الدور الإيراني والعلاقة الإيرانية ـ السّورية

إيران التي لن تهدأ…

حازم صاغيّة
لا تستطيع التقنيّة الحديثة، وإلى ما لا نهاية، أن تخدم دعوات قديمة. هي، بالطبع، تفعل ذلك فيُتاح عبرها لبعض الأفكار والقيم الأشدّ تخلّفاً، كما لبعض أكثرها تقدّماً، أن تنتشر. لكنْ، في لحظة مثقلة بالحمولة والدلالات الكثيفة، ينفجر الصراع. فالآلة محكومة بأن تصنع من حولها، رويداً رويداً، ثقافتها، أو قلْ حضارتها، فتخلق محيطاً لها يشبهها وينسجم معها كما تنسجم هي معه.
وهذا تناقض شرع يتفجّر في إيران، على ما يدلّ التويتر والتليفون المحمول. فكأنّ التقنيّة الحديثة تنتقم لنفسها رمزيّاً من حدث كبير أسبق: ذاك أن آية الله الخميني ورفاقه وصلوا إلى السلطة، في 1979، مستعينين بأشرطة تسجيل حملت خطباً ناريّة وتحريضيّة ضدّ الشاه ونظامه. لكنّهم ما لبثوا، هم أنفسهم، أن أقاموا نظاماً يتنكّر لأدوات تلك الثقافة التي أسهمت في وصولهم، هاجياً وسائطها وطرائقها، ناسباً إليها أهدافاً سياسيّة مشبوهة.
واليوم، لافتٌ للنظر أن تُحمّل محطّة «بي بي سي» البريطانيّة، الموصوفة بموضوعيّة رفيعة نسبيّاً، مسؤوليّة الانتفاضة الإيرانيّة، وهذا فيما الانشقاق داخل الهرم السلطويّ يبلغ إلى ذروته، أي إلى شيوخ مدينة قم وطلبة الدين فيها ممّن شكّكوا بالنظام وبانتخاباته، بعدما اقتصر عدد النوّاب الذين احتفلوا بانتخاب أحمدي نجاد على أقلّ من ثلث مجموع النوّاب الإيرانيّين. وهي مفارقات تكفي بذاتها للتدليل على أن العجلة التي راحت تدور في إيران لن تتوقّف: فالاحتجاج ينكمش اليوم تحت وطأة قمع «الحرس» و»الباسيج» ليعاود الظهور غداً، وهو يضمر في طهران لينفجر في أصفهان أو مشهد أو تبريز أو ربّما… قم.
وما يشجّع على افتراض كهذا هو بالضبط اتّهام النظام لـ «الإعلام»، فضلاً عن «الأجانب». فهي عادة سيّئة قديمة مارسها جميع الأنظمة الإيديولوجيّة المغلقة في ظروف الأزمة والمعاناة. والمعادلة المعروفة تقول إنّ كلّ جرعة إضافيّة في اتّهام «الإعلام» و «الأجانب» دليل إضافيّ على أن صاحب الاتّهام صاحب ورطة.
والحال أن تناقض الاستفادة من منتجات الحداثة في مقابل التنكّر لروح الحداثة يتعايش مع تناقض آخر ذي طبيعة لا تجافي طبيعته. ذاك أنّه لا يمكن، إلى ما لا نهاية، الجمع بين إرادة الشعب ومشيئة الوليّ الفقيه: الأولى تعكسها ممارسة انتخابيّة هي بنت الحداثة، والثانية نقض للحداثة قدر ما هي نقض للحريّة. ولئن أمكن تقليم أظافر الأولى عبر نظام التصفية الشهير (سُمح لأربعة مرشّحين رئاسيّين فحسب من أصل أكثر من 300)، فإن الثانية لا تقبل المراجعة بفعل طبيعتها ذاتها. فإذا أمكن ذلك بقدرة قادر (وليّ فقيه بصلاحيّات قليلة، أو مجلس جماعيّ يقوم مقام الوليّ الفقيه، مثلاً)، عصفت بالبيت رياح كرياح غورباتشوف حين عصفت بالبيت الشيوعيّ السوفياتيّ. والنظم الإيديولوجيّة خطوط دفاعها قليلة.
وقصارى القول إنّنا في أغلب الظنّ نودّع النموذج الثالث الذي طرح نفسه بديلاً من نموذج الحداثة الديموقراطيّة الغربيّ، بعد وداعنا النموذجين البلشفيّ الروسيّ وامتداداته في الماويّة الصينيّة وغيرها، والنازيّ – الفاشيّ لبعض أوروبا الوسطى والجنوبيّة. فهذه كلّها اشتركت في نبذ واحد أو أكثر من منتجات الحداثة، في وجوهها التقنيّة أو الروحيّة أو المؤسسيّة. وفي غضون ذلك، لن تهدأ إيران إلى أن تتعايش مع الوجهة الغالبة في هذا العالم وأن تعاصر عصرها.
الحياة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى