صفحات سوريةغسان المفلح

سورية بين التمثيل الديني والتمثيل السياسي

null
غسان المفلح
‘أين الخطأ في وجود مجلس للطائفة العلويّة؟’ هذا عنوان مقال لأبي حسن كاتب سوري شاب، نشر في موقع سوري معروف ـ كلنا شركاء ـ يطالب فيه وزير الأوقاف السوري، بإحداث أو الموافقة على قيام مجلس ملي للطائفة العلوية الكريمة في سورية.
هذا المقال جاءت عليه ردود متنوعة، منها ما نشر ومنها ما تم تداوله من دون أن ينشر، هذه الردود أجمعت على أن هذا المطلب، محض هجوم على الوحدة الوطنية السورية من جهة، وافتراء على العلمانية من جهة أخرى.
بعد قراءتي لهذه المقالات، التي تعتبر من المحرمات في سورية، نشرت مقالا بعنوان’ الحرية بين الديني والسياسي’ في جريدة ‘القدس العربي’ 14.10.2010 وفي هذا السياق، أيضا فتحت التجربة التركية واستفتاؤها على تعديلات دستورية، باب الحوار حول الديني والسياسي، وحول العلمانية والإسلام، في ظل هذه الأجواء من الحوارات المثمر منها وغير المثمر، عدنا إلى ما قامت به النظم السياسية في المنطقة من خلط وتزوير لكل شيء، بما فيها المفاهيم والتاريخ اليومي للبشر المحكومين في النهاية بثلاثية القمع والفساد والتمييز السياسي والديني والاثني والطائفي، والابتعاد عن أي آليات حكم ذات طابع مؤسسي ودولتي وقانوني، باختصار يمكننا القول’ اننا لازلنا نرى أن شخصا واحدا يقرر مصير بلد’ وهذا سر العداء المستحكم بين الشخصنة والمأسسة، والذي لا يمكن حله، لأنه لا يوجد شخص يتخلى عن امتيازاته بسهولة، فما بالنا إذا كانت هذه الامتيازات غير قانونية، ولا توجد قوة قانونية تجعله يتخلى عنها، وبنفس الوقت هو عداء يتلون بألوان شتى، تتيحها المقتضيات السياسية اليومية المتحركة في منطقة متسرطنة بالتواطؤ على مصالح شعوبها نفطيا وإسرائيليا وجيوسياسيا، بما لا تشبهها منطقة أخرى من العالم المعاصر، وبالتأكيد لن يستفيد من هذه المقتضيات غير الأطراف الأقوى في هذه المنطقة.
إن الردود التي أتت من مثقفين سوريين، تتراوح بين الاحتجاج وبين عدم الرد واللامبالاة لأسباب عديدة منها القمع ومنها اسم الكاتب وأسباب أخرى عديدة، ولكنني أزعم أنها أول محاولة من كاتب سوري، لطرق ملف، يعتبر من أهم الملفات الإشكالية في سورية، ومدخله عليه كان مختلفا عن مداخل الآخرين وهو
‘ملف التطييف والطائفية السياسية’ن من زاوية مغفلة في ملف التمثيل السياسي للمجتمع في سورية المدفون تحت طبقات من المصادرة السياسية والأمنية، والتي تخفي سياقا تطييفيا، وتمييزيا على المستوى السياسي والمستويات الأخرى الدينية وغير الدينية. في سورية كل الطوائف لها تمثيل ديني ماعدا الطائفة العلوية، والطائفة الأكثر عددا، وهم السنة هنا، لأنه لا يوجد في التعاليم الإسلامية السنية مثل هذا ـ الكهنوت ـ التمثيل الديني، أما الطوائف المسيحية كلها لها تمثيل ديني، يقف على رأس مؤسسته بطرك، يهتم بشؤون رعاياه الدينية والاجتماعية أحيانا، وكذا الحال بالنسبة للطائفة الإسلامية ـ الاسماعيلية لها مجلس يمثلها فيه السيد الآغا خان في سورية وله اهتمامات تتعدى حتى شؤون الطائفة الاسماعيلية، وكذلك الحال بالنسبة للطائفة الدرزية تقريبا.. فلماذا لا يكون للطائفة العلوية تمثيل ديني؟ هذه التمثيلات الدينية، أو التي تستند إلى تعاليم دينية، أو اجتهادات دينية، لرعاية شؤون الطائفة وأفرادها من الزاوية الدينية، توفير أماكن عبادة، نشر التعاليم الدينية للطائفة بين أفرادها، أي توفير القاعدة المادية لاستمرار الطائفة دينيا، وهذا حق يجب أن يكون متاحا للجميع لا تجادل فيه شرائع ولا مواثيق حقوق الإنسان. والرابط الذي يشد الناس هنا هو رابط ديني بالدرجة الأولى، وهو يشمل الجميع بدون استثناء، أما الحديث عن تحويل هذا الرابط ذي التمثيل الديني والطائفي إلى تمثيل سياسي، هنا تبدأ النكبة الحقيقية، لأن التمثيل السياسي هو حالة من حالات المدنية العابرة للطوائف، اما التمثيل الديني والطائفي فهو يعتمد على مشترك واحد هو الدين أو الطائفة، بينما التمثيل السياسي أيضا يعتمد على مشتركات أكثر وأوسع من الدين والطائفة.. ربما كان موضوع التمثيل السياسي من تلك المفاهيم التي نسمعها كثيرا من دون أن نستشف معناها الحقيقي. إذ لا توجد حكومة في بلد ما إلا وتدّعي بأنها ‘تمثل’ بلدها ومجتمعها، لكن هناك تمثيلا بالقوة كما تفعل النظم الديكتاتورية، في فرض نفسها عبر جهازها الأمني كممثلة سياسية لمجموع الأمة من دون أية تمايزات سياسية، يقابله التمثيل بالانتخاب والحرية في هذا الانتخاب السياسي. الحكومات التي قد تقول: إنها تمثل إرادة قوم، أو طبقة، أو قبيلة، أو الحزب، أو العادات والتقاليد، أو المصالح المشتركة، أو إرادة الأمّة، او الدين إلخ.* وجميع هؤلاء يحاولون إثبات ذلك بقولهم إنّ لديهم توكيلا واضحا من أولئك الذين يمثلونهم، والممثلون السياسيون من المفترض أنهم يعكسون أفكار ووجهات نظر ومصالح أنصارهم ومن يمثلونهم، ويقصد منه التمثيل السياسي المدني؛ أيّ التحدّث باسم المجموعة / الجماعة / الدائرة التي انتخبت الفرد (أو الحزب). بمعنى أنّ الشخص المنتخب حصل على ثقة الناخبين الذين يعطونه الصلاحية لممارسة العمل السياسي في القضايا اليومية والحياتية. التمثيل السياسي هو الذي ينوب عن جملة من التقاطعات المصلحية لأبناء البلد الواحد، بغض النظر عن دينهم وجنسهم وطائفتهم واثنياتهم، كأن نتحدث مثلا عن مصلحة أبناء حي واحد في بناء تجمع مدارس، وسكان هذا الحي من مختلف الأديان والطوائف، كأن تقول حي مساكن برزة في دمشق، يجب ان ينتخبوا فردا أو حزبا أو منظمة مدنية تحقق لهم هذه المصلحة المشتركة العابرة للطوائف والأديان، التمثيل السياسي هو الذي يشار فيه إلى أحزاب وتجمعات سياسية ومدنية عابرة للطوائف والأديان.. أما التمثيل الديني فهو الذي يشار إليه بمؤسسات الكهنوت الديني، إن مفهوم الأمة ـ الدولة يستغرق التمثيلات الدينية والطائفية، كما يستغرق التمثيلات السياسية والحقوق إنسانية ومدنية، من أحزاب ومنظمات وتجمعات مناسباتية، الخ.
في سورية، وبحكم تاريخية النظام والطائفة العلوية فإن النظام ولأسباب تتعلق بمجيئه إلى السلطة، وتتعلق بأن تاريخ الطائفة لم يكن معنيا كثيرا بتكوين مؤسسة دينية، فإن النظام تولى عمليا وشفهيا هذه المهمة، ولهذا الدعوة إلى قيام مجلس ملي للطائفة العلوية، هو عبارة عن فك ارتباط بين السلطة السياسية وشؤون الطائفة الدينية، وهذا أمر مطلوب في راهن سورية، لعدة اعتبارات:
– أولها حقوقيا من حق أي طائفة أن تكون لها مؤسسة تمثل شؤونها الدينية.
– ثانيها الخروج من دائرة العرف والشفاهة إلى دائرة المكتوب والمقونن.
– ثالثها فك الارتباط في وعي العامة في سورية، بين ما تمثله السلطة سياسيا من قوة إكراه على الجميع، وبين التمثيل الديني للطائفة، وعدم بقاء هذا الربط الإشكالي، الذي من شأن استمراره أن يخلط الأوراق بين مصالح النخب السياسية في السلطة وبين مصالح الطائفة دينيا واجتماعيا.
– حاجتنا في سورية إلى مأسسة الحالة الدينية، بعيدا عما تفرضه نخب السلطة اللاديمقراطية. وهذا من شأنه أن يكرس الفصل بين التمثيل الديني والتمثيل السياسي. فإذا كان الدين عاملا مشتركا بين أبناء الطائفة فإن المصالح السياسية ليست واحدة لجميع أبناء الطائفة، وهذه من سنن الحياة والتطور والتعدد. فإذا كان التمثيل السياسي، يمكن أن يتم بالإكراه في النظم التسلطية، فإن التمثيل الديني لن يكون كذلك، لأنه يجب أن يأخذ بعين الاعتبار المكانة الدينية للأشخاص القائمين على المؤسسة التمثيلية.
ثمة مفارقة أيضا في هذا السياق، عن الطائفة السنية** كممثلة للإسلام الذي يحتاج إلى إصلاح بنظر كثير من مثقفينا العلمانيين، ليس لها تمثيل ديني واحد، وهذا تقليد منذ نهاية العصر الراشدي تقريبا، حيث لم يعد الخليفة مرجعا دينيا، أليست المأسسة التمثيلية هي أحد مقتضيات هذا الإصلاح الديني؟ أليس هذا التمثيل الديني في حال قيامه يساهم بفصل الدين عن الدولة؟ لهذا لا يعتبر المفتي ودار إفتائه الذي تعينه السلطة السياسية بالقوة في غالبية الدول العربية ممثلا دينيا للسنة، إنه ممثل للسلطة السياسية. إننا بحاجة لقيام مؤسسات تمثيلية على المستوى الديني بعيدا عن تدخل السلطة السياسية، وهذا من شأنه ألا يسمح لأحد بالتنطع بأن ما يمثله أي تنظيم سياسي إسلاموي هو تفويض ديني، وهذا يتيح التمييز بين مأسسة التمثيل الديني عامة ومرجعياته النصية، وبين تعدد التمثيل السياسي العابر للدين والطائفة ومرجعياته الحياة بتنوعها وتنوع مصالح البشر وطموحاتهم فيها، ربما نحتاج إلى أن نفرد مقالا خاصا لهذه القضية، لأن ما طرحته هنا مجرد أفكار بحاجة إلى نقاش.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى