صفحات من مدونات سورية

اشكالية الشبكات الاجتماعية…

هناك , في اللامكان حيث يتسع مفهوم الافتراضي ليطغى على المصطلح بحد ذاته, حيث تغدو جميع التعريفات  والتوصيفات أنية ومؤقتة بحكم التغير السريع في المواقف والآراء والجبهات والتحالفات, هناك يضطجع مخلوق هلامي , اخطبوطي, شفاف.. لم أجد وصفا يمكن أن يعطيه شيئا من حقه سوى وصف “الثقب الاسود” في عالم الشبكة العنكبوتية. ثقب أسود يبتلع كل ما حوله وكل من يقترب منه او حتى يفكر بالاقتراب …يبتلعنا نحن مرتاديه, يبتلعنا  بأفكارنا وأحلامنا , بأسمائنا وهوياتنا المستعارة ,بأصدقائنا و كل ذكرياتنا…
هذه الثقوب السوداء منتشرة على الشبكة العنكبوتية بكثرة وان تفاوتت في حجومها  وجاذبيتها   ولكن ثقبا واحدا طغى و تجبر واستأثر بحصة الاسد  فابتلع ماحوله من ثقوب  وجعلها في احسن الاحوال تدور في فلكه تلهث في سبيل التقاط بعضا من الزبائن المتسربين من هنا و هناك ممن لم ينجح صاحبنا الاسود بجذبهم لا لضعف منه او في تقنياته بل لأسباب عقائدية عند هْؤلاء تدفعهم لتفضيل سواه عليه.
” الفيس بوك ” كلمة ستدخل التاريخ وستحجز ,ان لم تكن قد فعلت حتى الساعة, مكانها في قائمة أكثر الابداعات الانسانية تأثيرا في العصر الحديث. و لنا في  “غوغل” خير مثال على الية تطور الامور … مصطلحات لغوية خاصة صيغت له  و اللغات الدارجة حتى في اكثر البيئات شعبية  وبعدا عن التكنولوجيا تبنته . وفي هذه الايام يمكنك بكل سهولة أن تمدح أو أن تذم شخصا بأنه انسان “فيسبوكي” ذو مواقف “فيسبوكية ” وكلامه “فيسبوكي” بامتياز( طبعا المدح  والذم حسب موقف  القائل من الفيس بوك).
منذ البداية تم طرح  مفهوم  “شبكات التواصل الاجتماعية”  كعنوان عريض وكجناح تنضوي تحته هذه المواقع ( الفيس بوك, تويتر….الخ) وكان هذا العنوان البراق ذا وقع ايجابي, مثير للاهتمام على متصفحي الشبكة العنكبوتية , ساهم في تحطيم هذه المواقع لجميع الأرقام القياسية في سرعة الانتشار  و الشعبية( عدد منتسبي الفيس بوك حتى الان اكثر من 500 مليون شخص ,اكثر من 70% منهم خارج الولايات المتحدة الامريكية). وهذا , برأيي , مبرر  نوعا ما بأننا نعيش في عالم  مادي متسارع  الخطا بجنون. يجبرنا, وبكامل إرادتنا , أن نتسمر ساعات طويلة أمام تلك المستطيلات متفاوتة الأحجام ( التلفاز , الحاسب, السينما…..) في محاولة يائسة للبقاء مطلعين بالحد الأدنى على ما يجري حولنا و علينا . إن إيقاف عجلة التطور مستحيل كما أن الانعزال عنها صعب بمكان , اذا فالانخراط فيها وحث الخطى يبقى الخيار الوحيد لشخص لا يريد أن يفوته قطار العصر.
هذه الحقيقة, وبالتضافر مع تقسيمات الوقت التي تحصي كل اربع وعشرين ساعة أرضية يوما من عمرنا يمضي الى غير رجعة , تجعلنا مطالبين بالتأقلم مع هذه الواقع الجديد بأن نغير من أولوياتنا أو بالحد الأدنى طريقة قيامنا بها فعلى سبيل المثال لا الحصر: الكثير منا يعتكف عن ممارسة رياضته المفضلة متذرعا بضيق الوقت او المكان  في حين أنه لا يجد أي  عناء في إيجاد ما يكفي من الوقت لمتابعة عدة نشاطات رياضية على شاشة التلفاز  و بالمحصلة يصف نفسه بأنه رياضي بامتياز( بالمشاهدة).
بدون اطالة , إن الانسان ,بوصفه كائنا اجتماعيا بامتياز , و منذ بدايات الوعي البشري سعى للعيش في أطر اجتماعية كبرت أو صغرت( الأسرة , القبيلة , الدولة…) تؤمن له الحماية  وتحقق له هذه الفطرة بالتواصل الاجتماعي مع أقرانه. واليوم مازال الانسان على فطرته  ولكن أشكال وآليات تواصله تغيرت وتبدلت , فنحن نتبادل الأفكار والآراء والأحاديث مع عدد اكبر فأكبر من البشر  ولكننا نادرا ما نلتقيهم أو نجالسهم حتى على مستوى الوسط القريب ( العائلة والأصدقاء). من هنا جاء اغراء شبكات التواصل الاجتماعي فهي  تهدينا الحل السحري للمعادلة المستحيلة( الرغبة بالتواصل رغم ضيق الوقت وبعد المسافة).هذا عدا عن كونها  تعطينا مساحة ( رغم أنها افتراضية) لا يستهان بها للتعبير  بعيداً عن مقص الرقيب  ونظرات الاستهجان في عالم تتضاءل فيه هذه المساحات الحرة على أرض الواقع .
إن ما قدمته مواقع التواصل الاجتماعي  _ الفيس بوك كنموذج بارز _ لهو رائع بكل ما تعنيه الكلمة ولكن دوما هناك تلك المشكلة التي لم يجد لها الانسان حلا  حتى هذا  اليوم ولا أظنه سيجد مستقبلا حلا لها. إنها بكل بساطة كبح الرغبة الجامحة التي تنتابه في استثمار  كل جديد يتفتق عنه ذهنه أو تقوده إليه أبحاثه ( الطاقة النووية , الاستنساخ و اخيرا وليس آخرا  جهاز صادم الهدرون الكبير)  خاصة عندما يتجاوز عتبة الاستثمار الايجابي.
في النهاية, أريد أن أقول أننا مازلنا بعيدين عن تكوين رأي حاسم  حول هذا المنتج الجديد /القديم لأنه لا يتوقف عن التطور و استيعاب انتقاداتنا, ولكن يبقى السؤال هل تجاوزنا عتبة الاستثمار الايجابي لشبكات التواصل الاجتماعي؟ سؤال برسم الجميع.

http://outofspacetime.wordpress.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى