صفحات العالممازن كم الماز

ويكيليكس – وعي النخبة السياسية الفصامي

مازن كم الماز
حالة هستيريا حقيقية دبت في كل مكان بعد تسريبات ويكيليكس الأخيرة , و خلافا لما كان عليه الحال عندما اقتصرت التسريبات السابقة على معاناة العراقيين البسطاء و الانتهاكات التي مارسها الجميع بحقهم و التي تلقتها العواصم المعنية و القوى السياسية الميليشيوية العراقية بهدوء تحسد عليه , و كشفت حالة الهستيريا هذه الفصام الكامل للنخب السياسية عن الواقع الذي يعيشه الناس البسطاء , الوزيرة كلينتون تحدثت عن هجوم على المجتمع الدولي مثلا , إذا اعتبرنا أن السيدة كلينتون كانت تعني تماما ما تقوله فهي لا ترى مجتمعها الدولي هذا إلا في ساركوزي و ميركل و بوتين , و ربما قاراضاي و شيوخ الخليج في بعض الأحيان أيضا , بل و هي تتحدث عن أن هذا المجتمع الدولي قد رعى بزعامة أمريكا , أمريكا الناس اللي فوق طبعا , قد حقق السلام العالمي و الازدهار الاقتصادي , أي أن من يموتون و من ماتوا في العراق و وزيرستان و أفغانستان و أخيرا من الكوليرا في هايتي بسبب عدم استعداد هذا المجتمع الدولي الخاص بالسيدة كلينتون ليرسل ثمن عدة صواريخ تطلق في وزيرستان أو يراد أن تنصب في أوروبا الشرقية لمعالجة عشرات الألوف بأدوية رخيصة جدا و بعض السيرومات , هؤلاء جميعا هم خارج وعي السيدة كلينتون و مجتمعها الدولي , ليس هؤلاء فقط , فعندما تتحدث أيضا عن الازدهار الاقتصادي تثبت أنها لا ترى أيضا ملايين الأمريكيين أنفسهم الذين فقدوا وظائفهم و بيوتهم , هناك فقط على بعد أميال من مسكنها أو من مكان عملها , حالة الفصام هذه عن الواقع الذي يعيشه البشر و حتى عن وجودهم نفسه لافتة جدا و ميئوس منها على الأغلب … لا يثير الاستغراب كثيرا أن وثائق ويكيليكس لم تتحدث و لا بكلمة عن الديمقراطية , خلافا لمزاعم إعلام النظام الرأسمالي العالمي و بعض الليبراليين الجدد السابقة , القضية الحقيقية هنا هي في أن اختيار السلطة لا يتم بالتأكيد في شوارع الأحياء الفقيرة في بلادنا , و لا حتى في اجتماعات النخب السياسية و الاجتماعية , الحاكمة أو المتنافسة في بلادنا , بل وراء البحار في مكاتب وزارات الخارجية الغربية و وزارات الدفاع و أجهزة الاستخبارات , هذا شيء يناقض , و ليس فقط يختلف عن , الديمقراطية بمعناها أن يحكم الناس العاديين أنفسهم بأنفسهم , ما جرى مؤخرا في العراق مثلا هو فقط خطوة نحو تأسيس مركز للسلطة من بين مراكز متنافسة جميعها سلطوي و ديكتاتوري و إقصائي حتى النخاع و مستعد و متلهف للعب دور هذا المركز الديكتاتوري الجديد , لكن التنافس المحموم بينها يوهم بشكل ديمقراطي ما وإن كان بالغ التخلف , ما جرى اليوم بإعادة تكليف المالكي برئاسة الحكومة هو تماما الخطوة التالية في تلك العملية التي انتهت بوصول الأسد و صدام و غيرهما إلى قمة الطغمة الحاكمة الجديدة يومها , أما النظام المصري فهو غبي لدرجة أنه يستفز , أولا كل النخبة المسيسة و من ثم المصريين العاديين أنفسهم , و هو يتبجح و يعلن فوزه بالانتخابات الأخيرة , إنه يرفع بسخافته الغبية هذه كفاحية تلك النخبة أولا , و ربما حتى الشارع نفسه , بأن يثبت دون أي شك أن هذه المهازل لم يعد لها أي معنى , أن لا مجال لأية مشاركة مع أي كان في السلطة المطلقة و النهب المنفلت الذي يمارسهما دون خجل , لقد تمكن حزب الوفد من ضم عدد هام من أعضاء النخبة المصرية , الذين توهموا أنهم قادرون على فعل شيء في مواجهة هذا النظام , لكن هذه الصفعة التي وجهها لهم النظام , و التي شعر بها الناس في الشارع , تحدد شكل المواجهات القادمة بين النظام و النخبة , و الشارع في نهاية المطاف , هذا الغباء أيضا ميئوس منه و لا شفاء له …..
مما يزعج أيضا و يدل على اضطراب في الوعي ربما هو رد الفريق الاقتصادي في الحكومات العربية من سوريا إلى الأردن فمصر و حيث تشاء , و جوابه المتكرر عن حالة الاقتصاد الوطني , و هو يتعلق بما يسميه هو بمعدل النمو , الذي وفقا لتصريحات أفراد هذا الفريق تصل إلى 7 % , لا أدري لماذا على الفريق الاقتصادي أن يدعي الموضوعية و يبقي هذه النسبة 7 % فقط , لماذا لا يعلن أن هذا النمو قد بلغ مثلا 70 % أو حتى 700 % , ما دمنا لا نعرف ما هذا الذي ينمو , خاصة و أن نمو دخل كثير من البشر العاديين هو تحت الصفر بكثير , على نفس القافية يتحدث الفريق الاقتصادي عن الإنتاجية , نقص الإنتاجية , رغم أنه من الواضح أنه كلما قلت إنتاجية البعض , و ربما انعدمت , كلما زادت أجورهم أو دخولهم أو الحوافز التي يأخذونها مثلا , و لا أعرف هنا لماذا يجب تحفيز هؤلاء و لفعل ماذا في الأساس , يضاو يريد البعض أيضا أن يعتبر الفساد مشكلة أخلاقية , أن يساوي مثلا بين الفساد الصغير و الفساد الكبير , يريد بذلك أن يستخدم تلك الليرات أو الجنيهات أو الدنانير أو ..أو الجنيهات التي يجب على كل إنسان يحصل على راتب شهري لا يكفي لإطعام أطفاله أن ينتزعها من أي مكان ليبرر تلك “الليرات” التي ينتزعها الفاسدون مما ينتجه هذا الإنسان و أمثاله , مما كان يفترض أن يخصص لإطعام أطفاله , لكي يقضي الفاسدون لياليهم في فنادق الخمس نجوم سواء في وطنه أو خارجه , الفساد ليس مشكلة أخلاقية , إنه مشكلة اجتماعية , ظاهرة اجتماعية بامتياز , تتعلق بالسلطة , تبدأ منها و تنتهي إليها . العراق مثلا دولة نفطية , دولة نفطية حقا , تنتج ملايين البراميل يوميا , لكن شعبها لا يعيش كشعوب الدول النفطية الأخرى , لأنه باختصار يجب أولا ملئ جيوب الناس اللي فوق , يجب أن تنتفخ جيوب الناس اللي فوق للدرجة نفسها في بقية الدول النفطية ثم يبدأ تطبيق النفط مقابل الغذاء ( و أيضا الكهرباء و الماء و الخ ) بمعناه و صيغته الجديدة , أي بعض النفط مقابل حاجيات ملايين العراقيين الذين يعيشون خارج مواقع استزلام و الدفاع الميليشيوي عن النخبة العراقية الجديدة………..
اسمعوا أيضا هذا القول الفصامي : تؤيد حكومات أوروبا أو حكومة البلد الفلاني المحكمة الدولية و في نفس الوقت الاستقرار في لبنان ( أي الدفع إلى حرب أهلية في لبنان بين السنة و الشيعة , هذا هو الاستقرار كما يفهمه المجتمع الدولي الخاص بكلينتون ) , ليست القضية في أن يجري التغاضي عن جريمة قتل الحريري بل في السؤال , ليس فقط عن آلاف آلاف الجرائم الأخرى التي طويت صفحتها لأسباب لا يعرفها إلا المجتمع الدولي الخاص بالسيدة كلينتون , بل لأني لا أرى أي داعي ليقتل السنة و الشيعة بعضهم البعض بسبب مقتل الحريري مثلا أو أي شخص آخر أيا يكن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى