قضية فلسطين

«الإرهابيون الجدد»!

محمود المبارك
تحت عنوان «لو كنت فلسطينياً» كتب يوسي ساريد في صحيفة «هآرتس» يوم الجمعة الماضي، مقالاً تمنيت لو قرأه كل زعيم عربي.
بدأ عضو «الكنيست» السابق ورئيس حزب «ميرتس» الأسبق، مقاله بوصف حوار دار بينه وبين طلبته حول الهجوم الإسرائيلي على غزة، حيث طرح عليهم السؤال التالي: ماذا ستفعل لو كنت فلسطينياً؟ إلا أن مفاجأة ساريد كانت غير متوقعة حين أجابه شاب بقوله «لو كنت فلسطينياً لقاتلت اليهود حتى الإبادة، وبكل الوسائل، وكل من يقول لك خلاف ذلك فهو يكذب عليك»!
ولكن الكاتب أضاف مفاجأة أخرى، حين عقّب على ذلك بقوله: «لقد ذكّرني جوابه هذا بكلام كنت قد سمعته قبل عشر سنوات من ايهود باراك، وزير دفاعنا، والذي كان مرشحاً لمنصب رئيس الوزراء آنذاك، حين سأله جدعون ليفي: ماذا ستصنع لو كنت فلسطينياً؟ فأجابه باراك بقوله «بصدق! كنت سأنضم إلى منظمة إرهابية»!

ولعلّ قول باراك، «بصدق!» يستحق التأمّل قليلاً. إذ أن ذلك يقتضي أنه لو كانت الحكومات العربية «صادقة» مع شعوبها وفي تعاملها مع الوضع في غزة، لانضمت إلى كفة «حماس» على افتراض أنها منظمة «إرهابية» بالمنطق الإسرائيلي! ومن هنا يمكن استنتاج أن باراك قد خلص إلى أن الحكومات العربية ليست صادقة مع نفسها أو شعوبها!
منطق باراك هذا، يتّفق مع عقلية الشارع العربي في أن الحكومات العربية ليست «صادقة» في تعاملها معه أو مع القضية الفلسطينية! ولعل ذلك هو السّمة البارزة في التظاهرات التي عمَّت العواصم العربية والغربية على حد سواء، حيث كانت صيحات المتظاهرين الغاضبة تندد بمواقف بعض الحكومات العربية، أكثر من تنديدها بالعدوان الإسرائيلي.
فعلى الصعيد القانوني، ترى الشعوب العربية «تواطؤاً» مع إسرائيل، اذا لم تتحرك الحكومات على الصعيد القضائي الدولي، وهي قادرة على ذلك! ذلك أن ما ترتكبه إسرائيل من «جرائم حرب» في غزة، والتي شملت قصف المدارس والجامعات ودور العبادة ومنازل المدنيين، يعدّ «جريمة حرب» بموجب اتفاقية جنيف الرابعة 1949، الخاصة بحماية المدنيين وقت النزاعات المسلحة. كما أن استهداف الوسائل الإعلامية في غزة المحمية بموجب المادة (79) من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف 1949، يعدّ «جريمة حرب» أخرى، يجب ألا يفلت منها مجرمو الحرب الإسرائيليون. هذه الجرائم توجب المحاكمة والعقوبة بموجب المادة (8) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
ولكن موقف الدول العربية الذي اكتفى باللجوء إلى مجلس الأمن، ورفض بدء إجراءات رفع دعوى ضد إسرائيل في المحكمة الجنائية الدولية، علماً بأن ثلاث دول عربية هي أعضاء في المحكمة، لا يعين على غير الفهم الذي انتهى إليه الشارع العربي. ومن المعلوم بداهةً، أنه لو كانت تهمة «جرائم الحرب» هذه موجّهة ضد دولة عربية، كيف يكون الردّ الغربي ومعه ردود عدد من الحكومات العربية!
الشعوب العربية لم تعد جاهلة بما يدور حولها اليوم، لأنها تعيش في «عصر المعلومة المشاعة». حيث في العصر الذي دخلت فيه الفضائيات كل بيت عربي، لم تعد الحكومات قادرة، كما كانت في الماضي، على إخفاء المعلومات أو تزويرها أمام شعوبها.
ومن هذا الباب، لم تعد الحجج باستمرار إغلاق معبر رفح تلقى قبولاً شعبياً داخل مصر أو خارجها. ولعل هذا يجيب على سبب استهداف القيادة المصرية. فـ «حماس» ومعها الشعوب العربية لم تطالب مصر بمساعدة عسكرية، مع أن ذلك لا يتعارض مع الحق القانوني الدولي في «الدفاع عن النفس» كون الأراضي الفلسطينية تقع تحت «الاحتلال»، وتماشياً مع المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، التي تعطي الشعوب الحق في الدفاع عن نفسها حين تعرضّها لعدوان مسلح. ولكن منع وصول حتى المساعدات الإنسانية أمر مريب!
إذ الشيء المنطقي أنه في حال حدوث كارثة طبيعية أو إنسانية فإن أهل أي بلاد متضررة ينزحون إلى أقرب جار لهم، وهذا ما حدث في أفغانستان حين نزح أكثر من مليون لاجئ إلى باكستان بعد بدء القصف الأميركي عام 2001، وهو ما حدث أيضاً في العراق حين نزح قرابة مليوني عراقي إلى الأردن وسورية بعد الغزو الأميركي – البريطاني عام 2003.
ولكن الأمر مختلف في غزة، فشعب غزة لا يريد النزوح إلى مصر، بل يريد البقاء في أرضه، على رغم استمرار العدوان الإسرائيلي جواً وبراً وبحراً! ولكنه في حاجة ماسة إلى المساعدات الإنسانية. فمنع دخول هذه المساعدات إلى غزة يعد «جريمة ضد الإنسانية»، فضلاً عن كونه يتنافى مع المبادئ والأخلاق الإنسانية. ولنا أن نتذكر أنه بعد أن ضربت عاصفة «كاترينا» الجزء الشرقي من الولايات المتحدة، خريف عام 2005، هبّت دول العالم جميعاً لمساعدتها بما في ذلك بلدان عربية، من باب المجاملات والأخلاق الدولية، على رغم كون ذلك مأساة طبيعية وليست من صنع البشر وأن الولايات المتحدة ليست بحاجة إلى المساعدات المادية.
ان الملايين من الشعوب العربية الذين يتابعون المجازر الإسرائيلية ضد الأطفال والنساء والشيوخ على الهواء مباشرة، يتهيأون لخلق جيل جديد من «الإرهابيين»، الذين يريدون «إبادة اليهود بكل الوسائل»، كما كان سيفعل الشاب الإسرائيلي! اذ مع انطلاق كل صاروخ اسرائيلي وسقوط كل شظية واطلاق كل رصاصة على غزة يولد «ارهابي» جديد في العالم العربي!
ولكن الأمر الذي لم تحسب أي إدارة أميركية حسابه هو احتمال عدم نجاح الجهود الأميركية في كبح جماح الجيل «الإرهابي» الجديد، لأن صور الأشلاء الممزقة والأرواح التي تزهق أمام عين العالم وبصره، ربما أخرجت جيلاً جديداً يتصاغر أمامه جيل الزرقاوي وابن لادن والظواهري وغيرهم! وإذا ما حدث ذلك، فإن نقمة هؤلاء «الإرهابيين الجدد» لن تقتصر على إسرائيل أو الولايات المتحدة!
* حقوقي دولي
الحياة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى