صفحات العالم

«ويكيليكس»: عالم اللامعلوم

حسام عيتاني
تُذكِّر وثائق «ويكيليكس» بما كان يقوله وزير الدفاع الأميركي السابق دونالد رامسفيلد عن «المعلوم اللامعلوم». فمضمون العديد من الوثائق المنشورة لا يشكل مفاجأة بذاته بل في نشره.
وكان رامسفيلد قال في معرض تبريره عدم العثور على اثبات عن امتلاك العراق أسلحة دمار شامل عام 2002 «هناك أشياء نعلم أننا نعلمها، وأشياء معلوم أننا نجهلها، وأشياء نعلم الآن أننا لا نعلمها. لكن هناك أيضا أشياء مجهولة نجهلها، وأشياء لا نعلم اننا لا نعلمها».
الوثائق التي بدأت نشر مختارات منها، خمس من الصحف الأوروبية والأميركية، تنتمي إلى عالم «المعلوم اللامعلوم» الذي ارتاده رامسفيلد. فالمحاور الرئيسة من المعلومات الواردة في الوثائق، معلومة، والخطوط العريضة لمواقف الدول المعنية بالمسائل التي طرحتها التسريبات، معروفة أيضاً.
ما المفاجئ، إذاً، في الكمية الهائلة من الوثائق التي لا تكشف عملياً أي وقائع أو حقائق كبرى جديدة؟
ثمة العديد من المفاجآت. أولها أن دولة مثل الولايات المتحدة تنفق مئات البلايين من الدولارات سنوياً على أجهزة استخباراتها وأمنها، تعجز عن حماية 250 ألف وثيقة بعضها مصنف في خانة «السري». وإذا جمعت الوثائق هذه مع «الموجتين» السابقتين اللتين تناولتا حربي العراق وأفغانستان، لقارب العدد المليون وثيقة. وتسرب الكمية هذه من الوثائق الرسمية، ومن وزارتي الخارجية والدفاع، يطرح علامات استفهام عن الكيفية التي تدير الولايات المتحدة وثائقها وبالتالي، أسرارها. المسألة هذه شديدة الحساسية في العلاقات الدولية.
المفاجأة الثانية، هي كثافة التداول الأميركي في مسألة البرنامج النووي الإيراني وكل ما يتعلق بإيران عموماً، من صحة مرشدها إلى آراء المسؤولين العرب بها، مروراً بنشاطات «الحرس الثوري» في العراق ولبنان. ويصعب العثور على وثيقة تتناول لقاء بين ممثلين للولايات المتحدة وقادة أو موظفين أجانب، لا تحضر إيران فيها.
يكشف «الانهمام بإيران» – إذا جاز القول، على وزن «الانهمام بالذات»- حقائق الشرق الأوسط، كما تراه العين الأميركية. المراسلات بين المبعوثين والدبلوماسيين الأميركيين، تعلن أن واشنطن ترى في طهران الطرف الوحيد الحامل لمشروع متكامل ومنافس للمشروع الأميركي. وإذا كان التشخيص هذا قد يُطرب أنصار النفوذ الإيراني في المنطقة العربية، فإنه يشير إلى غياب العالم العربي، بشعوبه وأنظمته وقضاياه، عن شاشة الرادار الأميركي. ويمكن من خلال «هندسة عكسية» فهم الاستراتيجية الأميركية في المنطقة على أنها تقوم على احتواء إيران، الساعية إلى التمدد في منطقة الفراغ العربي.
المفاجأة الثالثة، أن العالم، بوسائل إعلامه الأبرز، يؤدي دائماً دور المصاب بالدهشة حيال الحقائق المعروفة. تعطي الحقيقة هذه انطباعاً أن أقساماً مؤثرة من الرأي العام الغربي والدولي، غير متابعة لما ينشر يومياً عبر عدد من المنابر الرصينة، ويفضل انتظار معلومات تقدم له على طريقتيّ التلصص والنميمة.
ونجاح أسلوب استراق النظر وتسريب الوثائق، في جذب اهتمام قراء ما كانوا ليلتفتوا إلى المعلومات ذاتها لو جاءتهم عبر الطرق الإعلامية التقليدية، يوضح أن عصراً جديداً من الإعلام الجماهيري آخذ في التبلور وتندمج فيه أساليب تغطية أخبار المشاهير من الفنانين ولاعبي كرة القدم، بالوسائط الإلكترونية الحديثة، على أرضية انعدام الثقة بالمؤسسات السياسية. أما صورة الصحافي الجديد التي يقدمها مؤسس موقع «ويكيليكس»، فهي صورة الباحث عن المال والشهرة وقبل هذا وتلك، المعتمد على الفضيحة، كنهج مهني وأخلاقي.
وعماد الصحافة الجديدة، على ما يبدو، هو الفضح والكشف، وإجادة الإعلان عن القديم بشكل جديد.
الحياة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى