صفحات الشعر

ثيسار باييخو: الجسد الخفيف، الخفيف جداً

null
(البيرو 1882 – باريس 1938)

عنف الساعات
مات الجميع.
ماتت دونيا أنطونيا، بصوتها الأجش، من كانت تصنع خبزا رخيصا
في البلدة.
مات القس سانتياغو، من كانت تمتعه تحية الشبان والبنات له، مجيبا الجميع، من دون تمييز:
“صباح الخير خوسيه، صباح الخير ماريّا!”.
ماتت تلك الشابة الشقراء، كارلوتا، تاركة وراءها طفلاً له شهور، مات كذلك، بعد ثمانية أيام من موت أمه.
ماتت عمتي ألبينا، من اعتادت على التغني بأيام المزرعة وعاداتها، بينما كانت تحوك في الممرات من أجل إيسيدورا، الخادمة المحترفة والمرأة البالغة الاستقامة.
مات عجوز أعور، لا أذكر اسمه، لكنه كان يغفو تحت شمس الصباح، جالسا أمام باب السمكري على الناصية.
مات رايو، الكلب الذي كان في طولي، بطلقة رصاص لا أحد يعرف من أطلقها.
مات لوكاس، صهري في سلام الخصور، من أتذكره حينما تمطر وليس ثمة أحد في تجربتي.
ماتت أمي بمسدسي، أختي بقبضة يدي وأخي في أحشائي النازفة، الثلاثة مشدودون الى نوع حزين من الحزن، في شهر آب من سنوات متعاقبة.
مات الموسيقي مينديث، الطويل والثمل تماما، من كان يعزف على الكلارينيت أنغاماً سوداوية، على ألحانه كانت تنام دجاحات حيّنا، قبل أن تغيب الشمس بكثير.
ماتت أبديتي وأنا ساهر على جثمانها.
•••
سوف أتحدث عن الأمل

أنا لا أعاني هذا الألم مثل ثيسار باييخو. أنا لا أتألم الآن كفنان، ولا كإنسان، ولا حتى ككائن حي. أنا لا أعاني هذا الألم ككاثوليكي ولا كمحمدي ولا كملحد. اليوم أعاني فقط. إذا لم تنادني باسم ثيسار باييخو فسوف أعاني أيضا الألم نفسه. لو لم أكن إنسانا أو حتى كائنا حيا، فسوف أعانيه أيضا. إذا لم أكن كاثوليكيا ولا ملحدا ولا محمديا فسوف أعانيه كذلك. اليوم أعاني فقط.
أتألم الآن بلا تفسير. إن ألمي من العمق بحيث أنه لا سبب له كما أنه لا يخلو من الأسباب. أي سبب يا ترى؟ أين هو ذلك الأمر البالغ الأهمية والذي لم يعد سببا له؟ لا شيء سبب له ولا شيء تمكن من ألا يعدّ سببا له. لماذا ولد هذا الألم، أمن أجل نفسه؟ إن ألمي من ريح الشمال ومن ريح الجنوب، كذلك البيض المحايد الذي تضعه بعض الطيور الغريبة في الريح. لو ماتت حبيبتي فإن ألمي سيكون نفسه. لو قطعوا رقبتي من جذورها فإن ألمي سيكون نفسه. لو أن الحياة كانت، في نهاية الأمر، بخلاف ذلك، فإن ألمي سيكون نفسه. اليوم أعاني من الأعلى. اليوم أعاني فقط.
أرى ألم الجائع وأفكر أن جوعه يمضي بعيدا من معاناتي، وأن غريسة من العشب، على الأقل، ستطلع دوما من مقبرتي، ببقائي صائما حتى الموت. العاشق الشيء نفسه. يا لدمه الولاّد، بالمقارنة مع دمي دون مورد أو استهلاك!
كنت أظن حتى هذه اللحظة أن كل أشياء العالم كانت، في الضرورة، آباء وأبناء. لكنني هنا وألمي في هذا اليوم ليس أباً أو ابناً. ينقصه ظَهر كي يغرب بقدر ما يفيض عنه صدر كي يشرق، ولو وضعوه في المسافة المظلمة لما أنار، ولو وضعوه في المسافة المنيرة لما ألقى ظلاًّ. اليوم أعاني، حدث ما حدث. اليوم أعاني فقط.
•••
لم يعد أحد يعيش…

لم يعد أحد يعيش في البيت– تقولين لي-؛ رحل الجميع. تستلقي فارغة الصالة وغرفة النوم والفِناء. لم يبق أحد، فالجميع رحلوا.
وأنا أقول لك: عندما يذهب واحد، يبقى آخر. النقطة التي عبر منها إنسان، لم تعد وحيدة.
فقط يبقى وحيدا، وحدة إنسانية، المكان الذي لم يعبر منه أحد. البيوت الجديدة أكثر موتا من القديمة، لأن جدرانها من حجارة أو من حديد صلب، لكنها ليست من بشر. يولد البيت في العالم ليس عند الانتهاء من تشييده، بل عندما يبدأون بالعيش فيه. البيت يعتاش فقط على البشر، كالمقبرة. فقط يتغذى البيت على حياة البشر بينما المقبرة تتغذى على موتهم. لذا فإن البيت يكون قائما بينما المقبرة تكون منبسطة.
رحل الجميع عن المنزل، في الواقع، لكن الجميع بقوا حقيقة. وليست ذكراهم هي ما تبقى بل هم أنفسهم. وليس كذلك أنهم بقوا في البيت بل إنهم يظلّون عبر البيت. الوظائف والأعمال ترحل عن البيت في قطار أو طائرة أو على ظهر حصان، على الأقدام أو زحفاً. ما يظل في البيت هو العضو، الشخص في صيغة الفاعل والدائرة. مضت الخطوات والقبلات والغفران والجرائم. ما يظل في البيت القدم والشفاه والعيون والقلب. تشتّت المفاوضات والتأكيدات، الخير والشر. ما يظل في البيت هو فاعل الحدث.
•••
في اللحظة التي يطلق فيها لاعب التنس

في اللحظة التي يطلق فيها لاعب التنس كرته ببراعة
فإن براءة حيوانية تماما تتلبسه؛
في اللحظة التي يفاجئ فيها الفيلسوف حقيقة جديدة
يكون وحشا كاملا.
يؤكد أناتول فرانس أن الشعور الديني
هو وظيفة عضو خاص في الجسم البشري
مجهول حتى الأن، ويمكن القول أيضا،
في اللحظة المحددة التي يعمل فيها هذا العضو إذاً بشكل كامل
فإن المؤمن يكون متحررا تماما من الشر،
بل يمكن القول إنه نبات تقريبا.
آه أيتها الروح! آه أيها الفكر! آه يا ماركس! آه يا فيورباخ!

•••
أنا أضحك

حصاة واحدة، واحدة فقط، الأدنى من الجميع
تتحكم في كامل الكثيب الرملي المشؤوم والفرعوني.

الهواء يكتسب توترا من الذكرى والرغبة،
ويصمت تحت الشمس
حتى المطالبة بعنق الأهرامات.

عطش. كأبة مائية لقبيلة شريدة
قطرة
قطرة
من القرن إلى الدقيقة.

إنها ثلاثة ثلاثات متوازية
ملتحية بلحية سحيقة
في حركة 3 3 3

إنه الوقت هذا إعلان لمحل أحذية كبير
إنه الوقت، يمشي حافيا
من الموت إلى الموت.

ترجمة أحمد يماني
النهار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى