صفحات ثقافيةعلي جازو

الشعر لا يثق بأيّ حقيقة: كل الحقائق مفزعة لأنها ميتة

null
علي جازو
أيصلح اعتبار الحقيقة مصدر كل شعر؟ متى كان اهتمام الشاعر بالحقيقة أمراً جدياً وملحاً؟ ما الذي يجعل الشعري ممتلئاً بـ”الحقيقة” من دون أن يقولها بالحسم والجزم اللذين يكفلان كل حقيقة ويجمدانها كما لو كانا الطوق الذي يحمي الحقيقة ويخنقها في آن واحد؟ أليست أرض الحقيقة هي نفسها أرض انعدام كل إمكان آخر؟ لا تصنع المدارس التي تبجل الحقائق شاعراً قدر ما تدجنه. تبعد المدارس، حيث تخشبت المخيلة، كل شاعر عن لغة قلما وجدها في الكتب المدرسية والحقائق المنهجية. الشعر الذي لم يكن ابن مدرسة من الأفضل له ألا يكون سيدها ولا شيخها العجوز. لكن الحقائق والوقائع التي تلمس وترى وتعاش ويحلم بها، هي التي تكون المادة الخام لكل عمل شعري. الحقائق التي تفرض قوتها على قلب المرء يمكن أن تأتي من أمكنة غير حقيقية. يقوم الشعر بنوع من الاستعادة المستحيلة لما انقضى زمنه، أو هو يتصور ما لم يأتِ بعد، لكنه يشتعل في النفس التي يزيدها الشغف قوة ورغبة. إذا كان من مدرسة فهي العراء المانح والمساحة الآكلة والظل المرافق والصحبة العميقة والنوم الحاكم واليقظة المشرقة والخوف المهيمن.
•••
لا تتوافق الحقيقة مع الإرادة، فالإرادة تتجلى عبر حرية الاختيار، ويتركز عمل الشاعر على الإرادة كفضاء اختيار مفتوح، وهذا الفضاء لا تسمح الحقائق لأي كلمة، كلمة وعي، بدخوله. إنني أركز هنا على ربط الإرادة بالحرية وانفصال الحرية كإرادة اختيارية عن مجال الحقائق التي لا يمكنها البتة أن تتوافق مع الحرية. إن الحقيقة لا تسبق الوعي بها فقط، بل هي تمنع أي وعي آخر. وكلما قل ميل الحرية في العمل، ضعف وتهاون. لربما تغري أسباب الضعف هذه، من عزيمة من فقدوا كل عزيمة، فأنشأوا على دروب السهو التي تنشطها الحقائق قصائد خارج الزمن الفعلي، لكنها تبدو متيقنة من زمنها المجرد الذي يناسب كل وعي بالحقيقة ويقف عندها جامداً ومجرداً عن نفسه كوعي وإرادة لا رابط لهما بأي وجود سابق.
•••
إن السياق الذي يتحرك فيه ذهن الشاعر كوعي، وذاكرته كحامل، وجسده كإحساس مباشر، هو الوعاء الذي يمنحه الصوت والحضور. الجسد يسقط لحظة تلو أخرى، وفي هذا السقوط يجد كيانه. يفضي السياق هذا إلى نوع من الغياب أو الإلغاء أو الحس العدمي، فثمة أمكنة لا تعترف بأي دور للشاعر، وهي ذاتها الأمكنة التي تغدو فيها كتابة الشعر أكثر ضراوة لأنها أشد يأساً وفقراً وحاجة. لا نموذج لتنجز فيه أي كتابة، ومن شاء السير على طرق سابقة فلن يصل إلا حيث انتهى كل طريق إلى أبواب مغلقة. الكتابة نفسها، بما هي جهل وانطلاق من فراغ أولي، مكان متخيل قدر ما هو قريب. وليست قراءة الشعر أصعب من كتابته، لكن جعله في مدار اليومي والحميم يحمل نوعاً من التأطير المسبق لكيانه غير المكتمل بعد، ذلك أن الولادة مجهولة كما هو الموت، غير أنهما حاضران بقوة وجودهما المرجأ والمبطن في كل وقت وكل مكان. ترى، ممَّ تنبع القصيدة، أهي ابنة العين التي ترى أم تخاف أم تخشى أم تتذكر أم ترغب؟ أهي من مادة الصوت الذي يسمع أم الصوت الذي ليس له أي مكان ليسمع؟ لطالما كان الشعراء غرباء منبوذين ومحبطين، فلِمَ ينبغي الآن أن يحصلوا على منح ويوهبوا مزايا وتكون لهم اتحادات ومنظمات؟ إن بقاء الشعر مفصولاً عما هو معاصر، بقاء في الصمت الذي يفصل كل صوت عن مادته، يفصله لا ليبعده قدر ما يحميه بقوة أحنّ ولطافة أقدر على حماية الصوت كصوت، لا كممر يمكن الكلمات عبره أن تولد وتزال باللحظة نفسها. إن الزمن الذي يمتص جسد الشاعر، هو ذاته الذي يمنحه كلمته الأقرب إليه. هكذا يأتي الشعر مما يختفي ويقلق ويبتعد. يأتي الشعر من المرارة التي لا تمحى، ومن العرفان الذي لا يشيخ، ومن الوحدة التي لم تكن قط سوى المكان اللغوي الأجدر بكل شاعر، الوحدة الهائلة التي لا تكون شخصية قدر ما تمحى فيها كل شخصية بغرض خلق قادم، وإن كان على جسد ممحو وخوف كتيم. إن أولئك الذي يتساهلون مع استعمال الكلمة، هم أنفسهم الذين يمسخون الشعر إلى اليومي والعادي والحميم. ألا يمكن أن يأتي الشعر من نفور قوي، من إسراف وانفعال هائجين؟
•••
النفور الذي يحمل قوة الرفض، حقيقة فعلية ومعيشة أكثر مما نتوقع. الانفعال الذي يحضن الحقائق يلويها ليأخذ منها صمتها وعجزها. إذا كان ثمة ما يغري في الحقيقة فهو العجز الذي منه تُصنَع الحقائق. إن ما يفتن الشاعر، عجز الحقيقة لا قوتها ولا صدقها ولا رواجها، فما يروج سرعان ما يتعفن، وما يصدق اليوم يجد الكذب غداً، وما نراه قوة ليس سوى ستار من الحجج الملتوية على نفسها.
•••
عندما نفكر في الكلمات التي تصنع قصيدة، نغفل عن المادة الخرساء التي تدفع الكلمات إلى الظهور. إن هذه المنطقة المعتمة المحرضة المغرية، هي التي تحرّك فينا رغبة بناء كلمة قرب كلمة. منطقة مجهولة وجديدة، لأننا لم نعرفها بعد، فكيف يمكن بمعيار الحقائق المعروفة إنشاء رباط ما بين ما لم يولد بعد وما سبق أن ولد وانتهى في استقرار المعرفة بالحقيقة، ذلك الاستقرار الذي لا ينمّي شيئاً غير ركود الحس وحبس العاطفة أو إعادتها إلى الوراء، إلى نوع من الإحساس المشترك الأليف، ذلك الذي لا يقول شيئاً، لأنه سبق أن قال كل شيء.
•••
ما الذي يربط العين بالصورة، مرئية أم متخيلة. ما الذي يمكن الرؤية، الرؤية البصرية المرافقة كل كائن، أن تقدم الى الشاعر. الصور لا تتكلم، لكن الكلمات لا تتوقف عن إصدار صوتها. العلاقية الملتبسة بين العين والفم، هي العمق الذي يظل عصياً وجاذباً على الدوام. ليس حقيقة ما نرى هي التي تؤثر فينا، بل العاطفة التي لم نختبرها من قبل، ذلك الإحساس المدهش الذي لا يكفّ عن دفعنا إلى تسميته بما لم يسمَّ بعد.
•••
لا يمكن الشعر أن يثق بأي حقيقة. الحقائق مفزعة لأنها ميتة. لكن موتها يساعدنا في معرفتها، المعرفة التي تجعلنا ننظر إليها من فم النهاية حيث لا ضوء يمكنه مساعدتنا طالما كانت الوحدة هي الفم الذي عبره يختفي كل صوت.
•••
يولد الشعر من ظلام هذه القرابة الآسرة، من المعرفة الشبحية التي تغطي الحواس من دون أن تستنفدها، ومن الفزع الذي يتعلق بكل حقيقة من دون أن يلغيها. ما وجدت القصائد لتحارب الحقائق ولا حميتها. يتحرك الشعر، كما هو جسد الشاعر، وسط هذه المياه المعتمة، عارفاً أن الغرق يغمر كل ما حوله كما يحمل الزمن عبر مروره كل حطامه وكل عظمته. يعرف الشاعر أنه لم يكن يوماً من هذه الأرض التي يسقط في عتباتها، وإنه لن يكون يوماً ممن ينقذها. إنه غريب، وقوة شعره من بقائه في المسافة التي لا تسمح لآلات الحاضر المرهفة والسريعة بأن تأخذه إلى شيء سوى مكان الكلمة، المكان المحمي بالجرأة والشغف، حيث الكلمة الباقية، الارتعاشة السخية التي هي الوعي والانفعال والشكل والجسد في لحظة واحدة، لحظة انبثاق ربما ينتظرها الشاعر طوال حياته.
•••
تأتي كتابة الشعر من مركز، وهذا المركز مجهول. الرغبة التي تدفع أحدنا إلى الكتابة ضرورية وأساسية بالقدر الذي يحفزنا الجهل ويدفعنا إلى الإقامة في هذا المركز، على رغم عدم قدرتنا على البقاء رهين الغرابة التي يضفيها كل جهل على كل مكان. عدا ذلك، فإن الرغبة تجهل الحقيقة. كل رغبة مشغولة بنفسها في مكان يقع خارج المكان الطبيعي الذي يبقى الحاضن لكل مكان داخله. الطبيعة بالنسبة الى الرغبة هي الإطار بالنسبة الى الوحة، والمكان الذي يحملنا لا يمنحنا شيئاً ما لم نملأه من الداخل.
•••
وحدها الغريزة، سبب الخوف وعامل البقاء الأصلي في وجه الفناء، وحدها يمكن أن تصون الشعر وتطلقه.
•••
البديهة، يا لسرعة طفوها على وجه كل غريق. البديهة التي يحلو للبعض مساواتها بالشعر، فطرية وعفوية وتلقائية، لا علاقة لها بالحقيقة. فالحقائق مصنوعة بطريقة تبدو كأنها بدائه بلا حاجة إلى رؤية مختلفة. هنا تظهر خطورة الحقيقة في أخذها مظهر البديهة التي تظل متحركة في المدى المغلق الذي تصنعه الحقيقة لنفسها. الذكاء لا ينطلق من الحقيقة طالما أنه لا يعتمد عليها ولا يسعى صوبها. وإن الذي يربط الشعر بقوة إلى الذكاء، هو قوة الفكر الماكث خلفهما، تلك القوة المتأتية من ذهنية لا يعينها الرضا في شيء، ولا تحملها المتعة إلى أي مكان. لا تأتي القوة هذه من البديهة ولا من الحقيقة. ذلك أن البديهة لا تحتاج إلى فكر قدر حاجتها إلى مطرح تعيد فيه توليد طاقتها ذات البنية السكونية والمستسلمة. الراحة والكسل يناسبان كل البدائه في حين أن الشعر هو في الأساس عمل دقيق وصعب، ينزع عن الفكر جلاله الذي لم يكن سوى قناع، وهو ينطلق من قوة معاكسة لكل البنى الراكدة التي تتماهى مع الحقائق البديهية والأقنعة التي نفشل في تبديلها قدرتنا على الفشل الذي يمنعنا من إيجاد روابط جديدة ليست هي قط مما اعتدناه من سأم وكسل لهما ما لهما من سخف ورواح في المكان ذاته. تصلح اللعنة بداية، لا فطرية، كما يصلح الصفر عواء الروح ضد جسدها، غير الميكانيكي ولا الحتمي، مقياساً لكل عدّاء كانت المسافة إغراءه وحتفه في آن واحد.
•••
يأتي الشعر من الموت وألم الشر، من الفزع والتيه. وإذا كان من خير هنا، فهو خير الفانين ولطف اليائسين، وإن منحنا ملكة الشر السخي وقتاً لقوله فليكن الصمتَ الذي به نتجاوز الخير والشر معاً، خلف كل فرق، كما قال جلال الدين الرومي، “هناك حقل. تعالوا نلتقِ هناك”، لا لنساوي الليل بالنهار، ولا لنتبادل الأقنعة التي يمنعنا اهتراؤها من تحريكها، بل لنعصر قلبَ الزمن كما تعصر الفصولُ أوقاتَها على جلودنا وثيابنا.
النهار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى