رأي صفحات سوريةصفحات العالم

في مثل هذا اليوم، قبل خمسة أعوام، اغتيل جبران تويني

null
“ذكرى”… لمن لا يموت ؟!
نايلة تويني
بعد خمس سنوات على استشهاده وغيابه، لن اتحدث عنه الا في الجانب الذي اعرف تماماً انه يريدني من عليائه أن اتوجه به الى جميع الذين يفتقدونه اليوم كأن لا سنوات مرّت ولا جبران غاب.
لذا لن اسمح لوجعي او لوجع العائلة كلها وكبيرنا وبركتنا وكبير لبنان جدي غسان ان يحضر بين هذه الكلمات، لأننا منذ 12 كانون الاول 2005 نعيش الذكرى يومياً ولا حاجة الى التوقف عند ذكرى سنوية اثر ذكرى.
فجبران ليس ذكرى، ولم يكن ولن يكون يوماً ذكرى، بل نحن  الذكرى في خاطره وعليائه وحيث هو.
اقول لجبران الاب والبطل والرمز والشهيد الذي هو ملك القضية التي ذهب من اجلها، وبتواضع القابل بغيابه امام هذا القدر المفجع، انني على عهد الرسالة والشهادة ماضية بلا تراجع ولا خوف وبلا تردد، انا وسائر الذين آمنوا بأن القضايا الكبيرة لا يصنعها إلا امثاله.
اقول له، ولا اقوى على مخاطبته مباشرة، انه بعد خمس سنوات يبدو كأنه كان اقرب الى أصحاب النبوءات. فكل حرف او كلمة كتبها او تلفظ بها اسقطت على الواقع. وكل ذرة من قضية ناضل لأجلها لا تزال حتى اليوم في حاجة الى “ملح” الارض.
هو كان ملح القضية اللبنانية،
هو كان رافع لواء الكرامة والسيادة والاستقلال،
هو كان القلم والكلمة،
هو كان النبض الذي لا حياة لقضية ولا انتصار لقضية من دونه.
يكفيني ويكفي سائر اللبنانيين ان ينظروا الى الوراء خمس سنوات، وأن يتطلعوا الى الامام، لندرك كم كانت “ازاحة” جبران “ضرورة” لقتلته. استمرت القضية؟ نعم، ولكن اين نبضها، واين صوته وقلمه وحيويته، واين ذلك الوهج المحرّض والمحرك الذي لا يهدأ ويجعل الزمن يتعب وهو لا يتعب؟
استمرت حرية الصحافة واصوات احرارها؟ نعم، وهذا بفضله، كما بفضل المؤمنين الاحرار بعظمة الصحافة وعظمة شهدائها. ولكن ايضا، هي صحافة بلا جبران وتميزه ونبرته وصرخته وشجاعته التي لا تعرف حدوداً وخطوطاً وممنوعات ومحاذير.
اقول في 12 كانون الاول 2010، انني اشعر كأنه يمتحنني كما لم يفعل يوما. واشعر بخوف عظيم إن لم اطمئنه الى ان “اجياله” في كل لبنان، اجيال الحرية والسيادة والاستقلال والقرار الحر، ستمضي على خطاه الى لا رجوع.
لذا اقول، انني لن اسمح لنفسي يوما ان اخذله في هذا المكان بالذات، المكان الذي ليس ملكاً لابنته وعائلته و”نهاره”، بل هو ملك الدماء التي أريقت بغزارة من اجل ان تبقى في لبنان رؤوس مرفوعة وكرامات تأبى الذل والهوان، ورجال ونساء وشباب وشابات يرفضون العودة الى الوراء والانقلاب على الانتصارات الحقيقية التاريخية.
اقول، انني على العهد والقسم وفي طليعة المؤمنين بهما. وأطمئنه الى ان قسمه لم يعد نشيداً يبهر سامعيه فحسب، بل هو روح لبنان، ولن تقوى عليه حتى ابواب الجحيم، كما لم تقو على جبران نيران الارهاب.
واقول بعد خمس سنوات، وسيأتي من يقول بعد خمسين سنة، “جبران لم يمت والنهار مستمرة”.
هي “النهار” التي ارادوا قتلها بقتله، هي التحدي، وهي خط المواجهة الاول، وتلك الصامدة، وربما وحيدة في وجه الاعاصير، في زمن التسويات. ستستمر “النهار” رغم الصعاب، وستكون اكثر شبابا، واكثر التزاماً لقضايا الناس و”ستنعزل” اكثر في لبنانيتها، وستظل وفية للارض والانسان اللبناني، وخصوصاً للشهداء. واكراماً لجبران وللبنان ولكل لبناني صميم تمضي “النهار” اليوم في نهضة جديدة، وفي حلة جديدة، في السنة الجديدة. وليطلقوا مرارا سهام حسدهم، ورصاص حقدهم عليها. “النهار” مستمرة، وجبران لم يمت، ولا ذكرى لمن يقهر الموت بالشهادة.

مصارحة
ريمون جبارة
اليوم تصادف ذكرى اغتيال جبران تويني.
ولكي لا أكذب عليك في يوم ذكراك، اسمح لي بأن أصارحك بما يأتي:
عزيزي جبران، هاك هذا اللبنان الذي أحببته واستشهدت في سبيله، وقلت فيه قسمك الشهير، الذي لا يزال يتردد في ضمير بعض اللبنانيين العاديين وليس في ضمير معظم المسؤولين والسياسيين “أن نبقى موحدين مسلمين ومسيحيين في سبيل لبنان العظيم”. فالمسلمون صاروا أصنافاً، وكذلك المسيحيون. قلة من الذين كانوا يقفون قربك على المنابر، قفزوا الى جهة أخرى، واعتذروا “منهم”. أما مهرجان الشهود الزور والمحكمة الدولية فيشل قدرة الحكومة التوافقية والوحدة الوطنية التي حلمتَ بها. لديَّ الكثير من الكلام عنها، أختصره بما سمعته قبل قليل من بهلول سياسة عرّف عنه معدّ البرنامج بأنه شخصية مرموقة في حزب له تسمية ديموقراطية، فأكد في ما أكد أن الأمم المتحدة اخترعت المحكمة المسيّسة لا لكشف الحقيقة عن اغتيالات بعض ثوار الاستقلال الثاني، بل لضرب “حزب الله” فقط. وحذّر المسؤولين والمواطنين من هذه الفتنة التي يحضّرها لنا السيد بلمار، ومما قاله أنه فقط يهمّه الشعب اللبناني الذي يعيش معه يومياً وفي كل لحظة على الارض. كأن الحبّوب كان يعيش سابقاً في السماء ودعاه واجب إبعاد الفتنة عنّا الى النزول الى الارض، وتحديداً الى لبنان الأخضر (الذي سأخبرك عنه بعد قليل).
بعد رحيلك الى فوق، تعرّت الشعارات من معانيها، من الديموقراطية الى محاربة الفساد الى التنمية والتغيير. كلّه كلام فارغ لم يعد يستحي مطلقه. اتّهم هذا اللهلوب السياسي شيراك وكوشنير بأنهما من “تيار المستقبل”، وأقرّ بأنه مبسوط كثيراً جداً من ساركوزي الذي، بحسب قوله، اتصل بسيادة الرئيس الاسد يرجوه كي يزوره في باريس، وكشف أن الرئيس الشقيق سيلبّي الدعوة دلالة على كرم أخلاقه والتسامح العربي المعروف به منذ ما قبل التكوين.
كلام هذا السياسي يبدو كله بسيطاً، وحتى مقبولاً، إذا ما قيس بكلام “ذاك الذي لا يسمّى”، الذي قال ساخراً من القرار الظني: “ليأخذ أهل الشهداء القرار الظني الذي أحبوه وتسببوا به ولينقعوه، ثم ليشربوا زومه أو فليلصقوه على قبور شهدائهم”.
أما لبنان الأخضر الذي عرفته شاباً ثم ثائراً، فلم يعد كذلك. هو اليوم لبنان الأحمر، لكثرة ما أكلت النيران أحراجه وشوّهت طبيعته الخضراء. ما تبقى منه هو ما سيبقى في ذاكرة الاغاني الطربية التي قيلت فيه “جنات عا مدّ النظر”. أما “الأحمر” من لبنان الأحمر فهو نحن، هذا الشعب الذي “بساطته” تصل الى حدّ البهلنة، حيث لا دولة تهتم لأمره. لولا شفاعة الله، لما بقيت شجرة واحدة. فهو، سبحانه تعالى، يعمل اطفائياً عندما يلزم، وطبيباً نفسياً عندما تشتد الصعاب علينا. طبعاً، مشكورة كل القوى التي عملت على إطفاء الحريق، وفي المقدمة كل المسؤولين الذين تفقدوا أمكنة الحرائق، والذي ألمح بعضهم الى ان الذنب هو ذنب الله الذي خلق لبنان بأشجار وليس برمال. وكمواطن ليس شارلوك هولمنز ولا ألوم أحداً، أتساءل فقط، لماذا لا يعاد زمن نواطير الاحراج؟ ولماذا لا تشتعل الاحراج إلا ليلاً؟ في زمن البيكنيك، كانت الاحراج تشتعل نهاراً بعد كل بيكنيك تحييه عائلة أو جماعة صغيرة لإنعاش تراثنا الوطني في التبولة واللحم المشوي. وعندما كان هؤلاء يشبعون، فإنهم كانوا يتركون جمر المواقد مشتعلاً، ويذهبون الى بيوتهم لقيلولة يهضمون فيها ما أكلوه. يومذاك كانت الحرائق مهضومة وليست ثقيلة الدم كحرائق اليوم. بسيطة، حققوا دائماً مع بعض مالكي العقارات التي بدأت النار فيها: الإمضاء شارلوك هولمز ¶

القديم الجديد
سناء الجاك
“حصان طروادة”
في 17/11/2005 اعلن جبران تويني رفضه “الحلف الثلاثي الجديد” الذي يضم الى النظامين السوري والايراني، الرئيس السابق اميل لحود، و”يهدف الى محاولة وضع يده على لبنان مرة جديدة”. انتقد في حينه النظام السوري الذي يعاود “لعبة الابتزاز على المجتمع الدولي من اجل تحقيق مكاسب يفيد منها هذا النظام خصوصاً”. واشار الى ان دمشق تعمل لجعل “حزب الله” يبدو بمثابة “حصان طروادة” لتحقيق اهداف هذا الحلف. وسأل: “هل يقبل حزب الله اليوم ان يتحول من بطل المقاومة والتحرير الى بطل تحريك الشارع بهدف نسف الاستقرار (…)، مما يجعله يخسر دوره؟ وهل يريد حزب الله ان يكون جزءاً من الهجوم على لبنان وتهديد الاستقرار فيه؟”، ليخلص الى “ان ما نريده حقا، وبكل صراحة، هو ان يكون الحزب جزءا من الاستقرار وشريكاً سياسياً فاعلاً في اعادة بناء لبنان الوطن والشعب والمؤسسات”.
ما كان يريده جبران لم يتحقق. بكل أسف، ما تحقق ولإستكمال المشروع الذي استشرفه الشهيد، هو “إزاحة” رؤيته وقلمه لتمهيد الطريق امام مخطط “الحلف الثلاثي الجديد” مع تغيير شكلي بسيط فرضه خروج لحود من الصورة ليحل محله “حزب الله” ويتكرس الحلف رسمياً من دون مواربة.
ما استبعد جبران حصوله، حصل بالنقطة والفاصلة. استُخدم تحرك هزلي للاتحاد العمالي العام، الموروث من زمن الوصاية، لغزوة السابع من أيار 2008 واحتلال بيروت بعد اعتصام شلّ وسطها لعام ونصف العام، وما الى ذلك من خطوات للوصول الى مرحلة المطالبة العلنية بإلغاء المحكمة الدولية من أجل لبنان بحجة انها المحكمة الدولية من اجل القضاء على المقاومة في لبنان.
“مسرحية هسام هسام”
أكثر من ذلك… في مقاله ما قبل الأخير بتاريخ 1/12/2005 كتب جبران تويني عن “مسرحية هسام هسام”. وصفها بأنها “هزلية مضحكة مبكية بطلها عميل للمخابرات السورية كان يعمل في لبنان ومهمته الوحيدة بث الاكاذيب، ومحاولة تضليل التحقيق الدولي”. كذلك اعتبر ان “الحملة السورية المدروسة والمستمرة، بواسطة الاعلام الرسمي المرتبط بالمنظومة المخابراتية، تحمل في طياتها رسالة صريحة عبّر عنها (في حينه) النائب وليد جنبلاط وهي ان سوريا قد تحاول مرة جديدة ضرب الاستقرار في لبنان بواسطة اعمال عنف وارهاب اعتادها الشعب اللبناني”.
هنا ايضاً لم يتحقق ما كان يريده جبران. ربما لأن اغتياله وما تلاه من فظائع، حوّل ما كنا نراه لدى رفيقه في ثورة الارز آنذاك وعياً لواقع ما يجري في لبنان، غربة عانى منها الرفيق في ايامنا هذه. لماذا؟ ربما لأن يا روح ما بعدك روح مع وصول اعمال العنف والارهاب الى الرقبة.
في ايامنا هذه تطورت “مسرحية هسام هسام” ومن لفّ لفّه. أصبحت مسلسلاً، مفتوحة حلقاته لشل البلد بهدف الضغط على رئيس الحكومة سعد الحريري حتى يعلن “موقفاً شجاعاً” ويخضع لإبتزاز “الحلف الثلاثي الجديد” وينقلب على المحكمة، منفّذاً دفتر الشروط، والا فإن الامور تفلت من زمامها وتتعقد في حال صدور القرار الاتهامي قبل التوصل الى تسوية.
في ايامنا هذه، يبشروننا بأن مرحلة ما بعد صدور القرار الاتهامي لن تشبه مرحلة ما قبله. كأن الامور كان يجب ان تبقى ما بعد الاغتيالات كما كانت قبلها. او كأن جرائم قتل رفيق الحريري وسمير قصير وباسل فليحان وجبران تويني ووليد عيدو وبيار الجميل وانطوان غانم ووسام عيد والعشرات غيرهم، يجب ان لا تقدم او تؤخر شيئاً.
المقال الاخير
اما في مقاله الاخير بتاريخ 8/12/2005، فقد كتب جبران ان النظام السوري “يستغبي المجتمع الدولي والمجتمع العربي واللبناني الى حدّ الايحاء الى هذه المجتمعات انه وحده يفهم في السياسة الخارجية والعلاقات الدولية ومبادىء تطبيقها!”. واعتبر “ان كل ما نسمعه عن ارادة النظام السوري مساعدة لبنان وفتح صفحة جديدة معه، هو كلام بكلام على مستوى التحقيق في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري”. وسأل عن “ايجابية هذا النظام “عندما نرى ان هسام هسام فور عبوره الحدود السورية تبنّته وزارة الاعلام السورية لاستعماله سلاحاً ضد لجنة التحقيق الدولية وضد لبنان”. واستنتج في ذلك المقال الاخير ان “النظام السوري قد يرتاح للجنة التحقيق الدولية في حالة واحدة فقط هي ساعة يخرج القاضي ديتليف ميليس بنتيجة واحدة هي ان الرئيس رفيق الحريري انتحر ومعه باسل فليحان ورفاقهما، وكذلك سمير قصير وجورج حاوي، كما انتحر غازي كنعان. كما حاول مروان حماده ومي شدياق الانتحار ولم ينجحا”.
لم تصبر آلة القتل على جبران تويني ليشهد الحلقات الجديدة من المسلسل التي تضيق حول لبنان لتعصره كحبة زيتون وتهدده عبر الايحاء ان ثمن العدالة لن يكون أقل من الفتنة.
المفارقة ان المقال الاخير لا يزال صالحاً مع تعديل بسيط وفق مقتضيات المرحلة. ذلك ان اللعبة التي لم تتغير، اشتدت ضراوة ومباشرة وجنوحاً نحو كل ما يخطر في البال من سيناريوات التهويل والترهيب.
منطق الحقيقة تغيّر بدوره. لم يعد المنطق عملة صالحة لهذا الزمن، في حين أضحت الحقائق صناعة إعلامية لكل الكذب والتزوير والتشويه. يكفي اختراع حقيقة على قياس اللعبة وترويجها.
صار عندنا سنّة وشيعة يتربص كل منهما بالآخر. وصار عندنا عملاء للعدو الصهيوني فوق رؤوسهم خيمة برتقالية. وصار عندنا مئة حقيقة للحقيقة الواحدة. وصارت اسرائيل تملك صواريخ تفجّر موكب الحريري وتتبخر من دون ان تترك شظية تدل على انها مرت من هنا. بعد ذلك تتسلى بنا فتصبّ سمومها على المساعي الحميدة لإنتحارنا الذاتي المتواصل.
ماذا كنت لتكتب، يا جبران، حيال ذلك، لو لم يسارعوا الى اغتيال قلمك ورؤيتك؟ قديمك لا يزال جديداً يا شهيد الحقيقة والعدالة.
لذا لم يكن غريباً ان “تنتحر” بدورك! ¶

يــــا حــــــــــريــة
بقلم عقل العويط
في مثل هذا اليوم، قبل خمسة أعوام، اغتيل جبران تويني.
لقد اغتيل جبران لأن الحرية الجارحة كانت قضيته. وإذ أتذكره كل يوم، لا في مثل هذا التاريخ فحسب، فليس على سبيل الرثاء والتفجع، أو من باب المجاملة، وإنما لأني أعتقد أن هذه الحرية التي كانت قضيته هي عندي نظام قيم وحياة، وعمل متواصل ودؤوب، وبحث عن الأمل والضوء، وليست محض ذكرى وشعار.
الجريدة التي أسسها جدّه جبران، ورفع والده غسان – أطال الله بعمره – لواءها ورسّخ أقدامها مع زملائه الفرسان والطليعيين، ورسم – هو جبران – لها أحلاماً وآفاقاً، تواصل حمل لوائها ابنته نايلة والزملاء والرفاق والقرّاء، هي الجريدة التي تنشّأت حياتي على قراءتها والانتماء اليها أباً عن جد، لأنها تؤمن بقضية الحرية وتلتزمها وتدافع عنها، ولأنها تقدّس الآخر وتطالب بوجوده وتقرّ بمكانته، وترفع لواء الحداثة والسؤال والنقد والتنوّع والتمرد والتغيير، ليس في الثقافة والأدب والفن فحسب، وإنما أيضاً في شؤون العقل والوجود كلها، لأن الحرية كلٌّ لا يتجزأ.
قضية الحرية هذه، في سلّم قيمها ومستلزماتها وموجباتها وتحدياتها وأعماقها الحقيقية لا في شعاراتها فحسب، ليست مسألة شخصية فردية – على أهمية ذلك – بل هي القضية التي يجب أن تظل الشغل الشاغل لكل جماعة وشخص، أكان مثقفاً أم إعلامياً أم سياسياً أم مواطناً عادياً. لا أقول جديداً إذا اعتبرتُ أنها ستظل قضيتنا الثقافية المركزية، الى أن ينتقل لبنان ومعه الشرق العربي برمته من النفق المظلم الى الضوء، ضوء الحياة الحرة، النزيهة، العادلة، الكريمة، الديموقراطية والعلمانية، التي تنتصر على الظلام، أياً يكن.
هي قضية حياة، لكي لا أقول إنها قضية حياة وموت. بل هي كذلك، معاً وفي آن واحد. إذا هي أقلّ، تكون جرحاً نازفاً في الدماغ، سكّيناً في القلب، نيزكاً محترقاً، أو مسخاً.
هي على هذه السوية، بما يتضمنه هذا الموجب من شروط كيانية ووجودية ومجتمعية وثقافية وقيمية وحضارية، تلتقي جميعها تحت سقف الحرية العالي، الذي هو السماء.
قضية الحرية هذه، طريقها طويل وشاقّ وأليم، وأكادني أقول مستحيل، لكنه طريقنا الوحيد.
الوحيد، لأنه الطريق المفضي الى الحياة الكريمة. ولأنه يشفي من الموت. وخصوصاً إذا كان الموت قتلاً واغتيالاً.
وعليه، يقتضي الوفاء للرجل وللمؤسسة، بل الوفاء للحرية، متابعة الاشتراك في شقّ الدروب الصعبة، الدروب المسدودة، بل الدروب المستحيلة، في الأحلام والوقائع، في الوطن والمجتمع والسياسة، في الثقافة وأعمال الإبداع، تأكيداً لمعنى الحرية الجوهري، وهو الخلق.
مهمتنا مواصلة الخلق، وإن، أحياناً، من يأس العدم. وهو، يا للهول، كثيف وعميم، في لبنان والعالم العربي على السواء.
في هذه المناسبة، إيماناً ووفاءً وتجديدَ عهد، ليس كثيراً أن أردّد مع بول إيلوار، في التزاماتي الشخصية والوطنية والثقافية الشغوفة، أني وُلدتُ لكي أعرفكِ وأسمّيكِ يا حرية. معترفاً أني، بقوة كلمة، بقوة كلمة واحدة، بسلطانها، أحيا من جديد.
بقوة هذه الكلمة، بسلطانها اللاحدود له، يستطيع الغائب الحاضر، الشهيد جبران تويني، وكل جبران تويني آخر، أن يُخلَق، وأن يحيا من جديد!
***
لا يهمّني موقع “ويكيليكس” بالذات. تهمّني الحقيقة وحدها، بما يستوجبه التوصل اليها والتزام مترتباتها، من رفعٍ للعار المستشري من جرّاء تغييبها ومحقها، وأيضاً من جراء استبدالها بسلطان الظلم والرعب والصمت.
الآن، ينشغل العالم كلّه بـ”حقائق” هذا الموقع المثير للالتباسات والأسئلة، فتنفضح أسرار، وتنكشف خيوط، وتمتقع وجوه، وتسقط أقنعة.
كلما سقطت أقنعة، اقتربنا من الوجوه، التي قد تكون، هي الأخرى، أقنعة لوجوه ثانية وثالثة ورابعة.
إسقاط الأقنعة، ضربٌ على رأس العدم، وصولاً الى ليل الوجه النقيّ، الى قمره الذي ضؤوه ليس من شمس.
البحث عن الوجه الحقيقي، هو المهمة المطلقة للحرية.
في هذا المعنى، هو عمل لا ينتهي. كالعمل الذي يضطلع به الهواء. كالذي يتولاّه القلب. أو الدماغ. أو الخيال. أو الحبّ. أو الشجر. أو الحلم. أو الليل. أو الأدب.
عمل كهذا، لا يحتمل الزيف والكذب والاجتزاء.
فأن تبحث عن الحرية، يعني أن تكون ليلاً حرّاً، أبيض. بل أكثر.
لا معنى لأن تكون حرّاً، إن كنتَ كاذبَ حرية؟
لا معنى لأن تكتب، إن لم يكن بحثاً عن حقيقة مجهولة! بل، حتى، خلقاً لهذه الحقيقة!
الكذبة في الأدب، في الفنون كلها، هي شيء آخر. وعلى قول جان كوكتو، هي كذبة تقول الحقيقة.
بل هي اختراعُ حقيقة، لكن من طريق يختلف تماماً عن طرق اكتشاف الحقيقة.
إنها ليست كذبة. إنها حقيقة. إنها حقيقة خصوصاً. بل حقيقة استثنائية وباهرة، التوصل اليها وكشف النقاب عنها، غير ممكن من طريق الوقائع والأدلة والذكاء المتعارف عليه.
إنها ضربة نرد تتحقق بذكاء غير متوافر للعقل. هو ذكاء الموهبة والخلق من عدم.
***
تعنيني هذه الحرية بالذات. من كونها حرية مطلقة، غير منتقص من كرامتها.
وما استذكار جبران تويني وجريدته ورفاقه وزملائه والقرّاء، في هذا اليوم بالذات، إلاّ جزء من هذا الكل الذي ألتزمه وأنتمي اليه: لا على سبيل الرثاء والتفجع والمجاملة، وإنما لأن الحرية التي كانت قضية جبران، هي نظام قيم وحياة، وعمل متواصل ودؤوب، وبحث عن الأمل والضوء، وليست محض ذكرى وشعار.
فيا حرية، يشرّفني أن أكون خادماً لكِ!
النهار

الذكرى الخامسة لاغتيال جبران تويني

قافلة الصحافيين الشهداء بدأت عام 1915 ثم كرّت السبحة!
لور غريّب.

قبل سنتين من اغتياله في 12 كانون الاول عام 2005، سأل احد الصحافيين جبران تويني عما يعتقده في الموت، في موته تحديدا. يومذاك، لم يكن من الصحافي والسياسي إلا أن ضحك، مجيبا أنه لا يعرف، وأن المشكلة ليست في الطريقة التي سيموت فيها، فالقتيل لا يشعر بأزيز الرصاصة وهي تخترق جسده، يموت فحسب. قبل أن يختتم بجملة مفادها انه يرحب بالموت إذا ما أتاه، لأن الموت مشيئة الله. على الأقل، سيموت وضميره مرتاح.
جبران تويني، آخر الشهداء الصحافيين في قافلة لم تتوقف يوماً إلا لتستريح قليلا، وتعبئ خزّانها من زيت الإشكالات السياسية الخام، قبل أن تكمل طريقها، منعطفةً في أكثر من اتجاه، راسمةً في طريق الكلمة، خطوطا غير مفهومة، خربشة مستهجنة، خربشة موقتة، لا يمكن إزالتها عن الطريق، غير أنها لم تعلّم الكتّاب سوى العناد في مواقفهم، والتشبث بلحم الحرية القاسي في كثير من الأحيان، والمهترئ في مفهومه، داخل وطن لا تزال الأمبراطوريات، صغيرة وكبيرة، تتسلل أظفارها تحت جلده، لانتزاعه من موقعه، ووضعه قريباً منها، أو في بطنها أحياناً. من اعتقد أن لبنان لقمة، فهو عصي على البلع، ومن ظن أنه جباية، فالأكيد أنها جباية لن تستقر في أي يوم من الأيام في كيس أحد.

دفع جبران تويني من دمه، ثمنا لحرية ظلّت في عيون كثيرين، مستنسبة، ورهناً بالسياسة، والتسويات، المعلن منها، والخفي. حرية، لا تشبه على الإطلاق تلك التي ترد في المعاجم، والقواميس، والروايات، وقصائد بابلو نيرودا. حرية الأمر الواقع، الموحل، غير المثالي. الحرية الهشة كالبسكويت، السهلة الإنفراط، التي لا ينفع معها لا الغراء الأميركي ولا الروسي ولا حتى الصيني. أُريدَ لجبران إقصاؤه عن المنبر السياسي والصحافي. أُريدَ إلغاؤه. ظن مغتالوه أن في تغييب الرجل تغييبا تلقائيا لكلمته، لأثره، لكتاباته، لعصبه، لمواقفه، لديناميكيته، لانفعاله، وحتى لأسلوبه الصحافي المجدِّد. كثر اتفقوا معه، وتابعوه في مسيرته الصحافية والسياسية، اللتين عرفتا بنبرته الصريحة، النظيفة، وهي نبرة لم يكن ليتنازل عن أي شقٍّ من مضمونها لأي مصلحة، سوى مصلحة لبنان الحر، المساوي بين أبنائه، كما حلم به يوما. كثر أيضا عارضوه، واستهجنوا مواقفه، غضبوا وثاروا منها، وخلطوا بين حقّه ككاتب، وحقّه كلبناني، وسياسي منتمٍ إلى رؤيا معينة.
مستغرَبٌ فعلا أن يتخذ أحدهم قراراً باغتيال كاتب. ماذا يحدث بعد ذلك؟ هل يتحلل أرشيفه مثلاً ويختفي؟ هل تمحى كلماته اوتوماتيكيا من على الصفحات؟ هل تتحول كتاباته رماداً ينفخ في الهواء فلا يبقى أثر من الرجل؟ هل باغتيال صحافي، يقوم الزمن، لحظة الإغتيال، بإعادة تكوين نفسه، فيزيل في ضربة فلاش كل ما يتعلق بهذا الصحافي، فتتلاشى مواقفه المسجلة على الفيديو، الإنترنت، وفي أرشيف الجرائد المحلية والعالمية؟ صعبٌ حقا، إن لم يكن مستحيلا، أن يتم شطب كاتب بشكل نهائي، خصوصاً في هذا الزمن الرقمي. على الاغتيال أن يرفق عندئذ، بطلب الى كل الناس، بأن يغسلوا أدمغتهم من صورة الضحية، وبأن يتلفوا كل ما يتعلق به: الأفكار والمواقف والمقتنيات والتسجيلات الصوتية وغيرها. وإلا سيبقى كل اغتيال لكل صحافي، منقوصا، معوقا، مشوها، لا يؤدي هدفه المنشود، بل يصبح كمن أراد أن يقتلع شوكة من عينه، فانتزع القسم العلوي منها، فيما يكون رسخ بذلك صعوبة اقتلاع قسمها السفلي الدقيق، والمغروس باحكام.
الاغتيال، يجعل من الصحافي كائناً مؤرشفا، ميكروسكوبيا، متملصا، وأصعب بكثير مما كانه في حياته. اغتيال المتكلم، وليس الكلمة، هو بمثابة تعبير عن العجز في دخول مساحة من الباب الديموقراطي، واستعمال الكلمة ندا للكلمة، والامتثال للحجج الفكرية، التي قد تؤيد أو تدحض وجهة نظر الصحافي. الاحتفاء باغتيال قلم، كلمة، مفردة للتعبير، موقف قابل للمناقشة والمناقضة، لن يكون ممكنا، في أي مجتمع بشري، لا يرى إلى توسيع الأفق الإنساني فيه، إلا بالدم، بدلا من  استثمار الرؤى، والرؤى المضادة لتمتين الركيزة الفكرية والدستورية التي يقوم عليها منطق الدولة.
جبران تويني، لم يكن الأول في قافلة شهداء الحرف، ولا الأخير ربما، فلطالما ابتكر البعض مسوّغات لتبرير اغتيال هذا الصحافي أو ذاك، ولطالما فجعوا أيضا بإعدامات ظُنّ أنها السبيل لتطويع مجتمع بأكمله، كتلاميذ يجرون تمرينا في الإملاء.
الحكاية من البدايات

حكاية لبنان مع الاغتيالات الصحافية، بعيدة، قارب عمرها القرن من الزمن. كل صحافي، أخذ في مماته حكايته الخاصة، وترك للتاريخ حجرا مؤسسا في صرح الوطن. بعض الصحافيين اعتبروا الطرف الأضعف، ليس هناك من يتظاهر ضد اعتقالهم أو موتهم، ولا من يدعمهم في ظل حكم عسكري، اتسم بوضعه قوانين هي في الحقيقة أعراف لا تستند الى دساتير مقررة. البعض الآخر، استُعمل كصندوق بريد، لإمرار رسائل للآخرين، وكمّ الأفواه، وتشبيك الأصابع. المثير للاستغراب والعيب، أن طرفاً ما، كان دوما يتذرع بأن للصحافي المقتول انتماءات “مشبوهة”، أو “عميلة”، حتى قبل تأسيس إسرائيل أو قيام ثورة تموز 1952 في مصر. التهم جاهزة، لجعل الكعكة القاسية سهلة المضغ.
البداية كانت بإعدام الصحافيين محمد المحمصاني وشقيقه محمود شنقاً يوم 21 آب 1915 في “ساحة الاتحاد” التي عرفت لاحقا بـ”ساحة البرج” قبل أن يستقر اسمها على “ساحة الشهداء”. تم ذلك بأوامر من جمال باشا، وقد استتبعت في 6 أيار 1916، بشنق سبعة صحافيين هم: أحمد حسن طبارة (صاحب جريدتي “الإصلاح” و”الإتحاد العثماني”)، سعيد فاضل عقل (أحد أبرز المعلقين السياسيين تلك الفترة، صاحب جريدة “البيرق”، ورئيس تحرير عدد من كبرى الصحف في لبنان كـ”النصير”، و”الاصلاح” و”لسان الحال”)، عمر حمد (كاتب في جريدتي “المفيد” و”الاصلاح”)، عبد الغني العريسي (صاحب جريدة “المفيد”، و”فتى العرب” و”لسان العرب”)،  الامير عارف الشهابي (محرر سياسي في جريدة “المفيد”)، باترو باولي (مدير جريدة “الوطن” ورئيس تحرير جريدة “المراقب”)، وجورجي حداد (صحافي في جريدة “المقتبس”، و”الرقيب” و”لبنان”). في 5 حزيران 1916، انضم إلى القافلة كل من الأخوين الصحافيين فيليب وفريد الخازن صاحبي جريدة “الأرز”، التي سخرت صفحاتها مدافعة عن امتيازات “بروتوكول جبل لبنان”، التي تنكرت لها الدولة العثمانية.
بعد إثنين وأربعين عاما على هذه المجزرة، وبالتحديد عند الساعة الأولى والنصف من فجر الثامن من أيار من العام 1958، ثقبت خمس رصاصات جسد نقيب المحررين السابق نسيب المتني، الذي دفع ثمن جرأة موقفه السياسي والمعارض لسياسات الرئيس السابق كميل شمعون. المعلومات ترددت لاحقاً حول قيام عناصر تابعة لاستخبارات عبد الحميد السرّاج، بتنفيذ الإغتيال بهدف إشعال الثورة ضد شمعون. معركة المتني لم تكن الأولى مع رؤساء الجمهورية، فالنقيب السابق، الجريء والعنيد (انتخب نقيبا للمحررين عام 1947)، كان قد خاض قبل ذلك معركة سابقة دفاعاً عن المبادئ ذاتها ضد عهد الرئيس بشارة الخوري دافعا به إلى الاستقالة في 18 أيلول 1952، تحت ضغط الرأي العام الغاضب والمستجيب دعوات المتني الى إضراب شامل عمّ لبنان ثلاثة أيام متتالية. أصدر المتني صحيفة “التلغراف” اليومية عام 1945 لتصبح الجريدة الشعبية الأولى آنذاك، والأقرب إلى المواطنين.
في مساء الإثنين 16 أيار 1966، اغتيل كامل مروّة صاحب صحيفة “الحياة” ورئيس تحريرها، داخل مكاتب الجريدة الكائنة في الخندق الغميق خلف “التياترو الكبير” في ساحة رياض الصلح. عند التاسعة إلا خمس دقائق، اخترقت رصاصة بطنه، وأخرى رئته. في 28 كانون الثاني عام 1946، أصدر كامل مروة العدد الأول من جريدة “الحياة”، ثم أصدر في عام 1952 “ذا دايلي ستار”، كأول جريدة باللغة الانكليزية في لبنان، فجريدة “لوماتان” باللغة الفرنسية عام 1959. بعد نحو أربعة أعوام على تأسيس “النهار” على يد جبران تويني، انضم مروّة الى الصحيفة البيروتية. شجعه جبران تويني على المضي في مسعاه الصحافي، وأفرد له في مكتب “النهار” في سوق الطويلة، غرفة لإصدار جريدته منها. فابتكر الافتتاحية القصيرة، في زمن المطوّلات أو “المعلقات” الصحافية، كما أدخل المكننة الى دنيا الصحافة في لبنان والعالم العربي، لينال لقب أبي الصحافة العربية الحديثة.
أما غسان كنفاني، الصحافي الفلسطيني والكاتب البارز، فقد افتتحت إسرائيل باغتياله مسلسل تصفيات لعدد من مثقفي منظمة التحرير الفلسطينية. ولد عام 1936 في مدينة عكا بفلسطين، وشغل منصب عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. عرف كصحافي تقدمي جريء، وقد دخل السجن نتيجة جرأته في الدفاع عن القضايا الوطنية أكثر من مرة. كان يمثل كمثقف يساري، تهديدا فعليا وإيديولوجيا للدولة العبرية، وقد استطاع على رغم حياته القصيرة، أن ينجز العديد من الروايات والقصص القصيرة، إضافة إلى مسرحيات تناولت في مجملها المخيمات الفلسطينية والوضع السوسيولوجي والانساني المدقع لسكانها. استشهد صباح يوم السبت 8/7/1972 بعدما انفجرت عبوة ناسفة كانت قد وضعت في سيارته تحت منزله في الحازمية شرق بيروت، ما أدى إلى استشهاده مع إبنة شقيقته لميس حسين نجم البالغة من العمر 17 سنة. وهو عضو في أسرة تحرير مجلة “الرأي” في دمشق، وعضو في أسرة تحرير مجلة “الحرية” فى بيروت، ورئيس تحرير جريدة “المحرر” في بيروت، ورئيس تحرير “فلسطين”، ورئيس تحرير ملحق “الأنوار” في بيروت، وصاحب “الهدف” ورئيس تحريرها في بيروت.
“إن لبنان يشبه لعبة صينية، عندما ترميها، تدور وتدور في الاتجاهات كلها ثم تجلس”، جملة أندره فونتين هذه، لعلها أشهر ما كان يستشهد به إدوار صعب الصحافي الذي لاقى حتفه في 16 مايو 1976 على يد قناص مجهول، حين كان متوجها من الأشرفية إلى مكتبه في الحمراء. رئس تحرير الصحيفة الفرنسية، “لوريان لو جور”، وهو لم يتجاوز السادسة والثلاثين من العمر. كان معروفا بانتقاده لكل الفرقاء اللبنانيين لتقوقعهم على ذاتهم، وعدم انفتاحهم بعضهم على البعض الآخر للخروج بالبلد من عواصفه. إدوار صعب واحد ممن رأوا في لبنان قماشة تتمزقها العصبيات والعشائريات، لكنه آمن بأن لبنان الذي سيفقد السيطرة على نفسه لعشرين عاماً، لا بد أن ينهض في نهاية الأمر ويستعيد كيانه.
في صباح 20 حزيران 1979، اغتيل في بيروت، الصحافي العراقي عبد المجيد وصفي (خالد العراقي)، نائب رئيس تحرير مجلة “فلسطين الثورة” الذي اغتيل بينما كان يوصل إبنته الى روضة الأطفال. كما اغتيل أيضا في العام نفسه مراسل صحيفة “شتيرن” الالمانية كارل روبير ليفر في المنارة، غرب بيروت.
لكن أكثر الميتات بشاعة وسادية كانت من نصيب الصحافي سليم اللوزي. فقد عُثر عليه جثة هامدة في صندوق سيارته المركونة في حرج عرمون جنوب بيروت في 4 آذار 1980، ملقى على بطنه، وفي مؤخرة الرأس طلق ناري حطّم الجمجمة ومزّق الدماغ. أما ذراعه اليمنى فمسلوخ لحمها عن عظمها حتى الكوع، والأصابع الخمس سوداء نتيجة التذويب بالأسيد أو حامض الكبريت، وأقلام الحبر مغروزة بعنف داخل أحشائه من الخلف. هكذا وجدت جثته بعد 8 أيام على اختطافه في 4 آذار 1980، أثناء توجهه الى المطار بعدما حضر جنازة والدته. أصدر مجلة “الحوادث” عام 1956، وعشية قدومه إلى بيروت لحضور جنازة أمه، عرض عليه ياسر عرفات مرافقة خاصة، ريثما يعود أدراجه إلى لندن، لكنه رفض. خاض مع بعض الأنظمة العربية معارك شرسة على صفحات مجلته. وأصدر من لندن مجلة أسبوعية باللغة الانكليزية تحمل اسم  “Events”، موظفاً ومستكتباً فيها أهم الصحافيين الانكليز والأجانب، على رغم انه لا يتكلم الانكليزية ولا يفقه منها شيئاً.
في صباح 23 تموز 1980، كانت سيارة بداخلها عدد من المسلحين،  تطارد سيارة أخرى يقودها راكب وحيد، هو نقيب الصحافة آنذاك رياض طه. المطاردة انتهت لصالح السيارة الأولى، بتكلفة ست رصاصات من النوع المتفجر اخترقت رأس طه، وعنقه وصدره. واضعة حداً لحياة صحافي لامع لعب دوراً بارزاً من أجل تقريب وجهات النظر بين الأطراف اللبنانيين، في عزّ صراعاتهم وتناقضاتهم وانقساماتهم. افتتاحياته في صحيفة “الكفاح العربي” كانت نموذجا واضحا لمواجهة غير متكافئة ما بين القلم والسلاح. كوفئ بأكثر من محاولة اغتيال، وبالضرب والتعذيب إضافة الى السجن، وتعطيل صدور بعض مطبوعاته، كمجلة “أخبار العالم”  التي صدر قرار قضائي بإلغاء امتيازها نهائيا، على أثر مقال بعنوان “خصمي وحاكمي” هاجم فيه رئيس مجلس النواب السابق صبري حمادة. انتخابه عام 1967 نقيباً للصحافة بالإجماع، اعتبر ظاهرة فريدة في لبنان.
في 29 آب من العام نفسه (1980) اغتيل صحافي في جريدة “اللواء” هو يحيى الحزوري في الشياح. وفي 9 تموز عام 1985 سقط  سمير سلام، رئيس تحرير مجلة “الفهرس” مع زوجته وولديه قتلاً في منزله في رأس بيروت. كما الصحافي حسن فخر الذي قتل بقذيفة صاروخية اطلقت على سيارته. كان فخر معروفا كعضو في مجلس نقابة المحررين، وعضو سكرتارية الاتحاد العالمي للصحافيين، قام بتشكيل تيار مناهض لاسرائيل، من داخل الحزب التقدمي الاشتراكي ومن خارجه، وقد أصدر هذا التيار نشرة لم تكن دورية بعنوان “أبناء الجبل”، ووقف بحزم ضد “الخطوط المفتوحة” مع اسرائيل، وقام مناضلوه ببعض العمليات ضد الجيش الاسرائيلي.
“تعذيب شديد وحروق مختلفة، إضافة إلى ست رصاصات من مسدس في عنقه ورأسه، ما أدى الى قلع عينه اليمنى. الرصاصات نفذت من مقدم الرأس الى مؤخره ومزقت السحايا الدماغية وأدت الى الوفاة سريعاً تاركة جميعها وشماً مما يدل على أن عملية التصفية (الجسدية) تمت من قرب”. هذا ما ورد في تقرير الطبيب الشرعي حول الصحافي سهيل طويلة الذي عثر عليه جثة هامدة في 24 شباط 1986 في محلة النورماندي في بيروت حيث مكب النفايات الخاص بالعاصمة. كان قد خُطِف قبل أربع وعشرين ساعة من منزله بعيد عودته من مبنى جريدة “النداء” الشيوعية التي كان يترأس تحريرها، إضافة إلى عمله كمدير عام مسؤول في مجلة “الطريق”. كان أحد الوجوه البارزة في صفوف “الحركة الوطنية اللبنانية”، ومدافعاً عن الثورة الفلسطينية، وحقوق الشعب الفلسطيني في استرجاع أرضه. استهواه العمل الصحافي مذ كان يافعاً، وانخرط أيضاً في العمل السياسي الميداني، فضلاً عن نشاطه الفكري التنظيري في صفوف “الحزب الشيوعي اللبناني”، وتكرّس اسمه لاحقاً واحداً من منظّري “الحزب الشيوعي اللبناني” في عصره الذهبي. إلى ذلك، فقد كان ناشطا في صفوف عدد من الهيئات الإعلامية والجمعيات الثقافية والأهلية، وأحد قادة الرأي المؤثرين لبنانياً وعربياً. كانت افتتاحياته ومقالاته، في “النداء” أو “الطريق”، مرآة عاكسة للفكر الذي آمن به، كما لعبت دور المحرك الأساسي لشريحة من جمهوره اليساري. غداة اغتياله تصدرت افتتاحيته وكذلك خبر اغتياله الجريدة جنباً الى جنب.
بعد أقل من عام على حادثة اغتيال طويلة، وتحديدا في 17 شباط، كان دور حسين مروة الحائز جوائز أدبية عدة منها اللوتس. ثلاثة شبان وقفوا تحت شرفة منزل مروة في محلة الرملة البيضاء. تحدثوا طويلاً قبل أن يصعدوا الى منزله. طرقوا الباب، ففتحت لهم زوجته. سألوها “هل نستطيع أن نرى الأستاذ؟ لدينا موعد”. أجابت: “طبعاً، لكنه في فراشه، لا يستطيع المشي ليخرج إليكم، هلاّ تفضلتم بالدخول الى غرفة نومه”. دخلوا. استقبلهم مريضاً في سريره. أفرغوا في جسده بضع رصاصات. خرجوا من المنزل بهدوء. لم يرأفوا بالحال الصحية لإبن السابعة والسبعين. مروّة لبس العمامة لنحو أربعة عشر عاما قبل أن يخلعها بعد اطلاعه على الفكر الماركسي. أصبح كاتباً لزاوية “مع القافلة” اليومية في جريدة “الحياة” طوال سبع سنوات، إضافة الى كونه أحد أركان مجلة “الطريق”. عيّن رئيسا لمجلة “النهج” الصادرة عن مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي. قال ذات مرة “ولدت شيخاً وأموت طفلاً”.
هو مهندس شعار استقلال 2005، وأحد أهم المفكرين السياسيين في لبنان. كان ذا رؤيا رصينة تجاه الحرية، فلم يقبل بالأمر الواقع والسياسات والاشتراطات المفروضة على لبنان. اغتياله، كان دلالة على استئناف “قنّاص” الصحافيين نشاطه. في صباح 2 حزيران 2005، سمع جيران سمير قصير في الأشرفية، صوت انفجار مقلقاً. هرعوا برفقة ابنتيه ليجدوا سيارة سمير قصير متفجرة وهو بداخلها. ضغط القاتل على زر لاسلكي صغير، لتنفجر عبوة ناسفة كانت موضوعة تحت مقعد الصحافي الأنيق حالما هَمَّ بتشغيل السيارة، متوجها إلى مبنى جريدة “النهار” كي يكتب مقاله الأسبوعي الذي يفتتح به الصفحة الأولى كل نهار جمعة. عرف بإيمانه المطلق بالحرية، وحق الشعوب في التحرر. وظل مشغولا بقضية فلسطين، التي شغلت وجدانه. وكان لا يزال طالباً يدرس الفلسفة السياسية والتاريخ المعاصر في جامعة السوربون، عندما فتحت له صحيفة “لوموند ديبلوماتيك” الشهرية الفرنسية، صفحاتها. ومثلها فعلت صحف ومجلات عربية عدة. لوحق بسبب تحريضه على سياسات الأمر الواقع. وضُيِّق عليه أمنياً، مرات عدة. وضع كتبا في السياسة والثقافة والفكر والتاريخ. ورأس تحرير المجلة الثقافية الفرنسية “لوريان إكسبرس” الصادرة عن “لوريان لو جور” البيروتية. لوحق وهُدّد وصودر منه جواز سفره. كما مُنع بث برنامج كان يقدمه مباشرة على شاشة التلفزيون الرسمي عنوانه “دون تحفظ” في مطلع عام 2000، وذلك بعد عرض ثلاث حلقات فقط.
عند الساعة التاسعة من صباح الإثنين 12 كانون الأول 2005، أي بعد أشهر على اغتيال صديقه قصير، كانت أربعون كيلوغراما من مادة الـ “تي. أن. تي” مزروعة داخل سيارة أعدّت لاغتيال جبران تويني. عندما مرت سيارته في محاذاتها، انفجرت الأولى محولة سيارة تويني لهباً مشتعلاً. بدأ حياته متدرجاً على صفحات “النهار”، لينتقل بعدها الى مجلة “النهار العربي والدولي” الأسبوعية في باريس عام 1978، وليصبح لاحقاً رئيس تحريرها وهو لما يزل في مطلع العشرينات من عمره. عرفت المجلة على يده رواجاً محلياً لافتاً. وفي العام  1993، توجه تويني الشاب صوب الشباب اليافعين “فاتحاً” لهم ملحق “نهار الشباب” الأسبوعي، ليصبح طوال ثماني سنوات منبراً فريداً لكل أطياف الشباب اللبناني. وفي عام 2000، بدأت “النهار” مع جبران الحفيد حقبة ثالثة من عمرها، فمن جبران المؤسس إلى غسان إلى جبران. عمل بجدية على تطويرها تحريراً وإخراجاً وإنتاجاً، فضلاً عن ضخ دماء شابة في أقسامها المختلفة، فجددت الصحيفة التاريخية شبابها، وهي على أبواب السبعين. الافتتاحية الجريئة صباح كل خميس جعلت اسمه على رأس “لائحة الشخصيات المهددة بالاغتيال”، وذلك عقب أول زلزال سياسي – أمني ضرب البلاد عندما اغتيل الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005. شارك أيضا بفاعلية في تنظيم انتفاضة الاستقلال، وأطلق في 14 آذار 2005 قسمه الوطني الشهير. وانتخب في 29 أيار من العام نفسه (2005) نائباً عن الدائرة الأولى في بيروت، ليجمع بين يديه الصحافة والسياسة قبل أن تنال منه يد القتلة. يتذكر “النهاريون” القدامى جيداً عندما تبنت صحيفتهم حملة عنيفة ضد رئاسة الجمهورية، في عهد الرئيس شارل حلو  (1964- 1970). حينها، سأل أحد المستشارين حلو: “لماذا لا تقيم دعوى قضائية على النهار؟” فجاء جواب الرئيس قاطعاً: “لا أستطيع لأن دولة النهار أقوى من دولتي”.
مازن معروف

المراجع:

1-  مقالات مختارة حول اغتيالات الصحافيين في لبنان.
2-  كتاب “أيام القتل العادي”  تأليف وضاح شرارة،  دار النهار للنشر.
3-  كتيب “إغتيال عمر راجح”، إصدار “فرقة مقامات للرقص المعاصر” حول اغتيالات الصحافيين في لبنان.
4-  كتاب “مئة عام بالحبر الأحمر”، إصدار “مهارات” بالتعاون مع منظمة الإسكوا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى