صفحات ثقافيةعلي جازو

ضــد نــزار قبانــي: شــاعر الجميــع، شــاعر الــلا أحــد

null
علي جازو
خُصَّتْ هذه المقالة بأحكام نألفها حدّ إهمالها. لنقبلْ أن شعر نزار قباني دخل كل بيت. شاعر الجميع، بنعْتٍ لمحمود درويش «الدبلوماسي الأنيق»، دخل بيت الجميع. التلفزيون فعل مثله. إذا كان أثر التلفزيون واهماً ومزيفاً فإن آثار قباني لا تقل خيبة. «أبي فوق الشجرة» وأفلام عادل إمام ومسرحيات دريد لحام، لم تترك غير الخمول والتسطّح. ما زال طلبتنا وأساتذة جامعاتنا في مدار النظرة ذاتها واجترار الانتكاسات الفكرية، على اعتبارها نصراً أدبياً وذخراً عاطفياً وجرأة محبوبة. كرّس التلفزيون شعارات الحب ليعطله، ولم يجعله تاجاً من طين الداخل المشغول وجوعه الدفين وطموحه المسلوب وشكواه المريرة وعرفانه اليائس. كرّسَ غرائزَ القطيع وهيّأ شعوباً بكاملها في انتظار البث ولعنات نشرات الإخبار الكاذبة. لم يبدل قباني أي شيء سوى نقل الكسل من الكتمان إلى الصراخ ومطّ اللغة وتنميقها وتسويفها وإطنابها. السيدات والسادة، مراهقون ومراهقات، باركوا الضعف وتلقوا ثياب الغواية المهلهلة؛ فغدا عصْرُهُم، على حداثته المنخورة، مثالاً ونموذجاً، عزّزتْهُ وموَّنتهُ «فحولةُ» نزار قباني بأكثر من خمسين كتاباً ليست سوى كتاب يتيم. ما فعلته سلطات الثورات الشمولية، سلكه من الطرف النقيض شاعر المرأة والحرية والسياسة. كلاهما غذى الجماهيريةَ بالصراخ، والحشودَ بالأملِ المريض، ملقِّماً جوعَ الغريزة من سطحيتها المخملية وموائها الرخو.
ضوء الشاعر
كلماتُ قباني هرّأت عواطفَه، لكثرة عروضها، فلم تبقِ فيها غير رفات باردة. في الجوهر لا فرق بين تعميمات قباني الخطابية ووطنيات الثورات المدمرة. لم يترك قباني مسافة بينه وبين شعره، مثلما لم يتخلّ عن جماهيريته لصالح شاعريته. صوت الحشود أقوى وأفعَلُ وأطلَبُ، الحشود التي لم تبق على كلمة، وهو المثالُ والقيمةُ. توحّدَ الشاعرُ مع الجمهور فلم نر من الأول سوى التكرار ومن الثاني سوى التصفيق كانعكاس بلا وجه. المباركة المزدوجة خلّفت الجمود المتسامح والمجاملات الفظة. الجمهور اللامتمرد المتهاون خلق الشاعر المتمرّد المتهاون؟ لكن الجمهور نفسه لم ينهل من التمرد سوى اسمه ومن اللغة سوى خوائها. بخلوُّهِ من المسافة، خلا من النقض والتجديد والمساءلة والبعد. خاط الرجل رداء جديداً وأنشأ على النموذج ذاته شعرَهُ كلَّه. خطا خطوة واحدة فحسب وأعادها مراراً في اللحم نفسه على الوتيرة نفسها. لا يعاني شعر نزار قباني من أي خدش أو التواء أو تخارج أو تصعيد أو تصارع. التصق الشاعر باسمه المحبوب والتحم شعره بمواضيعه الرتيبة. لم ينفك أحدهما عن الآخر. صُوَرُ نزار قباني لا تكافح ولا تعرق ولا تتباعد ولا تتمازج. أي أنها تنزل هكذا بلا غورٍ ولا حدٍّ ولا تصدّع. صورٌ تولد بلا عمرٍ فتشيخ ولا انقطاعٍ فتشذّ ولا اغتراب فتنأى. الصور لا تفكر، واللغة – كمدونة للصور- لا ترى وتحفر قدر ما تتلقى وتتنفخ، ولا تقول غير ما تخاطب. الشعر مناسبة لعرض ما يجعله دليلاً ووثيقة وبياناً. الشعر وثيقة اجتماعية، بيان خطابي، واعتراض على السياسة. لكن التوثيق والبيان والاعتراض لا تبني قصيدة، بل ربما لا يبقى من صوت الشاعر سوى ما يجعله شبيه المراقب الاجتماعي، والمتظاهر الآني، والسياسي الغاضب. لحظة الغضب هي ذاتها لحظة النسيان، والشعر ليس سوى تذكر عصي بطيء ومرهق لما ينسى بسرعة. كأن الغضب والنفور هما وعاءان لكلام آخر، لكنهما جاءا على هيئة الشعر الذي يضيق بالبيان والاعتراض. من قادر سوانا على توظيف الشعر على هذا النحو من الإكراه والإباحة.
القديم وحده
لم يسائل قباني شعره، بعد نشره، ولم يزرْهُ ولا رازَهُ ولا راجعه أو نقبه أو ناقضه، بل أضاف ما أثقله وشابهه ووازاه فغدت قراءة الجديد محرومة من زمنها وصار القديم صفة على لا زمن. مثل هذه السمات في الكتابة تجعلنا نراه فوق الشعر وفوق الكلمة، جماداً عن التحول وصمّاً عن النداء وصدّاً عن العشق نفسه كهاويةٍ لا كخلاصٍ طيّعٍ أو لوعة متضخمة. إنه يلتقطها ويسخّرها ويستهلكها، كأداة وظيفةٍ وإجراءٍ سهل، من دون أن يحضنها ويشمها ويخلخلها ويحوّلها. ربما يكون شعره من مدار الرمز عن الشعر، تهاوناً في رجم الشعر بكلام من متن الدراية الواثقة والنفخ الساخن الاستعراضي والاستجمام العاطفي؛ من حال المقولة والنصيحة والتحريض. لا يصدر شعر قباني من بئر كما أنه لم يأت من صحراء. لكن شعراً بلا أرض وبلا سقف لا يوقظ الحيرة قدر ما يجلب النفور. بهذه العودة إلى نزار قباني، الذي يبدو أنه لم يكتب قصائده بالتزامن مع التفكير فيها، نشير إلى الخلل الكبير في رضانا عن الشاعر ونسياننا الشعرَ في الاسم والذوقَ في الشهرة والحذرَ في التسرع والرصانةَ في المجاملات. مثل هذا الأمر إذا تحقق يلغي كل انفعال ذهني هو عماد الشعر الأول. تجربة قباني أقرب إلى الخطابة المتمدنة المتعالية منها إلى خشونة الشعر الصعبة المتفحصة الدقيقة المحرجة، أقرب إلى التلقين السارد والإرشاد المتخم، أين منه إرشاد الناصريين والبعثيين، منها إلى التفاعل الملتهب والتأثر المقلق السخيّ، إلى اليقين البكّاء منها إلى الشكوك النضرة الواخزة. يصلح شعر نزار قباني أنموذجاً مدرسياً، ونحن نعرف ما خلفته النماذج. لا صمتَ في الداخل المحبوس ولا تستر ولا رهافة حياء محرّضٍ حالمٍ، بل سيلانُ أقوال محتشدة يكاد بعضها يلجم الآخر ويفصله ويلغيه.لا يخرج شعر قباني عن الكتمان ولا عن الشكّ ولا عن الخوف ولا عن القلق ولا عن الصمت، إنما يعلنها كلّها ويعرضها على زخارف محمولة بشمولية قولية ورشاقة لفظية. إن توجه قباني في الشعر ومساره لم يكن جمالياً قط. بل نشئ ودرّب وتوغّلَ في صيغة إعلائية تصريحية فجة على غزل ميكانيكي أسهب وربا من الشرح والتفسير، من وهج ضرورات لفظية حارة عديمة البعد الجمالي والتقعر النفسي والتساؤل الفكري. شعر إذا ما قيس بعمود الحديث العادي لم يكن سوى صدى مضبوط لكلام بلا رأس وبلا ذنب. يبدو شعر قباني مأخوذاً من فم التفكير الشفاهي والعمل اللفظي المرجومين باللغة النظيفة والتعبير الحسي التصريحي بالكلام الشائع، وعلى هذا التحديد المقيد القاصر لا نرى من اللغة، كحدّ أعلى ومتقد للفكر، سوى قشرتها، ومن الكلام سوى وضوحه الراكد. كتب نزار قباني كما تنتظر وتتوقع منه ثقافته أن يكتب، شعراً مسنوداً بالشفوية المتدفقة والنّفَس المتحرك على تلوّنات ثاوية وزخارفَ من سقط المتاع وأسهله، بروحيةٍ سطّحَتْ جرأتَها وأنهكتها بالخطابة وسواها من مترادفات ثقافة الحشود ومتع الجمهور..اللامطمئنة قطّ. إن قصائد قباني قد نقشَتْ، ببساطتها السليطة و(صَحْوِها البليد)، وسخونتها العاطفية اللوّامة، عفويّتَها المتكلفة الثقيلة وخواءَها الساكن الثرثار، على أحجار تخييلية – غدت سندَ واقع فكري ولغوي رائجٍ ومؤيَّدٍ، إعلاناتِ حبٍّ آيديولوجيّ وشعاراتٍ – أطرَتْ أحلام العبيد المتلهفين لامتلاك أنياب السادة – شعاراتٍ صاغَتْ عتهَها من سخافة أحلامها وتأجيج خدَر طلابها الخاملين . لقد أدمن قباني حجَرَ قلبه الطريّ واستساغَ خفةَ حمْلِهِ المنعشة. «شعرٌ» من عموم البرهان والإثبات؛ آنَ يعوزُ البرهانُ شكوكَ البديهة الغامضة ويتسلّخُ الإثباتُ عن معاناة الوساوس.كلامٌ من جوْفِ كلامٍ مجوَّف، والصوتُ – بلا عبءٍ بلا جناحٍ – يتقدّمُ من لا مكانٍ إلى لا مكان! يتلاشى «سحر» نزار قباني من قراءة ثانية، يتلاشى وراء انعطابه الذاتي وعوزه التخيلي ورخاوته الناتئة. بقي أنه في طريق ينبغي تركه إلى سواه.
الخطيب
يظهر من شعر قباني أنه غير مقصود وممتلك في ذاته، غير منغرس ولا ممتلئ بها، وهو لا يتحقق ولا يثار إلا قدر ما يتمادى ويتسع خارجه. إنه بهذه السمات غير الملاحظة قبلاً يشابه مأثرة الخطيب الاستعلائية؛ الخطيب الذي لا يعطي شيئاً من الذي يظل على الدوام يعد به. ثمة تكلف في إلهاء المخيلة بإغواء سافر سطحي عوض الإيجاز والتقليل، يفشل في تعزيز أفكاره بالحياة الفعلية الخاصة المتوارية خلف استعراض الغواية. نقرأ طرفة بن العبد، ويا لبعد المسافة من شعر لم يعترف بأي مسافة بين الأنفاس والكلمات، فيرتَجُّ خيالنا على لساننا، فيما خيال قباني بلا لحمٍ ولا عصبٍ، بلا كتلة ولا ظلال. نزار قباني، يا له من اسم كبير، خطيبٌ وعد بالكثير، شاعر لم ينجز إلا القليل. تسوّلت اللغة فتات الحلم ونفاية الطموح. ينبغي ألا نفرق بين الفكر الماكث خلف الكلمات ونبرة وصيغ الكلمات نفسها. الكلماتُ وقد غدت صوتاً عاماً وأغنية قاحلة، خطاب انفعال سطحي وشعار آمال مخزية. خمول ذهن الشاعر أثمر المخملية الفظة والإشارة القاصرة وسيولة الرؤية المزخرفة. الادعاء الشمولي، بسبب سهولته، تعانق مع علوّ النبرة الفجّ وهمسها الوادع وتمردها المحصور. ثقافة الخواء أمينةُ ثقافة الادعاء الإنشائية. كلاهما يقوي الآخر ويغذيه من متن الشارع ولغو الشارع وكوابيس الشارع. من دون أن يلاحظ ذلك، تحكّمت العامية الشعبية، مثل الطب العربي والأمثال التالفة، فكراً منهَكاً ومعتمداً عليه، بوحاً خاملاً من قبيل عزاء مزيف، تحكمتْ ومسارَ معظم الشعر العربي الحديث والمعاصر بحيث أننا لا نرى من الوزن والإيقاع سوى حجاب صوتي مهترئ وتلقائية إيقاعية مملة. المملُّ والمهترئُ صانعان خفيان لحياتنا الثقافية والشعرية. التلقائية من دون حزم وضبط وحبس، أي من دون دقة وصبر وصرامة وعناء، شغلتنا وألبستنا رداءها الذي لا يصلح لغير المحتضرين، فبتنا فيه، خارجنا بالتأكيد، طافين نافقين على سطح الكلمات، مثلما هو فكرنا الشعري والجمالي ـ دمية حياتنا، ما تزال محبوسة مختنقة في ظاهر بائس. لقد جعل نزار قباني، بشكل متعمد فيه الكثير من الدونجاونية الفظة، المرأة موضوعاً لقصائده! لكن القصائد تفكر، وشاعرها لم يعرف من الفكر سوى الموضوع التلقيني الواضح واليقينيّ: العري مقيتاً، والرغبة سوقية. بدل أن ينحو الشعر نحو جماله الأنثوي المنفعل المنفرد، تسابق إلى الأقرب والأعمّ المجرَّد!
إلغاء الفردية
لقد امتهن قباني فكرة المرأة في الشعر وأفسد ثراءها التخيلي، أولاً بإلغاء كل فردية محتملة محجوبة، وثانياً باستهلاكها كحاجة إغرائية دائمة الطلب. وضَّحها، فسّرَها، أنهكها! لكنْ؛ أنى للشعر أن يكتب بوضوح كهذا عن أي شيء؟!! لم يتكلم قباني عن فرد بذاته أبداً. حتى رثاؤه لزوجته بلقيس تواضع وتواطأ مع اللغة نفسها التي لم يفارقها ولا ميزها عن امرأة أخرى. لم يبتكر قباني أي جديد من شعور فردي نحو المرأة؛ بل (اخترع) نموذجاً شائعاً موافقاً لأهوائه الجمعية المطلقة، لخياله الفقير المتوسل الذي لم يجد غير (سيدتي) (ابنة السلطان) (غاليتي). بهذا الوضوح قشَّر عن المرأة غموضها، وسحرها، نزع الهالة التي تمنح أوهاماً ثمينة، وضَّحها لأنه لم ير منها غير الجسد الواضح والتلقي الواهي والغريزة المتسلطة والحرمان المنتن!! سيكون من اللائق ثناؤه على كاتبة من طراز (أحلام مستغانمي)! سيكون من المناسب وضع كتبه ورصفها جنب (روايات عبير)؛ لأنها تروج بالطريقة نفسها وتقرأ بالطريقة نفسها وتؤثر وتمتحن وتثرثر بالطريقة نفسها. المرأة: العشيقة المولَّهة، المحظية المخطئة المنقَذَة، الحبيبة المتمردة، الزوجة المخلصة الساحرة..!! لكن كل تلك التصانيف لم تقتلع عنها نمطيتها السائدة. استجاب نزار قباني لانحطاط الذوق العام، فكراً وحياة، فأنشأ على العادة الفوتوغرافية، لغة شعرية مضادة مكونة من سهولة الرفض المستمر المجتر، والتحريض المناوئ الخاوي، والتناول العبثي المنتشي بكونه الأجرأ والأجمل والأجلَّ؛ تجاوزَ لغْواً علاقةَ الشعر بالقطيع الآسن، ولم يقطعها من سرَّتها ولا عضَّ يدَ وحشيتها!! لكنَّ الشعر ليس محظوظاً بحمولته التثويرية التنويرية ولا ببنيانه الخطابي المتحمّس!! هكذا، لحسن الحظ، انفقأت الفقاعة سريعاً ولم يبق منها سوى رماد الفكرة وبؤس الخيال. لعل نزار قباني كان مهموماً بتأثير الشعر في العوام بدلاً من معناه المتجوهر حول ذاته. هكذا توهم قدرة الشعر على التغيير الاجتماعي ـ في داخله غير المحصن باغتراب فكري ـ فحوّلها من صمتها القاسي إلى كمالها المباح جاهزاً مراهقاً مغدوراً كما ألفت بالطريقة نفسها أغنيات أبي فوق الشجرة؛ ما يفرقها عن قارئة الفنجان أو رسالة من تحت الماء؟ أي أنه تجاوز ـ استسهالاً- صعوبة إدراك خطورة عمل الشاعر إلى جعل القصيدة ذات صواتية عامة وتأثير جماهيري من دون اختبارها مسبقاً على شكّ الشاعر في نفسه أولاً!! ثمة من كتب يوماً: (إن أولئك الذين يؤلفون الموسيقى لأجل إمتاع الآخرين، ويفكرون في جمهور المستمعين، ليسوا فنانين حقيقيين.). لأنهم يقبلون راضخين بترويج سلعتهم الاسمية بدلاً من التحصّن الممتنع والاغتراب في السمو الشعري لقصائدهم. إن فكر نزار قباني يهتم بالغاية لا بالأسلوب المفضي إليها ضمناً، إنه مغمور بهباء النتيجة، التي لم تعد له منذ أن أهمل كل عمل جدير بجدارة الشاعر تجاه قصيدته. وما الشاعر من دون صوت، من دون صوت بادٍ ومنحوت. ما يصم شعر قباني في الجوهر هو عدم التمايز. من يقرأه يرى فيه صوته لا صوت الشاعر. أي أن شعراً كهذا يعيد على المرء ما يعرفه مسبقاً.
حبس الشعر
لقد حبس قباني الشعر في موضوع واحد. ربما تحسب هذه الحبسة في صالحه. هذا جزء كريه من عناد (العاشق)! الارتهان إلى اللغة نفسها والمطلب نفسه هرّأ اللغة وأتلف الغاية. لأن المواضيع تعرض، حسبما يصف نيتشه شأناً آخر شبيهاً، كأنها موهوبة الواحدية والديمومة. كأن لا شيء يتحول في الداخل ولا الخارج. أليست الواحدية والديمومة المتحجرتان، الثباتُ الأخرق والعنف المحبوس، اسماً آخر لبلد الشاعر نفسه؟ إن ما عظمناه من شأن الرجل هو نفسه ما لبث مهترئاً في شعره. الادعاء، على تربة منخورة، مثله مثل الخواء ابن الكسل وابن اللاسؤال. شبحٌ مزدوج من الإثارة والتجويف اللاهثين، عاميّ، شارعيٌ؛ لذلك يكتسب الرواج السريع مثلما تجنيها البضاعة الرديئة. لم يفلح قباني طوال خمسين سنة في طرق كلام جديد ولا ابتكر أسلوباً مغايراً. ظلت البنية الشكلية تقوده إلى المعاني نفسها، ظلت على حالها من الرضوخ العسير والتقيد الغريزي؛ فتهافت التعبير أكثر فأكثر إلى وضوح غرير وغضاضة فجة. كل هذا حصاد مألوف ومتوقع لفظاظة المهذار وسذاجة الشاعر العمومي!! هل من أحد مسبقاً تأمل البنية النحوية والصيغ اللغوية لكلمات نزار قباني؟؟ ناقد ومترجم رصين يبرر نجومية قباني بأناقته اللفظية وسلاسة أسلوبه المتدفق وقدراته المتنوعة في إكساء التعابير ألواناً زاهية وتطويع الإيقاع مرناً ليناً بموازاة وضوح القصد وبساطة الفكرة. لكننا لا نرى في كل ذلك قيمة وأثراً لافتين. إنها لغة عقيمة بلا طبقات بلا غضون بلا وجه، بلا زمن بلا تصادم ولا امتزاج ولا حنين!.؛ ذلك أنها ذات أحادية صوتية نافرة، ولا يبدو قط أن كلاماً آخر يعبر بين كلماته،لا ظلّ للغير ولا هيئة أخرى تشي بقلق الغناء أو صحبة قراءة الغير. إن أثر قصائد نزار قباني متكومٌ ومتراكمٌ ومتباكٍ ومتكابرٌ حول لسانه فقط؛ المنكمش عن التلفت إلى مذاق سواه، والعاجز عن رفقة غيره ناهيك عن التأثر به. لم يرغب نزار قباني تذوق العالم بأكثر من لسان. أتراه لم يكن سوى الأكثر عجزاً فينا، الأكثر خوفاً وتوارياً وقلقاً!!؟ أي صوت هذا الذي لا يتقطع ولا يتأخر ولا يتبدد ولا يصمت! من كان يتكلم في فم نزار قباني، لمن كان قباني يكتب ويصرخ!؟ أي بقية في شعر لم يعرف الصمت ولا عانى التردد ولا حمل الحيرة ولا تعتّلَ إرجاء الكلام عن الكلام، ولا انقطعت أنفاسه ولا ثقبت الليالي نبرته الشاكية !! لا نجد أي سبب في كون نزار قباني شاعر الجميع، إلا إذا كان بالطريقة نفسها التي كان يخطفها ملهم الأمة وقائد الثورة! (شاعر الجميع)، نكرر، لم يكن سوى (شاعر اللا أحد). جميع نزار قباني لا شيء الجميع. لم يدخل في وعي نزار قباني وعيٌ غيريٌ، لا في التعبير ولا في الذهنية المحتجبة خلف التعبير. لذا تكلم قباني على الدوام كمن يثرثر مع شلة من أصدقاء المقهى أو كمن ينصح، مراهقات سخيفات وعوانس هلعات، بتنميقات متكلفة أكثر من كونها قصائد حذرة، بأحكام رديئة أكثر من كونها مرارات تألق شعري، باحتجاجات لوثاء أبعد ما تكون عن الاستبطان أو التبصر أو حدّة ذهن الحالم الكئيب. شعر لم يتصادم مع نفسه قط، لا يسير في اتجاه آخر أبداً. صوت نزار قباني؟ أكان له صوت أصلاً! ألم يتسنَ له ساعة تأمل تصور أرسطو: (الشعر فنٌّ يحكمنا بكونه صورة أولاً، وبكونه – في الوقت نفسه – شديد الجدية وشديد النزوع الفلسفي).
(كاتب سوري)

السفير الثقافي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى