صبحي حديديصفحات العالم

‘ويكيليكس’: افتضاح جديد أمريكا القديم

null
صبحي حديدي
بين فضائل برقيات ‘ويكيليكس’ أنها تمنح المرء شهادة حسن سلوك، أو حسن تكهّن بالأحرى، إذْ توفّر له وثيقة محسوسة عن سلوك أمريكي رسمي كان واضحاً كعين الشمس، بيّناً ومنطقياً، ما خلا أنّ الدليل عليه ظلّ غائباً، أو مغيّباً في واقع الأمر. وعلى سبيل المثال، بتنا اليوم نملك ما يكفي من تقارير وبرقيات وتقديرات حول تلك الخديعة الكبرى، التي انخرط فيها بوش وكبار مساعديه وبعض رجالات الصفّ الأوّل من ‘المحافظين الجدد’، والتي سُمّيت ‘نقل فيروس الديمقراطية إلى العرب’، من خلال احتلال العراق، وإقامة نظامه الديمقراطي غير المسبوق، ثمّ تصديره إلى الجوار بطريق الإغواء أو القسر أو العدوى.
فلنتذكّر، مرّة بعد مرّة، هذه الواقعة التي لا تتقادم دلالاتها مع تقادم صانعيها، أو اختفائهم من المشهد المباشر: حين ارتأى الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الانحناء أمام ‘الإلهام الربّاني’، الذي أراده (وعلى ذمّته: كلّفه) أن يجتثّ شرور الشرق الأوسط من جذورها، وأن يرسل منّ الحرّية وسلوى الديمقراطية إلى شعوب المنطقة البائسة الجائعة؛ فإنّ أوّل خطوة خطاها بوش على درب تلك الحملة الصليبية الخيّرة كانت قراءة كتاب ‘حجّة الديمقراطية: جبروت الحرّية في التغلّب على الطغيان والإرهاب’، لمؤلفه ناتان شارانسكي، السياسي الإسرائيلي والمنشقّ السوفييتي السابق! ولعلّ بوش لم يجد في هذه القراءة أية مفارقة أخلاقية، من نوع نصح المقهور العربي باعتماد فلسفة القاهر الإسرائيلي، بل رأى العكس تماماً، وربما وعلى مبدأ: داوها بالتي كانت هي الداء!
ولنتذكّر، كذلك، وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس، حين رطنت عن ‘مخاض شرق أوسط جديد’، وكانت في الآن ذاته تصمّ آذان الإدارة عن البربرية الإسرائيلية في سائر لبنان، بل تشجّع على المضيّ أبعد في الهمجية وأسرع في التدمير. ولم يكن كافياً أنّ المشروع ‘الجديد’ ذاك كان محض طبعة متأخرة ـ لكي لا نقول: نسخة الكربون ـ من ذلك ‘الشرق الأوسط الجديد’ الذي حلم به شمعون بيريس: رؤيوي السلام، وحامل ثلث نوبل السلام، وجزّار قانا، ومجرم حرب عملية ‘أعناب الغضب’… هنا، في جنوب لبنان ذاته.
ومن جانب آخر، ما الفارق بين الشرق الأوسط الجديد عند بوش الابن، وذاك الذي كان حجر الأساس في ما أطلق عليه الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب تسمية ‘النظام الدولي الجديد’، عشية عمليات ‘درع الصحراء’ و’عاصفة الصحراء’ ومؤتمر مدريد حول السلام العربي ـ الإسرائيلي؟ في صياغة أخرى: هل طُوي ذلك النظام؟ وإذا صحّ أنه طوي، فهل لأنّ النظام استنفد أغراضه جمعاء، ام لأنه لم يستنفد منها قسط الحدّ الأدنى، فكان محتماً أن يتآكل ويهترىء ويتفكك ذاتياً؟ وبالطبع، لا مناص من الصياغة الثالثة للسؤال ذاته: لماذا توجّب أن تنجح رايس في إنجاز نظام شرق أوسطي جديد، فشل في تحقيقه وزراء خارجية أمريكيون سابقون من أمثال جيمس بيكر، وارن كريستوفر، مادلين ألبرايت، وكولن باول؟
لم تكن هذه الأسئلة ميكانيكية، أو حتى مدرسية، أو تحصيل حاصل، إلا عند الذين يعتقدون أنّ السياسات الأمريكية الكبرى، بصدد الشرق الأوسط تحديداً، يمكن أن تشهد طفرات حاسمة بمثابة منعطفات جوهرية، أو تبدّلات تكوينية بمثابة انقلابات رأساً على عقب، أو ما أشبهها وكان منها مدانياً. وعلى سبيل المثال، هؤلاء أوّل مَن ستصيبهم الصدمة ويأخذهم الروع إذا اكتشفوا أنّ اقتداء بوش بديمقراطية شارانسكي، فضلاً عن جميع استلهاماته ‘الربانية’ حول الخير والشرّ، طُويت (حتى قبل أن تتجسد بأيّ معنى واقعي عملي) بلسان الوزيرة رايس نفسها، في تبشيرها بشرق أوسط جديد. وهؤلاء، في المقام الثاني، أوّل خائبي الرجاء من ذلك اللغط الأمريكي الذي تعالى عشية غزو أفغانستان والإعداد لغزو العراق، حين أشاع البيت الأبيض أنه بصدد الانتقال من سياسة عقد صفقات التسوية مع أنظمة الإستبداد بذريعة ترجيح مبدأ الإستقرار حتى على حساب الشعوب، إلى سياسة الانفتاح على الشعوب البائسة ذاتها وتزويدها بمختلف الصادرات الديمقراطية، شاءت الشعوب استهلاك تلك الصادرات أم أبت!
ولأنّ إيران بدت عاملاً أساسياً في التخطيط الأمريكي لاستئناف شرق أوسط قديم، تحت مسمّى ‘الجديد’ القديم بدوره، فإنّ ما شهده لبنان اليوم من بربرية إسرائيلية لم يكن منقطع الصلة عن تلك الحرب الإيرانية ـ الأمريكية التي تتكدس عوامل اندلاعها يوماً بعد يوم. وبهذا المعنى يفهم المرء سخط بعض الساسة الإسرائيليين لأنّ الدولة العبرية بدت وكأنها، في قتال ‘حزب الله’، إنما تقاتل بالنيابة عن الولايات المتحدة، أو تخوض بالتفويض حرب البيت الأبيض ضدّ آيات الله الإيرانيين… في العراق! ولكن لأنّ إيران ليست جمعية خيرية لإغاثة المستضعفين في الأرض، وتسليحها النوعيّ العالي لـ ‘حزب الله’، كما اكتشف البعض بانبهار وعجب، أشبه بتسليحها لجيوشها الوطنية دون كبير نقصان؛ فإنّ آيات الله سعوا بدورهم إلى أن تكون معركة ‘حزب الله’ ضدّ الاحتلال الإسرائيلي امتداداً لمعاركهم ضدّ واشنطن، في الآن ذاته. وتلك، كما هو معروف، ليست معركة تخصيب اليورانيوم وحدها، ولا معارك تصدير الديمقراطية إلى إيران فحسب، بل معارك قوس الإسلام العريض كما تسعى طهران إلى إعادة رسمه بما يكفل تحويله إلى ساحة ستراتيجيات متصارعة.
واليوم، تقودنا برقيات ‘ويكيليكس’ إلى قطع الشكّ باليقين في أمر السياسات المراوغة التي اعتمدتها إدارة الرئيس الأمريكي الحالي باراك أوباما، بين مداهنة المسلمين في خطبتَيه أمام البرلمان التركي ومن جامعة القاهرة، في العلن؛ والإمعان أكثر فأكثر في تخريب العلاقات مع العالم المسلم من خلال تحويل إيران إلى شغل شاغل أقرب إلى الهوس اليومي، واستقبال التحريض عليها، أو تصنيعه أو الإيحاء به، هنا وهناك في المنطقة. كأنّ ما تغيّر على مستوى الافراد في البيت الأبيض، ظلّ ثابتاً أو يكاد على مستوى السياسات، لا سيما خطب ودّ الدول أو رشوتها كي تمرّر مشاريع عقوبات اقتصادية أقسى فأقسى على إيران في مجلس الأمن الدولي.
المثير، إذْ نظلّ في الحقل التاريخي والدلالي لحكاية الجديد/ القديم هذه، أنّ الشطر الإيراني من تفاصيل مفهوم ‘الشرق الأوسط الجديد’ قد يكون محض طبعة جديدة ـ وإنْ مبتذلة تماماً ـ من النظرية العتيقة الشهيرة حول الإحتواء المزدوج، الآن إذ يبدو عراق ما بعد صدّام حسين وكأنه جدير بطراز من الاحتواء لا يقلّ ردعاً عن عراق صدّام حسين، أو أشدّ ربما! ونتذكّر على الفور أنّ حصاد مفهوم الإحتواء المزدوج ظلّ يعتمد على أكثر من حرث وبذر واستنبات، ولكن الغلال ذاتها بقيت أسيرة المجهول، أو مستنقعات الوحول. لكنّ المفهوم كان جذاباً على الدوام، ولهذا تراخى وتمطى واتسع حتى اختلط في نطاقه الحابل بالنابل، واضطرّ صاحبه الأصلي (مارتن إنديك) إلى مراجعته مراراً، وإلى تسليحه بأسنان قاطعة حوّلها بعض المحافظين الجدد إلى حملات صليبية مستدامة.
وحين شاءت إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون فتح ‘حوار’ مع طهران، صيف 1998 وبعد محاق مفهوم ‘الردع المزدوج’ على يد أولبرايت وأنتوني ليك مستشار الأمن القومي الأسبق، كان البيت الأبيض يسعى ضمناً إلى اختراق قوس الإسلام الافتراضي ذاك، من خلال نزوع الرئيس الإيراني الإصلاحي محمد خاتمي إلى الحوار. آنذاك أطلقت أولبرايت تلك العبارة الشهيرة: ‘واضح أن عقدَين من انعدام الثقة لا يمكن محوهما في ليلة وضحاها. الهوّة بيننا ما تزال واسعة. ولكن الوقت قد حان لاختبار إمكانيات جسر الهوّة’. ومفردة ‘بيننا’ هذه كانت تعني الإدارة الأمريكية والحكومة الإيرانية، وتعني في المدلول اللغوي المباشر إمكانية قيام حوار بين فريقين يتحاوران بوصفهما اثنين على وجه الدقة، وليس بوصف واحدهما دولة عظمى نصّبت ذاتها حارسة على قِيَم الإنسانية، وشرطية ساهرة على أمن البشرية واستقرارها؛ وثانيهما دولة ‘رجيمة’ مشاغبة، تعادي تلك القِيَم، وترعى الإرهاب، وتصدِّر الثورة الإسلامية!
ولقد توفرت إسهامات صامتة، أو مكتومة، من مستشار الأمن القومي آنذاك ساندي بيرغر، الذي امتدح ميل الرئيس الإيراني إلى الاعتدال والحوار، وذمّ ميل خصومه إلى التشدّد والخصام. كما توفرت إسهامات أخرى صاخبة صائتة من بروس ريدل، المسؤول آنذاك عن ملفّ إيران في مجلس الأمن القومي، الذي كان يصبّ دلواً ساخناً تارة حين يذكّر إيران بمواقفها من الجماعات الاسلامية والسلام العربي ـ الاسرائيلي وبرنامج بناء الأسلحة الصاروخية، ودلواً بارداً طوراً حين يقول: ولكن إيران هي إيران أيها السادة، بموقعها ودورها وماضيها وحاضرها، بتطوراتها الحبلى! ومع ذلك فإنّ الحوار لم يسفر عن تجسيد أيّ من معنيَيْ مفردة ‘بيننا’ تلك، وانتهى إلى فشل ذريع لعلّ أبرز نتائجه كانت إضعاف خاتمي وفريقه، وتمهيد الأرض لمجيء أمثال أحمدي نجاد.
اليوم أيضاً، تفيدنا برقيات ‘ويكيليكس’ أنّ إدارة أوباما، في شخص وزيرة الخارجية هيلاري كلنتون، وفلسفة دنيس روس المتشددة المطالبة لعقوبات اقتصادية أقسى، ظلّت تماطل وتراوغ، فكانت بذلك تواصل السياسة ذاتها التي اعتمدتها إدارتا كلنتون وبوش. وهكذا، كيف يمكن لشرق أوسط جديد، يولد بالضرورة من رحم القديم كما للمرء أن ينتظر منطقياً، أن يستوعب إيران الراهنة، وبأيّ الوسائل: الحرب، أم السلام؟ التسويات، حتى على حساب عذابات الآخرين وفي باحاتهم، أم المجابهة؟ في قُمْ وطهران، أم في كربلاء وبنت جبيل؟
هذه، على الأرجح، لم تكن أسئلة البيت الأبيض فحسب، بل هي كذلك أسئلة أصحاب القرار الأعلى في طهران (مرشد الثورة الإسلامية آية الله علي خامنئي أولاً، ولكن ليس أحمدي نجاد ثانياً بالضرورة!)، وأسئلة بعض الحكام العرب الذين أصابتهم أو ستصيبهم مكرمة ـ أو شظية… حسب واقع الحال! ـ إذا ما انخرطوا في تصنيع هكذا شرق أوسط جديد. وبفضل ‘ويكيليكس’ تأكدنا من ازدواجية مواقف جبهة ‘الاعتدال’ كما مثّلها العاهل السعودي عبد الله بن عبد العزيز، وجبهة ‘الممانعة’ كما مثّلها بشار الأسد، تجاه الملفات إياها: إيران، ‘حزب الله’، ‘حماس’.
الثابت أنّ رجالات البيت الأبيض الذين استعاروا من شارانسكي أو بيريس بضاعة تصدير الديمقراطية وتصنيع شرق أوسط جديد، كانوا مثلهما غير مكترثين بالحقائق الدامية على الأرض، قدر تبشيرهم بكيمياء سحرية كفيلة بأن تقلب الكابوس الأسود إلى حلم وردي. وإذا كان بيريس قد أبدى استعداده للتضحية بأغلى الصور على قلوب الإسرائيليين الأوائل (أي صورة المقاتل الذي يحتضن رشاش الـ ‘عوزي’، وسط حقل الشعير أو بيارة البرتقال)؛ فإنّ أمثال رايس في التعليق على حرب تموز (يوليو) 2006، أو صمت أوباما إزاء الحرب على غزّة بعدئذ، ثبّتوا الصورة المعاكسة في واقع الأمر: إسرائيلي همجية، يحرق الأخضر واليابس.
وأغلب الظنّ أنّ الولايات المتحدة، على منوال فرنسا وبريطانيا وديمقراطيات أخرى عريقة، لا تتكالب على ‘ويكيليكس’ من باب حفظ ماء الوجه فحسب، وإنما لإعادة إراقة الماء ذاته، ولكن في خلائط جديدة/ قديمة!
‘ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى