخالفه الرأي أو كل من يتوسم فيه الكفاءة خوفاً من مزاحمته على المنصب(وقد كان فعلاً من المغري حينها أن يكون أحدهم قائداً شيوعياً) كما حصل لرشاد عيسى. وفي هذا الإطار ربما أتت رسالة سالم, كما نرجّح.
لقد كان كل ما يرجوه الخالد بكداش من رفاقه في الحزب هي أن يمهلوه بضع سنوات, من بعدها ليأتوا وليحلّوا مكانه, بفعل أحداث الطبيعة طبعاً!, فكما يقول: “إن التطور في الطبيعة سيلعب دوره. فلان موجود الآن, وبعد عدة سنوات, سيلاقي حتفه أو يتقاعد. والتطور الطبيعي سيدفع فلاناً أو فلاناً إلى احتلال هذا المنصب أو ذاك”(الصفحة 117, من كتاب “خالد بكداش يتحدث” للزميل عماد نداف).
أنقل هنا مقتطفات من رسالة سالم, وسالم كان هو الاسم الحركي للقائد فرج الله الحلو الشهيد على طغيان وجرائم جمال عبد الناصر في سوريا في عهد الوحدة(المعروف أن مخابرات عبد الناصر أذابت فرج الله بالأسيد بغية إخفاء معالم الجثة), وهي رسالة يًُعتقد أنها كُتبت بإشراف خالد بكداش عام 1952: “لقد نظرت إلى حزبنا والى شعبنا, تجاه القوى الاستعمارية المتألبة على بلادنا, نظرة منفصلة عن الوضع العالمي, نظرة برجوازية قومية, نظرة, في الأصح, أضيق أفقاً أيضاً, نظرة كوسموبوليتية. ولم أؤمن إيماناً تاماً أن شعبنا وبلادنا, كما كان يقول الرفيق خالد بكداش, قطاع من الجبهة العالمية الجبارة المناضلة ضد الاستعمار والحرب, وفي طليعتها الاتحاد السوفييتي… وضعفت ثقتي بإمكان تغلب الحزب على النواقص التي كان يعانيها.. وحين بدأ الحزب بمحاربة هذه النواقص والعيوب بمبادرة الرفيق خالد بكداش وتحت قيادته, ظللت غير مؤمن بجدوى ذلك, رغم إعلان موافقتي. فكنتُ من جهة غير مدرك لخطر العناصر الانتهازية في الحزب, ومن جهة ثانية غير مؤمن بإمكان التغلب عليها. ولذلك لم أشاطر في تنفيذ المهمات والتدابير المتخذة لتصفية تلك العيوب والنواقص في الحزب, بل كنت, على الضد من ذلك, متجهاً في كل سلوكي إلى “حماية” هذه العناصر, والتهوين من شرها, وعرقلة محاربتها. وهكذا عملياً كنت أخدع الحزب والقيادة, وأعمل على تصفية المنظمات. وقد أوشكت فعلاً بعض المنظمات على التصفية “بفضل” خطتي… لقد كانت هناك أشياء تمنع وصول الانتقاد إلى أعماق قلبي, حتى سميت انتقادات الرفيق خالد بكداش مرة “وعظاً”.. والحقيقة أن غرقي في حمأة الانتهازية جعلني فكرياً وسياسياً أقرب إلى الانتهازيين مما إلى خطة الحزب الثورية, وكنت لا أرى فرقاً بيني وبينهم, ولذلك لم أجد القدرة على محاربتهم”.
في الحالات كافة يمكن للمهتم أن يجد الرسالة/العار كاملة في الصفحات 153 وما تلاها من كتاب “ذكريات ومواقف” ليوسف الفيصل.
إن المتأمل في مانقلناه من تلك الرسالة, يرى بوضوح كيف كانت تتم عملية عبادة الفرد, بطريقة ممنهجة وعلى أعلى المستويات التي لم توفر أحداً أياً كان مركزه وموقعه الحزبي وتاريخه النضالي. وهي عبادة أين منها ماشهدناه من عبادات للفرد في الأحزاب اليسارية الأخرى؟ وإني لأستغرب كيف يغيب عن بال مفكر كالدكتور طيب تيزيني أو الدكتور أحمد برقاوي أو سواهما ممن يعملون في الجهاز التربوي والتعليمي أن يدخلوا مثل هذه الرسالة إلى كليات التربية وعلم النفس في جامعاتنا!.
وحسب علمي أنه باستثناء ما كتبه القيادي الشيوعي الراحل دانيال نعمة عن فرج الله (الذي استشهد بتاريخ 25 حزيران 1959)أن أحداً من الشيوعيين السوريين لم يتطرق إليه(مؤخراً فعل الفيصل في مذكراته), فقد سبق لنعمة أن كتب في جريدة”نضال الشعب” العدد 530 تاريخ 25 آب 1996, مقالا بعنوان “معذرة أبا فياض لقد قصّرنا بحقك وحق حزبنا كثيراً”, وعنوان المقال يشي بمضمونه.
ربما لانوافق ماذهبت إليه الآنسة ندى فرج الله الحلو عندما نشرت مقالة ذات يوم من تموز 1996 في جريدة “النهار” اللبنانية, اتهمت فيها بصراحة خالد بكداش بأنه كان وراء إرسال والدها إلى دمشق, وبالتالي هو المسؤول الأول والأخير عما حدث له, وعن مأساته ومأساة عائلته المروعة. ولعلنا نرجّح ماقاله بكداش أكثر من مرة بأنه أراد حماية فرج الله من خلال رؤيته بعدم ذهابه إلى دمشق في تلك الفترة الناصرية المقيتة. لكن ذلك كله لايبرر لخالد بكداش ذلك النهج الذي كرّسه في حزبه, وهو نهج عبادة الفرد. ونخشى أن تكون تلك العبادة سمة تحافظ العائلة البكداشية على توريثها, إذ ها هي أم عمار(وصال فرحة بكداش) همها الوحيد الآن هو كيفية انعقاد مؤتمر بقايا حزبها الذي ورثته عن زوجها, وكيفية وصول ابنها إلى منصب الأمانة العامة ومن ثم إلى مقعده “المرتقب” والمرتجى بعون الله (والشعب الغفور والصبور) في قيادة الجبهة الوطنية التقدمية.. ويخطر في بالي أن أسأل إن كان لديها من الحزبيين ما يكفي لعقد مؤتمر؟.
( كلنا شركاء ) 18/6/2008

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى