الرئيسية » صفحات مختارة » العلمانية وإشكالياتها في العالم الإسلامي

العلمانية وإشكالياتها في العالم الإسلامي

محمد سيد رصاص
كانت التجربة العلمانية الأولى، في بلد مسلم، بقيادة مصطفى كمال (تمت تسميته بـ:أتاتورك لاحقاً) قام بإلغاء الخلافة الإسلامية في عام 1924، ثم كان شروعه في تطبيق العلمانية مترابطاً مع استئصاله للمظاهر والرموز الإسلامية وما يرتبط بها. هذا أدى إلى وضع شبيه بالتجربة العلمانية الفرنسية، التي اكتمل انتصارها في عام 1905على المؤسسة الدينية الكنسية بعد مسار بدأ مع ثورة 1789، لما أخذت العلمانية منحى صدامياً مع الدين (وليس فقط مع المؤسسة الدينية) منذ “عصر أنوار” فولتير وديدرو وغيرهم، الذين زرعوا بذور الثورة الفرنسية، وذلك بسبب تحالف الكنيسة الكاثوليكية الفرنسية مع النظام الملكي لآل بوربون الذي أطاح به مسار ثورة 1789.
كان مسار العلمانية هكذا في البلدان الإسلامية، سواء عبر تجربة الحكام مثل أسرة آل بهلوي في ايران (1925-1979) الذين اصطدموا مع المؤسسة الدينية الشيعية ذات المراتبية والتمأسس بشكل شبيه بالكاثوليك (وهو أمر غير موجود عند السنَة)، أو عبر الحركات السياسية التي هي خارج السلطة (أو المثقفين) التي تبنَت العلمانية، والتي أخذت عندهم جميعاً منحاً صدامياً مع الدين، وسعوا ليس فقط لفصله عن الدولة، وإنما أيضاً عن السياسة.
قاد هذا المسار، خلال ما يقارب تسعة عقود من الزمن، إلى تموضع العلمانية في موقع معاد للمتدينين، وللإسلاميين، من الناحيتين الثقافية والسياسية، فيما نظر إليها هؤلاء ليس فقط كذلك وإنما اعتبروها أيضاً معادية للدين: لم يحاول أحد في العالم الإسلامي، حتى الآن ومنذ زمن أتاتورك، حرف العلمانية عن هذا المسار بإتجاه العلمانية الأخرى التي وجدت في انكترا وألمانيا (وحتى وجدت في بلدان كاثوليكية مثل ايطاليا واسبانيا والبرتغال) لما بدأت العلمانية بوصفها حركة مدنيين(أفراد مدنيون من أتباع الكنيسة) ضد سلطة المؤسسة الكنسية (clergy) في المجالات السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية كما حصل من قبل من تَبِعَ مارتن لوثر في مرحلة ما بعد عام 1517 وتأسيس البروتستانتية أو من قبل الملك الإنكليزي هنري الثامن في 1534 لما فصل كنيسة انكلترا عن روما وأسس الكنيسة الأنجليكانية وقام بتأميم ممتلكات الكنيسة والأديرة، وهو ما أدى لفتح مجال جعل هناك امكانية لنشوء حركات سياسية أو أيديولوجية تستمد مصادرها عند أفراد متدينين من منابع دينية كما حصل عند البيوريتان الإنكليز الذين قادوا ثورة البرلمان ضد سلطة الملك المطلقة (1642-1649) ونجحوا بعد ذلك في تثبيت الملكية الدستورية مع ثورة 1688، ثم شكَل الخلفية لنشوء الأحزاب الديمقراطية المسيحية، التي لا تهدف إلى فرض حكم ديني، وإنما يشكِل حاملها الاجتماعي أفراد متدينون، بروتستانت وكاثوليك، يستمدون رؤيتهم الأيديولوجية السياسية من فكر (التومائية الجديدة) في القرن العشرين والتي كانت تنقيحاً حديثاً لأفكار توما الإكويني (1225-1274).
كان استعصاء العلمانية، بالعالم الإسلامي، نابعاً من ذلك، وقد تجسد أولاً في فشلها في أن تحقق أي اختراق أو نفوذ اجتماعي قوي أو متوسط القوة خارج تركيا وايران حتى الربع الأخير من القرن العشرين، ثم ثانياً في سقوط آل بهلوي على يد ثورة قادها رجال المؤسسة الدينية الشيعية بعام1979، وصولاً إلى مسار تركي، بدأ في العقد الأخير من القرن العشرين مع أرباكان وتوبع من قبل أردوغان خلال عقد أول القرن الجديد، من الواضح فيه حصول تآكل تدريجي قوي لمواقع الأتاتوركية في الجسم الاجتماعي التركي لصالح متدينين، وإسلاميين، يريدون نزع القميص الأتاتوركي، ثقافياً واجتماعياً، عن بلاد الأناضول، ويرون حقهم في أن يستمدوا رؤيتهم الأيديولوجية السياسية، كأفراد مدنيين في أحزاب وحركات، من منابع إسلامية، تماماً مثل وضعية أنجيلا ميركل وحزبها (الإتحاد الديمقراطي المسيحي)، المنتشر بروتستانتياً وكاثوليكياً، وحليفها (الإتحاد المسيحي الاجتماعي) في ولاية بافاريا الكاثوليكية الجنوبية.
هذا الإستعصاء جعل الكثير من الأحزاب الليبرالية العربية، تاريخياً، مثل “الوفد” المصري و”الشعب”السوري، لا تطرح العلمانية، وهو ما ينطبق على الأحزاب القومية العربية مثل”البعث”، وأيضاً هذا هو ما منع الأحزاب الشيوعية العربية من تبني العلمانية بصراحة في برامجها المكتوبة. وبالتالي فقد كانت العلمانية مقتصرة عند العرب على أفراد منعزلين، غالباً مثقفين كانت العلمانية عندهم حالة فكرية- ثقافية، أكثر منها حراك سياسي كما في تركيا عند علمانيي”حزب الشعب الجمهوري”، وعندما تبنى حزب موجود في بلاد عربية العلمانية، مثل “الحزب القومي السوري الاجتماعي”، فإنه لا يمكن عزل هذا عن تركيبة عضويته وحامله الاجتماعي التي كانت غالباً من الأقليات الدينية، وبالذات الأرثوذوكس، هذا الشيء الأخير الذي لم يقد فقط إلى العلمانية، التي تعني نزعاً للهوية الثقافية – التشريعية الآتية تاريخياً للبلد من عند الأكثرية الدينية تماماً مثلما تكون مطالبة الأقليات القومية بـ”وطنية جديدة” تعني تغييباً للهوية القومية الخاصة بالأكثرية، وإنما أيضاً إلى تبني رؤية أيديولوجية كانت تقول بأن هوية منطقة” سوريا الكبرى” هي” ليست عربية إسلامية” وإنما هي سابقة لظهور الإسلام.
هل سيكون مصير العلمانية مثيلاً لمصير كل التيارات، مثل الليبرالة والماركسية، التي واجهت الطريق المسدود في العالم الإسلامي لأنها اصطدمت بالثقافة المحلية ولم تستطع حتى الآن تبيئة بناها المعرفية مع الهوية الثقافية، كما حصل مثلاً في الوطن العربي، فيما نجحت الحركات التي استمدت مخزونها المعرفي- الثقافي من الإسلام (حركات الإسلام السياسي) أو كيّفَت أيديولوجيتها الحديثة مع الإسلام (حزب البعث، عبر محاضرة ميشيل عفلق بعام1942: “في ذكرى الرسول العربي”)؟…
المستقبل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.