صفحات من مدونات سورية

رجل ويكيليكس

إنها لقصّة مثيرة فعلاً..
فجأةً, من حيث أراد و لم نعرف, يظهر رجلٌ, رجل ويكيليس. لا يخفي حقده على “الاستابلشمنت العالمي” بل يحاول إظهاره حتى في حركات خصلات شعره الأشقر.. يتّخذ لنفسه دور البطل- الخارج عن القانون الذي لطالما استُخدم في أدب العصور الرومانسيّة مثل روبن هود و زورو.. هذا البطل الذي يخترق القانون- المألوف- المقبول- الشائع- المُنتظَر.. الخ. هوَ بطلٌ رغم أنه يخترق القانون, أو بالذّات لأنه يخترق القانون.. من قال أن أيّ قانونٍ هو عادل بالتعريف؟ ما هو القانون؟ ما هو العدل؟ اسألوا رجل ويكيليكس عساه يسرق لكم من أحد الخزائن المغلقة وثيقةً فيها الإجابة.
باسم الخير للآخرين يعمل رجل ويكيليكس حتّى لو أحرق نفسه ككل الأبطال- الخارجين عن القانون.. بل أن جزءاً أساسيّاً من السّيرة يكمن في أن يحرق نفسه. إن لم يحترق فستكون نهاية هذه السّيرة مبتورة كنهايات التمثيليّات التلفزيونيّة التي تنتظر إمكانية إنتاج أجزاء أخرى حسب الجدوى التجارية..
ماذا عن هؤلاء “الآخرين” الذين يحرق هذا البطل الخارج عن المألوف نفسه لأجلهم؟ هل يحرق نفسه لأجلهم فعلاً؟ هل يستحقّونه؟ هل يستحقّهم؟ بعضهم يحبّه, بعضنا نحبّه.. نحبّ هذا الحقد النابع من عينيه, نحبّ ابتسامة “عليّ و على أعدائي” اللذيذة الوقاحة. بعضٌ آخر لا يعرف بالضبط إن كان يحبّه, ربما يحبّه لكنه غير متأكّد إن كان الصحيح ألاً يحبّه, أو لا يحبّه و لا يعرف إن كان المطلوب منه أن يحبّه. البعض يكرهه, يكره تلك النظرة الحاقدة, أو ربما يكره قدرته على توجيه تلك النظرة الحاقدة مع تلك الابتسامة التي قلنا أنها لذيذة الوقاحة لكنّها سامّة المرارة من زاوية أخرى, من منظورٍ آخر.. أو من “نظارة أبو كلبشة” (الالكترونيّة).
البعض الأخير ينبطق عليهم المثل القائل: “كل من تزوّج أمّي أصبح مستشار الأمن القومي.. الأمريكي, أوف كورس..!”.
هل سأل رجل ويكيليكس نفسه “لماذا؟!” أو “إلى أين تريد أن تصل؟!” .. تلك الأسئلة التي يطرحها عليك من لا يريد لك أن تفعل أمراً ما؟ لعلّه لا يريد شيئاً, أو ربما يريد أن يرقص أورويل في قبره طرباً و أن يصفّق قائلاً:” لقد أخبرتكم, لقد حذّرتكم.. سيكون مجموع اثنان و اثنان هو خمسة إن أراد الأخ الأكبر ذلك.. لن تروا أن المجموع هو أربعة و تقولون أنه خمسة إرضاءً له أو اتقاءً لخيره و عطائه, و لن تضطروا لأن تجهدوا أنفسكم و تستميتوا لتجعلوا أعينكم و عقولكم ترى خمسة حيث ترى أربعة.. بكل بساطة و عفوية و وضوح سترون أن اثنين زائد اثنين يساوي خمسة”.
هل كان رجل ويكيليكس يريد أن يغيّر العالم؟ لا.. رجل ويكيليكس أذكى و أحقر من ذلك بكثير. يعرف تماماً أنّ تماسيح العيون الباكية هي التي تطير فقط..
ملحمة رجل ويكيليكس تنقصها قصّة حبٍّ, أو مكان لدور بطولة أنثوي.. لا فرق, كي تصلح فيلماً لهوليود (و هل يشكّ أحدٌ أن هوليود ستنتج فيلماً عن حياته قريباً؟), ربما لهذا السّبب ظهرت له تهم اغتصاب. رجل ويكيليكس لا يعرف أن يحب, لا وقت لديه للحب, لا مكان في عينيه للحب فالحقد استثمرهما حصريّاً. قصّة حبّ رجل ويكيليكس هي اغتصاب؟ لم لا؟ ألا يُفترض أنه ينتظر تصفيق العالم لأنه سرّب أسراراً لإسعاد الناس فإذ به, يا لقلّة احترامه, يُقلق نومهم و يزرعه كوابيساً و يجرح مشاعرهم و أخلاقهم؟
اتركنا و شأننا يا رجل ويكيليكس.. البس شجاعتك و ارحل عنّا.. اتركنا مرتاحين في طمي الصّمت اللزج تحت أقدام من تسرقُ من خلف أنيابهم الأوراق. لا نريد أن نقرأها, لا نعرف أن نقرأها, لا يجب أن نقرأها.. كفّ عن إغضابهم فغضبهم يغرسنا في الطّمي أكثر فأكثر.. تعال و احمل عنّا, و إن لم تفعل فلا تزد علينا الحمل الثقيل أيها السّافل الجذّاب..
رجل ويكيليكس وقح, خطير, مؤذي, كريه, حاقد, لعين.. يريد تهديد الأمن العالمي الذي كلّف بناؤه أطناناً من النابالم و الفوسفور و ملايين القذائف و الصواريخ و الرصاصات.. ضحايا؟ بلا بكائيات تافهة رجاءً. يريد رجل ويكيليكس أن يسمع ستّة مليارات “مااااااع” تخرمش الصدأ على صدى نرجسيته. لقد كان روبن هود يسرق الأغنياء ليعطي للفقراء, لكنّ رجل ويكيليكس يسرق أسرار حكّام العالم و يريدنا أن نهنئه على جعلها غذاءً لمهمّشه و يأخذ المكان البارز اللامع في لوحة نشرة الأخبار.. السرياليّة حتّى انتحار سلفادور دالي عجزاً.
يالك من أنانيٍّ يا رجل ويكيليكس. اغرب عن تجاهلنا, اتركنا و شجننا و ارحل عليك اللعنة… يا بطل

http://www.syriangavroche.com/2010/11/blog-post_30.html

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى