الرئيسية » صفحات السياسة » صفحات العالم » في مكونات العنف العربي ونتائجه

في مكونات العنف العربي ونتائجه

فايز سارة *
باستثناء الخلفيات الدينية والتاريخية التي تدعم ثقافة العنف، وتقوي الميول اليه، فإن في الحاضر العربي، ما يدفع نحو العنف، اساسه السياسات التي تمارسها اغلب الحكومات العربية، وهي سياسات تمارسها فئات اقلوية، تقوم على العنف والإكراه، حيث يتم اجبار المواطنين على الانصياع لسياسات حكوماتهم في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والتي تتم غالباً تحت سيطرة امنية مشددة دون ان يكون للمواطنين وتنظيماتهم السياسية والاجتماعية حق التقويم أو الاعتراض. وتترك هذه السياسة رد فعل مواز في الأوساط الشعبية، يتمثل في اعادة توجيه العنف نحو الحكومات وأجهزتها الأمنية، وهو امر حاضر في اغلب البلدان العربية وبخاصة حيث تنشط الجماعات الإرهابية وحركات الاحتجاج المسلح كما في العراق والجزائر واليمن والسودان.
وباستثناء الأسباب الداخلية المكونة لظاهرة العنف، فإن ثمة اسباباً خارجية تساهم في تنمية وتعزيز العنف في الواقع العربي، وأول الأسباب يتصل بنظرة الخارج للعرب، وهي في الغالب، تستند الى نظرة الغرب النمطية للعرب، والتي ترى في الآخر خصماً مجبولاً بالعنف الذي يستمد من اساس ديني ايدلوجي يمثله الإسلام، وقد تعززت هذه النظرة في العقود الأخيرة بفعل تنامي الأصولية الإسلامية من جهة، وظهور الجماعات الإرهابية وعملياتها بعد احداث الحادي عشر من ايلول الأميركية وهجمات لندن وباريس ومدريد.
وثاني الأسباب الخارجية لمكونات العنف، تمثله التدخلات الخارجية وبخاصة العنيفة مثل عمليات الاحتلال والتدخل المسلح الذي تعرضت له بلدان بينها فلسطين ولبنان والعراق، بل ان التهديدات بالتدخل الخارجي المسلح غالباً مايكون لها نفس التأثير في تعزيز الميل الى العنف، وبصورة مباشرة فقد اذكى الاحتلال الإسرائيلي ميول العنف عند الفلسطينيين بما في ذلك الأطفال الصغار، والأمر نفسه حدث عند العراقيين بعد الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003.
ان العنف في مكوناته ومجرياته، فرض مجموعة نتائج حولت العنف الى ظاهرة معقدة، تتبادل الأطراف الداخلة فيها التأثيرات. وبشكل عام، فإن نتائج العنف، تجعل من العنف أمراً مألوفاً وواسع الانتشار في الواقع العربي، وتعيد انتاجه مجدداً، وتوجهه نحو اهداف داخلية وخارجية موزعة بين اهداف قديمة وأخرى جديدة.
ان ابرز النتائج العامة لثقافة العنف والممارسات المرتبطة به، ان صارت الحكومات والمجتمعات ايضاً، تتوجه الى معالجة وحل مشاكلها الداخلية بواسطة العنف الذي صار سلوكاً عاماً وحاضراً في ممارسات الدولة حيال مواطنيها وفي علاقات المواطنين مع الدولة، وبين المواطنين انفسهم، وهو مايظهر جلياً في العلاقات القائمة التي تحكم بين الأفراد في اطار الجماعات وداخل العائلات والأسر، ما ادى الى غياب الحوار، وبالتالي تم تغييب الحلول السلمية التي ينتجها الحوار، وفي معظم الحالات فإنه بغياب الحوار ومساعي الحلول السلمية للقضايا، تصبح القوة والإكراه طريقاً وحيداً لمعالجة الخلافات والاختلافات دون التدقيق في محتوياتها ومستوياتها.
احد الأمثلة على نتائج العنف المستند الى سياسات الحكومات العربية وإلى التدخلات الخارجية، انه أدى الى ردود فعل خطيرة في اواسط من الرأي العام العربي، دافعاً اياها للتوجه نحو العنف رداً على ما يحصل، ولئن بدا اغلب الرد من جانب جماعات اسلامية، فإن بعضاً من جماعات يسارية عربية لجأت الى العنف، لكن لم يقيض لأغلبها الاستمرار، فيما استمرت الجماعات الإسلامية في تصعيد عنفها، ليشمل انظمة عربية حاكمة، وأهدافاً خارجية في اوربا وأميركا، وصاحب هذا التوجه نحو «العنف» استــــنفار فكري وسياسي بحثاً عن مــــبررات وأســـــانيد للعنف في الموروث الإسلامي، اضافة الى اصدار فتاوى، التي لم تقتصر على تبرير العنف وتسويغه، بل شملت تدخلاً في معظم جوانب الحياة، الأمر الذي بدا وكأنه اعادة تنظيم الحياة العربية على اساس فتاوى يصدرها في اغلب الأحيان مفتون لايعرفهم احد، وليس لهم أي وزن ثقافي – معرفي، او اجتماعي.
وإضافة الى النتائج العامة، فثمة نتائج تفصيلية، ترتبت على ثقافة العنف والممارسات المتصلة بها من بينها سلوكات صارت يومية في الحياة العربية، أهمها عدم احترام الإنسان وخرق حقوقه بما في ذلك الحقوق الأساسية، وهي سلوكات لا يقتصر القيام بها على موظفي الدولة وسلطاتها العسكرية والأمنية، وإنما تمتد الى سلوك المواطنين في علاقاتهم ببعضهم، وقيامهم بخرق حقوق المجتمع والدولة على نحو ما يحدث في ظاهرتين شديدتي الخطر في الحياة العربية، اولاهما العنف ضد النساء، والثانية يمثلها العنف ضد الأطفال، وفي الحالتين يمكن القول، ان العنف ضد الأطفال والنساء هو الأشد والتعبير الأوضح عن العنف ونتائجه، ليس في الواقع المعاش فقط، وإنما في اثره، نتيجة دور وحضور كل منهما في المستقبل.
ووسط الأجواء السائدة، التي جسدها العنف في الحياة العامة العربية، أخذت تتبدى مظاهر تكرس العنف، وتعزز الميل نحوه، منها التوجه نحو عســكرة الحياة وإعطاء العسكريين مزايا في الحياة العامة، وإذكاء روح القتال والدفاع عن النفس في مواجهة تهديدات حقيقية وأخرى متخيلة، والتوجه نحو اقتناء السلاح والتشجيع عليه، وتعميم التدريبات العسكرية في المناهج التعليمية، ورواج الثياب العسكرية في اوســــــاط المدنيين ولاسيما الشباب، وكلــــها استغلت لإقامة حشد شعبوي في مواجهة اسرائيل وسياساتها العدوانية العنصرية، لكن ذلك الحشد لم يقم بدور جدي في المواجهة، بل اقتصر دوره على تجييش الجمهور في مواجهة الحقوق العامة والخاصة، ولإشاعة رؤى وسلوكات، تتناقض مع فكرة وسلوك المواطن الفرد الحر الساعي الى حقوقه والمحافظ عليها.

* كاتب سوري
الحياة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.