صفحات مختارة

دفاع عن الحرية- محاكمة ليلي بعلبكي في بيروت الستينات

null

دفاع عن الحرية

إن محاكمة ليلى بعلبكي هي الأول من نوعها في تاريخ القضاء اللبناني، وهذه هي المرة الأولى التي يحكم كاتب عن كتاب ألفه“.

هذا ما قاله محسن سليم، محامي الآنسة بعلبكي في قضية كتابها “سفينة حنان إلى القمر“.

وكانت المؤلفة قد قدمت بمجموعتها (وقد نشرت إحدى قصصها، التي سمي الكتاب بكامله باسمها، أولاً في (حوار) إلى مسابقة جمعية أصدقاء الكاتب للقصة القصيرة في العالم الفائت، ولم تربح الجائزة. وقد شاعت آنذاك أقاويل كثيرة عن أسباب، لا علاقة لها بالأدب، حرمت هذه المجموعة من الجائزة. ألا أن قضية الكتاب طرحت الموضوع على بساط البحث من جديد، ونشر أحد أعضاء اللجنة المكلفة بمنح الجائزة مقالاً ذكر فيه أن اللجنة كانت قد قررت بالاجتماع منح الجائزة لليلى بعلبكي لكنها رأت إن تحجب الجائزة عنها لأن كتابها (فيه شيء من الحرية الأدبية لم تصبح مألوفة بعد في الأدب العربي إلى الحد الذي يسمح للجنة بتحميل الدولة مسؤولية الجائزة!)

ومضت ثمانية اشهر منذ صدور الكتاب، مرخصاً به من وزارة الأنباء (ومضت أشهر أطول منذ صدور القصص التي يضمها مبعثرة في المجلات)، وقيل فيه الكثير. وفجأة، قامت السلطات بمصادرة الكتاب من ناشره ومن المكتبات المختلفة، واحتجزت شرطة الأخلاق المؤلفة ثلاث ساعات ونصف الساعة واستجوبتها، وأحالتها إلى المحاكمة.

وكان السبب المباشر لذلك تعليقاً ورد في مجلة (صباح الخير) القاهرية بإمضاء معلقة اسمها (نادية). فاقتبست في تعليقها مقطعاً من أربعة اسطر ورد في الكتاب (وجاءت فيه كلمة (لحوس) التي لعبت فيما بعد دوراً رئيسياً في القضية) واختتمت كلمتها القصيرة بقولها: (شعرت بقشعريرة وبتقزز، وقلت لنفسي بضيق: ياست ليلى بعلبكي، لحوس إيه، وحام إيه، وطرية وناعمة إيه، وأدب إيه؟ ملعون هذا الأدب يا شيخة!)

وقد نقمت بعض الصحف في بيروت على اهتمام السلطات فيها بملاحقة الكتاب لمجرد نشر نقد له في مجلة (صباح الخير) بالذات. ووجدت نوعاً من (العدالة) في أن إحسان عبد القدوس نفسه، صاحب هذه المجلة، تعرض فيما بعد مشاكل مماثلة في القاهرة لروايته الجديدة (أنف وثلاث عيون)، التي قال المستشار في إدارة قضايا الحكومة في القاهرة في عريضة الدعوى أنها (تتضمن انحلالاً وتحطيماً لكل القيم الإنسانية والروحية والخلقية والدينية، فضلاً عن منافاتها لأبسط قواعد الآداب العامة). وربما كانت مثل هذه الملاحقات في بال الأستاذ عبد القدوس عندما كتب في زاوية له في (روز اليوسف): (كارثة على الأدب العربي على وشك أن تهب. وعندما تمتد يد غير المختصين وغير الفاهمين لتحاول أن تخنق إنتاجاً أدبياً، فهي كارثة. ليست كارثة على واحد من الأدباء، ولكنها كارثة على كل الأدباء، وعلى الأدب).

وقد وصفت الآنسة بعلبكي استجواب مفوض الشرطة لها:

لم أتمكن من إخفاء استغرابي وهو يسألني: لماذا تكتبين بهذه الطريقة؟ وسألت نفسي هل يحق لأحد أن يسأل فناناً لماذا يكتب هكذا؟ بصوت مرتفع أجبت: لأنني اعتبر نفسي أتمتع بحرية الرأي والفكر والعمل الممنوحة لكل شخص في لبنان.

سؤال: ألا يتهيج المراهقون بعد قراءة كتابك، ويجب مصادرته؟

جواب: الكتاب يتكلم عن البشر، عن الناس، عن الأشخاص، في هذا البلد. يصور الواقع بطريقة أدبية فنية. وإذا كانت تجب مصادرته فالأصح أن تصادر البشر هنا، لأنهم مادته

سؤال: لماذا استعملتي هذه الكلمة بالذات؟ جواب. لم اجب. بماذا أجيب؟ هل علي أن أفسر لماذا استعملت هذه الكلمة بالذات، لا تلك، لحظة خلقي الفني؟ من هو الوصي على الموهبة هنا عندنا في لبنان؟ من؟ شرطة الأخلاق؟ من هو المحاسب؟ من هو المعاقب؟

ثم افتراء. افتراء أخذ كلمة واحدة ونزع ما قبلها وما بعدها وحصر التهمة بها.

وانتهى الاستجواب، والدقائق ثقيلة تزحف في عيني، والصمت يزيد غضبي واستنكاري الأخرس. كان المقصود أن يشعرني بالخجل مما اكتب، والذنب. أحسست فقط أنني وحدي في غابة، وكنت مليئة بالحزن، حزن كبير يغرق العالم.

وسرعان ما جاء ردود الفعل بين الأدباء والمفكرين والفنانين. وكان أبرز هذه الردود بيانين هامين، جاء في أولهما:

نحن الموقعين نؤكد أيماننا بحرية الفكر وتمسكنا بكرامة الكاتب، ونعتبر كل تعرض لهما أو تعد عليهما امتهاناً لحرمة الخلق والإبداع، ولذ استنكر مصادرة كتاب الأديبة ليلى بعلبكي، كما نستنكر استحضار الكاتبة واستجوابها أمام شرطة الأخلاق، ونرى في هذا التدبير ما يجاوز موضوع كاتب معين أو كاتبة معينة إلى صميم الحرية الفكرية التي هي القوام الحيوي لمختلف وجوه النشاط في لبنان… ونحن على يقين أن الحرية الفكرية التي نعلن تعلقنا بها إنما هي متنفس الأدب الحق، فضلاً عن كونها من أهم الأسباب لتبلور القيم الروحية ولتفجير الطاقات الخلاقة على مستوى الأفراد والجماعات.

وجاء في الثاني:

يعتبر مفهوم الحرية بأبعاده كافة، وخاصة حرية الفكر والرأي والتعبير الفني، جزاءاً لا يتجزأ من وجود لبنان. ولقد وقع بالأمس ما يعتبر تجاوزاً على حرية التعبير عندما قامت الدولة ممثلة بالمحقق وشرطة الأخلاق بمصادرة كتاب ليلى بعلبكي بتهمة الإخلال (بالأخلاق العامة) وبالتحقيق مع صاحبته من قبل شرطة الأخلاق في مركز الشرطة، وتلا ذلك مصادرة الكتاب من الناشر ومن المكتبات كافة.

إن هذا الأجراء يدعو إلى التساؤل عن ما هي الرقابة في لبنان، وعن الجهة المسؤولة عنها: أهي شرطة الأخلاق، ومسؤوليتها كما نعلم ذات (طبيعة خاصة)، أم جهاز للرقابة ملحق بوزارة الأنباء يقوم بمراقبة الأعمال الأدبية على أساس تقيمها فنياً والنظر إليها على ضوء ما تقتضيه المصلحة العامة؟

وقد وقع البيانين حوالي خمسين أديباً ومفكراً وفناناً.

وبالإضافة إلى هذين البيانين كتب الكثير من الأدباء في موضوع الكتاب بالذات والقضية بوجه عام. فبعث الأستاذ خليل تقي الدين، سفير لبنان في لندن، وهو أديب معروف، بتقرير إلى وزارة الخارجية جاء فيه:

ولا اخفي عليكم أنني استغربت كما استغرب الكثيرون في خارج لبنان وفي داخله أن تقدم شرطة الأخلاق والنيابة العامة على مصادرة كتاب كهذا وملاحقة مؤلفته بحجة أنه مخالف الأدب في بلد كلبنان كان ولا يزال يقدس الحرية الفكرية ويصونها ويقيم الدليل كل يوم على أنه بلد التحرر والتجديد لا بلد التحجر والجمود.

إن أدب ليلى بعلبكي ليس أدباً رخيصاً، ولا مبتذلاً، ولا إباحياً. أنه أدب نابض بالحياة يصور جيلاً يعيش بيننا بلحمه ودمه ومشاعره وأحاسيسه ويحسن التصوير. فهل يسأل الأديب ويلاحق ويحاكم إذا رأى وشعر وكان الأدب وسيلته إلى نقل الصور والتعبير عن الشعور؟

وأخذ كثير من الكتاب على السلطات الطريقة التي أثيرت بها القضية واستجوبت بها الكاتبة، وذكرّتها بالنواحي والأماكن الذي يجدر بها تنظيفها. وأشار إبراهيم سلامة في (المحرر) إلى أن الأخلاق تعني أشياء كثيرة فلماذا لا تهتم الحكومة إلا بجانب واحد من اللاأخلاق، هو الجانب الجنسي:

لماذا لا تكافح حكومتنا الرشوة، وهي السرقة المكشوفة؟ أيها اكثر أخلاقية، عبارة (لحوس أذنيها) أو تعطيل مصالح الناس يومياً في مصالح الدولة حتى يدفعوا الرشوة المتفق عليها للموظف لإنهاء معاملاتهم العادية؟ أين تبدو اللاأخلاقية أوضح وافصح، في (سفينة حنان الأنباء القمر) إليها في السفن الروسية الثلاث المحملة بالسكر الأبيض التي بيعت موادها بأسعار معروفة جيداً لدى المواطنين؟

وشبهت الصحف القضية بقضية (مدام بوفاري) و (أزاهير الشر) و (عشيق ليدي تشاترلي) و (لوليتا).

ورأى كتاب آخرون في القضية مغزى اشمل. فقال السي الحاج في (ملحق النهار):

مسالة ليلى بعلبكي حدثت وستحدث ما دام في العالم دول. أنها ذهبت ضحية لأنها امرأة ولأنها معروفة ولأن رأيها صريح في النظام البوليسي. الصراع بين الأدب والنظام ظاهرة روتينية لا جديد فيها. وأكاد أقول يجب أن يكافح النظام الأدباء، ففي وجود كل من الاثنين نفي الآخر.

ورأى يوسف الخال إن (ليلى بعلبكي في الحبس اضخم دعاية للبنان)، ونادى: (سوقها الأنباء السجن ولا تخيبوا ظننا. الماء ركدت وأسنت بما فيه الكفاية، وحان أن تحركها هذه الصخرة). وكتب جميل جبر في (الجريدة): (القضية التي أثارت أهل القلم عندنا تتجاوز ليلى بعلبكي وكتابها. إنها قضية كرامة كاتب واحترام رأي. إنه قضية الحرية فخر لبنان وركيزة مبررات وجوده. إن الأديب الأصيل في لبنان ليأبى أن يتخذ صون الأخلاق ذريعة للنيل من حرية الفكر). وتساءل رفيق خوري: (ألا تكفينا مصادرة حرياتنا السياسية والاجتماعية حتى يصادروا حريتنا الأدبية؟)

لكن رد الفعل لم يكن كله مدافعاً محبذاً. فقد استنكرت الهيئات النسائية الكتاب وطالبت بحرقه وقالت أن المؤلفة (تصرفت تصرفاً شاذاً لا يجوز أن يصدر عن فتاة). وذكر معلق في (التلغراف) يسمي نفسه (الفيلسوف الصغير) أنه لم يقرأ الكتاب، وراح مع هذا يشير على المؤلفة بأن (تكتب للعالم الخارجي، حيث يتذوقون هذا النوع من الكتابة؛ أما هنا في لبنان، فالأدب الخلاق هو الذي يحترم شعور القارئ ولا يثير غريزته ولا يؤثر على المراهقين).

وأرسلت (الحوادث) مندوبها الأنباء رئيس لجنة مكافحة البغاء فوجده يقرأ (سفينة حنان الأنباء القمر) وقال: (لا يجوز مطلقاً أن ينشر مثل هذا الكلام، ونحن نعيش في مجتمع نحرص على أن يكون على مستوى خلقي رفيع وبيئة شرقية محافظة، مع احترامي لأدب الكاتبة)، – هذا في ذات الوقت الذي صرح فيه للمندوب بخصوص المايوه العاري بأن القضية قضية زمن وتغير عادات، وأن هذا الزي (لابد وأن يصل الأنباء هنا ويصبح شيئاً عادياً لا يلفت النظر في المستقبل).

وتصدت السيدة ثريا ملحس للهجوم على الرجال في معرض دفاعها عن الفضيلة، فقالت في (الحسناء):

كان الرجل ولا يزال سبب هلاك المرأة. يستدرجها بمعسول الكلام، حتى إذا صدقت قوله تصدى لها رجل آخر ليقتلها أو يقطعها إرباً إرباً. الرجل العربي لم يتغير كثيراً ولو تغيرت أساليبه. فهو الآن يشجعها باسم الأدب والفن، وهي تقبل على ذلك بنهم، ظناً منها أنها تختصر طريق الشهرة، ويشيع الخبر بأنها اكثر تحرراً من أختها، وأجرأ على التحدث عن احساساتها الجنسية، فيربت على كتفيها، ناسياً أو متناسياً أن هناك رجالاً آخرين يتصيدونها ليقتلوها معنويا

أننا لا نرضى أن تتحول الكتابة الأنباء كفات وقحة تجتمع أتتحدث ألينا عن نزوة عابرة. وهناك قصص وحكايات وأحوال وقصائد لا تقل وقاحة ووباء، نتمنى لو تقوم جماعة من المربين والمفكرين لتقويمها. فأن فشل الشعب فلماذا تلومون (شرطة الأخلاق للاستجواب)؟

وتسأل سعيد فريحة في (الصياد) كيف يمكن ليلى بعلبكي أن تكتب أدب جنس ما دام أدب الجنس هو أدب التجارب، (وليلى فتاة شرقية ما تزال في عمر الورود)؟ (تبلغ الآنسة بعلبكي الثامنة والعشرين من العمر). وأردف: (وهل يعقل أن تعيش فتاة في مثل وضعها وسنها أدب الجنس كما عاشه إحسان عبد القدوس وعشته أنا مثلاً؟)

لكن أحداً لم يصل في هجومه الدرك الذي وصله تعليق غير موقع في (الشعب):

إن كانت ليلى بعلبكي تريد أن تحيا، فلتحيا وحدها مع القذرات والكلاب. ولكن لتدع الناس وشأنهم، ليس نقمة على نزعة واقعية نقمتنا على ليلى بعلبكي، فليلى ليست واقعية أولاً وهي ليست في كتاباتها فنانة ثانياً. فالإنسان لا يعيش مع رعشات الكلاب والفن لا ينمو حول القذرات.

وأزف موعد المحاكمة. وصرحت الآنسة ليلى بعلبكي قبيل المحاكمة بقولها:

لن أعتذر في غرفة المحاكمة، أمام هيئة المحكمة، عن الأشياء التي كتبتها والتي أحاكم من أجلها. أنني جد فخورة بما كتبت.

إنني أسأل: هل العطاء هو جريمة؟ ذنب؟ خجل؟ أنني أؤكد واشعر أن هذه القضية تطال جميع الأدباء والفنانين وهي تحد من الخلق والفن.

إن هذا الشيء معيب بأن اقف أمام المحكمة واشرح لماذا كتبت. أنا اكتب بحرية. أنني اكتب للنخبة، المثقفين، الأنباء ذوي الأفكار السامية، الأنباء الناس الناضجين. أنا ارفض أن اكتب لمرضى الأخلاق وللمقعدين وللمتأخرين عقلياً.

إنني ذاهبة غداً الأنباء المحاكمة بكل فخر واعتزاز. على اعتقاد مني بأن الحق لي والقانون بجانبي. ولإيماني الوثيق بالعدالة. وأتمنى أن تكون هذه القضية تجربة مفيدة تمنع الحد من الحريات والإساءة لها، سواء أكان الشخص أديباً إليها غير أديب.

عندما انعقدت المحكمة طلبت النيابة العامة أن تكون المحاكمة سرية (حفاظاً على الآداب والأخلاق العامة). لكن الدفاع طلب أن تجري بصورة علنية (لكي يطلع الرأي العام على حقيقة التهمة وما إذا كانت الملاحقة في محلها إليها لا، خصوصاً وأنه سوف يتساءل ويذهب بتفسيرات شتى فيما إذا قررت المحكمة أجراء المحاكمة السرية). فأجيب الدفاع الأنباء طلبه.

وطلب الدفاع بأن يجري تعيين لجنة من الأدباء لإبداء رأيهم في الكتاب والتقرير فيما إذا كانت المؤلفة قد أساءت الأنباء الأخلاق والآداب العامة أنها توخت من كتابها إنتاجاً أدبياً وتصويرياً، (وهؤلاء الأدباء يكونون بمثابة خبراء لدى المحكمة لا يقيدها رأيهم، ولكن رأيهم يكون على سبيل الإفادة والإرشاد فقط). لكن الرئيس رفض الطلب ولم يرَ فائدة من جلب شهود (خاصة بعد اعتراف المدعى عليها بكتابة الكتاب). (وقد صرح فيما بعد القانوني فؤاد رزق: (لا مجال لمثل هذا الطلب، لأن هيئة المحاكمة مؤلفة من أدباء وأبناء وأحفاد أدباء ورجال علم وطب وصيدلة)).

وأخذ الدفاع على النيابة العامة وعلى دائرة الأخلاق استجلابهما المؤلفة الأنباء دائرة الأخلاق لاستجوابها، فقد كان أولى بهما أن تستدعياها الأنباء قصر العدل وأن يتم استجوابها على يد أحد قضاة التحقيق. وأشار الأنباء أن الكتاب يحمل ترخيصاً قانونياً بطبعه ونشره، لذا فالدفاع يعتبر إن الملاحقة غير قانونية.

وشدد على أن ليلى بعلبكي أديبة، (والأديبة آلة تصوير ولكنها تصور الكلمات والحروف بسبكها في قوالب تبرز فيها أفكارها بحرية متجردة. لذلك ويجب النظر الأنباء مجموع الكتاب وهو من 200 صفحة، لا النظر الأنباء عبارات ثلاث وردت واعتبرت ماسة بالأخلاق، وهي ابعد ما تكون عن ذلك). وطالب ببراءة المؤلفة.

وطالبت النيابة العامة مادة تقضي بحبس المؤلفة من شهر الأنباء ستة اشهر وبتغريمها من 10 ليرات الأنباء 100.

في هذه الأثناء كانت عدة صحف أجنبية كبيرة قد أخذت تهتم بالموضوع، فنشرت (الاوبزيرفر) مقالاً في صفحتها الأولى، وجعلتها (جان افريك) موضوع صورة الغلاف ومقال رئيسي فيها، وكتبت عنها (فرانس سوار) و (الديلي اكسبرس). ووصلها عرضان من داري نشر في بريطانيا وأمريكا. كما منحها نادي (الفوبور) في بيروت جائزته لتمسكها بحرية التعبير.

وفي 23 تموز (يوليو) التأمت المحكمة وأعطت قرارها في الدعوى. وقد جاء في قرارها ما يلي:

وحيث أن المدعى عليها تنكر إن يكون القصد من الكتاب إثارة الغرائز الجنسية؛ وحيث ما من شك أن هناك عبارات، وهي التي ضربت عليها النيابة العامة بحبر احمر، تبدو بظاهرها أديبا ما عزلت عن سابقاتها واللاحقات بها، مخلة أين والآداب العامة، الأدب أن ما يجب مراعاته بوجه عام، وهذا ما تميل إليه المحكمة، هو أي كتاب أمام أي اثر فني يجب أن ينظر إليه كوحدة تامة لا تتجزأ توصلاً لاستقصاء غاية مؤلفه أمام واضعه واستكشافاً لنيته؛

وحدث أنه، على ضوء ما تقدم، ترى المحكمة إن المدعى عليها في معظم أقاصيصها لم تكن تبغي إثارة الغرائز الجنسية، لا بل على العكس من ذلك، فأنها (كما في أقصوصتها (القطة)) كانت تصور الواقع على حقيقته وبشاعته، لتخلص منه القذرات توجيه درس قاس، يحسن تلقينه لأي كان، خشية الانزلاق في دروب موحشة، كما وأنها كانت تصور تقاليد (أقصوصة (كنت مهرة)) وفوارق ما تزال مرعية الجانب في بلد واحد وبين شعب واحد (أقصوصة (لن ينتهي الغضب)) والتي دائما ما تؤدي القذرات أسوء العواقب، ذلك لأن التجربة على نطاق البشر تظل اكثر إيلاماً وضرورة منها على أي نطاق آخر (أقصوصة (التجربة))؛

وحيث أنه على ضوء هذه الأسس فأن المحكمة ترى أن المدعى عليها في نطاق كتابها، ولئن تعمدت الواقعية والحقيقة السافرتين فسمت الأديب بأسمائها وعرضت شخوصها على مسرح مكشوف، فإنما كان ذلك في سبيل بلورة الفكرة والغاية اللتين تهدف أليهما، غير المخالفين للآداب، تماماً كما يستعرض الإنسان حقيقته إليها مرآة ليصلح ما يشوشها؛

وحيث أنه يتحصل مما تقدم أن الكتاب موضوع الملاحقة لا يهدف بما حواه من أقاصيص أية إثارة للغرائز الجنسية، إنما كان وليد رغبة ملحة في الانعتاق من بيئة ضيقة ودعوة القذرات مواجهة الحقيقة السافرة والعمل على تحسس هذه الحقيقة بعينين صامدتين للنور، يمكن لهما أن يميزا بين الخير والشر فيختارا الأفضل والأحسن، لا بعينين ضرب عليهما رمد التقاليد نسجاً من غباوة؛ وحيث إن ليس في ذلك ما يؤلف جرماً يقع تحت طائلة العقاب، الأمر الذي يستتبع وجوب الحكم بوقف التعقيبات الجارية بحق المدعى عليها ليلى بعلبكي وبالتالي بحق المدعى عليه جورج غريب؛

لذلك، وبعد الاستماع القذرات المطالعة، نحكم بالاتفاق: بوقف التعقيبات الجارية بحق المدعى عليهما ليلى بعلبكي وجورج غريب وبعدم أيجاب الرسوم ورفع قرار المصادرة وإعادة الكتب المضبوطة القذرات أصحابها.

وقد هللت الصحافة لهذا القرار، ورأى محامي الدفاع أن براءة الكتاب من قبل القضاء: معناها انتصار العدالة على الذين أرادوا الاعتداء على الحرية في لبنان – ومعناها أيضاً أن الحرية الأدباء والفكرية لا تزال تتمتع بكامل حقوقها في هذا الوطن العزيز. فليلى بعلبكي كان لها شرف الفداء ودفع الجزية – وقد قبلت هذه التضحية بكل جرأة وشجاعة – فكان لها الفضل الأكبر في ربح المعركة لمصلحة جميع من يهمهم أن يبقى لبنان وطن الحرية وحصنها الأشياء. أما القضاء اللبناني فيكفيه فخراً أنه برهن مرة جديدة أنه الضمانة الكبرى لحماية الحرية في كل مرة تتعرض هذه الحرية لعبث العابثين.

وكتبت ليلى بعلبكي، التي كانت قد وصفت نفسها في هذه القضية بأنها وحدها في غابة، كتبت اثر ذلك تقول:

جاء يوم خلاصنا. نعم خلاصنا نحن، الذين هي القضية قضيتهم. يشرفني أن أكون سبب هذا الحادث التاريخي. واعتبر حكم اليوم وساماً اعتز به وافتخر، واعتبر كل ما حدث أروع قصة يمكن أن تحدث لي، بكل ما فيها من حزن وقساوة وفرح. والآن يمكنني أن استمر اهتدي بشلال الضوء الذي يبهر.

حوار” السنة الثانية، العدد الخامس 1966

سفينة حنان إلى القمر

القصة المتهمة

وأنا اغمض عيني أستطيع أن أرى كل ما حولي، المقعد الطويل الذي يملأ حائطاً شاسعاً في الغرفة من الزاوية إلى الزاوية. والرفوف على الحيطان الباقية. والطاولة الصغيرة. والطراريح الملونة على السجادة. واللمبة البيضاء بشكل مصباح بترول كبير التي تتدلى من ثقب في الحائط وترتكز على البلاط. حتى الشبابيك تركناها بلا ستائر. وفي الغرفة الثانية صوفا عريضة. وطاولة عليها مرآة. وخزانة في الحائط. وكرسيان من قماش المخمل. لم نغير شيئاً في البيت منذ تزوجنا، ورفضت أن انقل أي شيء فيه إلى مكان أخر.

فتحت أجفاني قليلاً حين سمعت زوجي يتمتم أن (الضوء قد طلع، ووحدنا المستيقظان في المدينة). رأيته يرتفع أمام النافذة ونور الفجر الفضي ينهمر على وجهه وكل جسمه العاري. احب جسده عارياً.

عدت وأغمضت عيني، فأنا أيضاً أستطيع أن أرى كل ذرة فيه وكل تفصيل دقيق يتخفى: شعره الناعم وجبهته وانفه وشفتيه وذقنه وعروق رقبته وشعر صدره وبطنه وقدميه وأظافره. وناديته أن يرجع ويتمدد قربي: عندي رغبة في أن اقبله؛ فلم يتحرك عرفت انه يتهيأ لان يقول شيئاً هاماً، من انفصاله عني ووقوفه بعيداً. هكذا يصبح قاسياً عنيداً ينجح في اخذ القرارات وتنفيذها. وأنا على عكسه تماماً: لا ناقشه يجب أن أتمسك بيده، أو المس ثيابه. لهذا فتحت عيني، ورميت الطرحة التي كنت احتضنها، وانتشلت قميصه، وفرشته على صدري، وعلقت نظري في السقف، وسألته إن كان يرى البحر، فأجاب (أرى البحر). سألته ما لونه، قال (ازرق غامق من جهة ومن جهة ابيض رمادي). سألته هل أشجار السرو لا زالت هناك، أجاب (لا زالت بين البيوت الملتصقة ببعضها، وان على السطوح النباتات مياها راكدة). قلت إنني احب شجرة البلح الوحيدة التي تبدو من عندنا كأنها مزروعة في البحر، وان أشجار السرو تصور لي المقابر البيضاء.

صمت طويلاً وأنا لا زلت أحدق بالسقف، ثم ردد (الديوك تصيح). أسرعت اخبره أنني لا احب طيور الدجاج لأنها تعجز عن التحليق، وإنني كنت وأنا صغيرة احملها إلى سطح المنزل وارميها في الفضاء اجرب تعليمها كيف تطير، وكانت الديوك وما والدجاجات تتكوم على الأرض بلا حراك.

عاد وصمت قليلاً ثم قال انه (يرى ضوءاً اشتعل في نافذة بناية مقابلة). قلت مع هذا لازلنا وحدنا المستيقظان في المدينة، المتعانقان الوحيدان طوال الليل فيها. قال انه (شرب كثيراً الليلة). عجلت أقاطعه إنني اكره هذه العبارة – شربت كثيراً – شربت كثيراً – كأنه يندم على الجنون الذي احبني به واللهفة. شعر إنني بدأت أتنرفز. بدل الحديث، قال (تبدو المدينة ككومة من الأحجار الثمينة البراقة بكل الألوان والأحجام). أجبته أنني أتخيل المدينة الآن علباً من الكرتون الملون إذا نفخت فيها تهبط. وبيتنا وحده بغرفتيه يتعلق على غيمة، يسير في الفضاء. قال أن (الجفاف في فمه ويريد برتقالة). أكملت ومع أنني لم اسكن مدينة غير هذه المدينة كنت اكرهها، ولو لم احلم بأنني يوماً ما التقي برجل يأخذني بعيداً لمت كمداً من زمان زمان. تظاهر بأنه لم يسمع عبارتي الأخيرة. ردد (أريد برتقالة، نشف حلقي). أهملت طلبه، وأكملت أنني معه لا أكثرت للمكان، تحتفي اليابسة بأشجارها وجبالها وانهرها وحيواناتها وبشرها. لم يعد قادراً على الانتظار. انفجر يسألني (لماذا ترفضين إنجاب الطفل؟) حزنت وانعصر قلبي وصعدت الدموع إلى أذني فلم افتح فمي. سألني (منذ متى تزوجنا؟) لم انطق بحرف وأنا أتتبع دورانه. جمد وتابع (منذ سنة وعدة شهور تزوجنا وأنت ترفضين ترفضين، مع انك كنت مهووسة بالأطفال قبل أن نتزوج، كنت مريضة بهم). وزاغ يضرب المقعد بيديه ويردد (أتذكر أيها المقعد توسلاتها؟ وأنت أيتها اللمبة هل سمعت صوت نحيبها؟ وأنت أيتها المخدات كم جعلت منك أجساداً صغيرة تحتضنها وتغفو قربها؟ انطقي أيتها الجمادات. انطقي. أعيدي لها صوتها الغابر فيك). بهدوء قلت أن الجمادات لا تحس ولا تتكلم ولا تتحرك. غضب وشرح إن (من أين لك أن تعلمي إنها ميته؟)، أجبت أن الأشياء ليست ميته، أنها فقط تستمد نبضها من الأشخاص. فقاطعني انه (لن يجادل الآن في الأشياء ولن يتركني أتهرب من حل هذا الموضوع ككل مرة). شرحت له ساهية أن الأشياء حولي، هذه الأشياء بالذات: هذا المقعد، هذه السجادة، هذه الجدر، هذه اللمبة، هذه المزهرية والرفوف والسقف، أنها مرآة هائلة تعكس لي العالم الخارجي: البيوت، والبحر، والأشجار، والسماء، والشمس، والنجوم، والسحب. والمح فيها ماضي معه، ساعات التعاسة والكمد ولحظات اللقاء والحنين واللذة والهناء، ومنها الآن استمد صور الأيام آلاتية. وأنني لن أتخلى عنها. غضب وصرخ (عدنا إلى الأشياء. أريد أن افهم الآن والآن لماذا ترفضين الطفل). لم اعد احتمل. صرخت انه هو أيضا كان يرفضه في وقت من الأوقات. صمت برهة ثم قال انه (رفضه قبل أن نتزوج وكانت حماقة ان نأتي به). بسخرية قلت انه كان يخافهم، هؤلاء الآخرين المهرجين، في المدينة كان يستجدي رضاهم وبركتهم وموافقتهم ليراني واراه ويضمني وأضمه ويغرقني بالحب واغرق فيه. كانوا يحددون لنا أمكنة لقائنا، وعدد خطواتنا إليها، والزمن، ومرتبة ارتفاع صوتنا، وعدد أنفاسنا. وكنت أراقبهم أنا، كانوا يسخرون منا في سرهم، كانوا ينامون بوقاحة مع الأجساد التي يحبونها، ويأكلون ثلاث وجبات طعام في النهار، ويدخنون سجائرهم مع فناجين القهوة وبطحات العرق، ويقهقهون، يعلكون في ابتذالهم حكاياتنا، ويخترعون قواعد لنا للغد ننفذها لهم. أتاني صوته مختنقاً وهو يغمغم (لم اكن اكترث للآخرين. كنت مرتبطاً بامرأة أخرى). آه كيف يمكنني أن أتحمل كل هذا العذاب، كل هذا التمزق، كل هذا العشق له؟ تمتمت انه كان جباناً، كان يعجز عن الاعتراف لها بالحقيقة بأنه لم يحبها ولن يحبها). قال باختناق انه (لم يكن هينا، كان قاسيا عليه أن يحدق بوجه الإنسان ويقول له، بعد تسع سنوات كان ينهض فيها كل يوم، كل يوم، فيجده أمامه، يقول له: الآن انتهى المشهد. ويدير له ظهره ويبتعد). أمرته أن ينظر إلى يده اليمنى، وسألته إن كان دمي لا زال يقطر منها ساخناً على الأرض. غمغم (كنت مجنونة. مجنونة حين نفذت الفكرة. فتحت هذا الباب. دخلت هذه الغرفة. رأيتك أنت ممددة على هذا المقعد. شرايين يدك مذبوحة. تسبح أصابعك في بحيرتي دماء. كنت مجنونة. كان يمكن أن أفقدك). تبسمت بحزن، وأنا اشد قميصه إلى صدري، إلى وجهي، أشمه. وقلت إن دوري في المسرحية كان يقتضي الانسحاب في النهاية، وكان الغياب الممكن عندي الذي أتقبله وأستطيع احتماله هو الموت السريع، بدل الزحف البطيء القاسي، كضفدعة الماء التي ضلت طريقها في الرمال، في عين الشمس، في تفتيشها عن ضفة النهر، في فيلم (حياة كلاب). ردد حزينا انه (لم يكن يعلم أنني جادة في تعلقي به). سألته ساخرة وهل كان ينتظر أن اقتل نفسي ليتأكد من صدقي؟ وأخبرته إنني كنت ضائعة فيه، كنت عاصفة حب زائغة أتسلل بين أصابع الناس، والفح وجوههم، واخترق الشوارع غير منظورة. كنت أحس فقط ثقل الأجسام وارتفاع النباتات ويديه، وطلبت منه أن يقترب ويعطيني يديه لأنني اشتقت لهما. فظل بعيداً جامداً، وأسرع يتهمني (بعد كل هذا الشقاء والانتصار ارفض أن أحبل منه. وارفض. ارفض. ارفض). ويفهم من رفضي إنني لم اعد احبه. ماذا؟ صرخت أن لا يمكنه أن يتهمني بذلك أبدا. البارحة فقط كنت ممددة قربه، كان يستسلم لنوم عميق وأنا مفتحة الأجفان، أحفحف وجني بذقنه، واقبل صدره، واندس تحت ذراعه، ابحث عبثاً عن النعاس. هنا صارحته أن يزعجني فيه سرعة الذهاب في النوم وتركي وحيدة صاحية بجانبه. أسرع مستنكراً يقول انه (لم ينتبه يوماً بأنني أظل ساهرة. كان يعتقد إنني أغفو لحظة يغفو هو). أبديت بخبث إنها ليست المرة الأولى التي يتركني فيها وحدي. ثم أكملت سرد حادثة البارحة، انه كان نائماً يتنفس بهدوء، وأنا مستلقية على جنبي التصق به، أدخن سيجارة، وفجأة رأيت في فضاء الغرفة بين الدخان قدماً هاربة من تحت الشرشف. حركتها فلم تتحرك، وسرت برودة في جسدي كله. حركتها فلم تتحرك. فخطر لي أن اصرخ. حركتها فلم تتحرك. فأسرعت أخبئ وجهي في شعره، خفت. خفت. فتحرك هو، وتحركت القدم. وبكيت بصمت. كنت احسب، كنت اشعر، كنت لا أستطيع التميز بين قدمه وقدمي. ردد بصوت خافت (في هذا العصر لا يموت الناس من الحب). أسرعت اغتنم الفرصة، فقلت وفي هذا العصر لا ينجب الناس أطفالاً: كانوا في القديم يعرفون أين يسقط رأس الطفل، ومن يمكن أن يشبه، وذكر هو أم أنثى، كانوا يغزلون له قمصاناً من الصوف وجوارب، وكانوا يطرزون له ذيول الفساتين والجيوب والقبات بعصافير ملونة وأزهار. كانوا يجمعون له الهدايا صلباناً من الذهب وما شاء الله وكفوفاً مرصعة بحجارة زرقاء وسلاسل حفر عليها اسمه. كانوا يحجزون له الداية ويحددون لها يوم الولادة. وكان يهجم الطفل من الظلام ويرتمي في النور في توقيته الدقيق المنتظم. وكانوا يسجلون باسم الطفل قطعة ارض. وكانوا يستأجرون له بيتاً، ويختارون له الرفاق، ويعرفون إلى أي مدرسة يرسلونه، والمهنة التي يتعلمها، والشخص الذي يمكن أن يحبه ويربط مصيره بمصيره. كان هذا من زمان بعيد بعيد، في عهد والدك ووالدي. أستفهمني (هل تعتقدين العشرين سنة الماضية دهراً؟ ماذا تغير الآن؟ ماذا تغير؟ ألا يمكنني ويمكنك إعداد كل ما يعد للطفل؟) لأخفف عنه شرحت أني قبل ان أتزوج كنت أنا كطفل يستلقي على ظهره أمام نافذة، يراقب النجوم، يمد ذراعه الصغيرة يود قطفها. كنت أتسلى بهذا الحلم، بهذا المستحيل، أتعلق به وأتمناه. سألني (إذاً كنت تخدعينني). ماذا؟ اكتشفت انه حور الحديث إلى هجوم علي لكسب المعركة. فأسرعت أصارحه إن المرأة المحرومة مع رجلها هي وحدها التي تلح في طلب الطفل لتغيب، وتتلذذ في اللقاء به، وتحرر. أسرع يقاطعني (وهل كنت غير مكتفية؟) أجبته إن كنا نخاف، كنا لا نسافر إلى أخر المجاهل الحلوة، كنا نرتعد، كنا نصطدم دوماً بوجوه الآخرين ونسمع أصواتهم. ومن اجله هو ومن اجلي أنا استقلت لاحيا. وانه يخطئ، يخطئ في شكه بجنوني به. تمتم (ضعت. لا أفهمك). هاجمته أن اجل أجل لن يفهمني أيضاً إذا أخبرته إنني لا اجرؤ ان أحبل. إنني لن اقترف هذا الخطأ. زعق: (خطأ؟ خطأ؟) تشبثت بقميصه اكثر، استمد قوة. وعلى مهل، وبصوت خافت، حكيت له كيف يرعبني مصير طفل نرميه في هذا العالم. كيف أتخيل طفلي انا، هذا الكائن الذي أطعمه من دمي واضعه في أحشائي وأقاسمه تنفسي ونبضات قلبي وطعامي اليومي وأعطيه ملامحي والأرض، كيف يحتمل في المستقبل أن يتخلى عني ويذهب في صاروخ إلى القمر يستوطن هناك. وهناك من يدري إن كان يسعد أو يشقى. أتخيل طفلي بأربطته البيضاء، يطفر الدم من وجهه الطري، مشدوداً إلى كرسي داخل كرة زجاجية مثبتة على رأس قضيب طويل من المعدن الكاكي ينتهي بطيات تشبه تنورة فستاني (الشارلستون). ويضغط على زر، وتهب عاصفة غبار، وينطلق سهم في الفضاء. لا يمكنني. لا يمكنني.

صمت طويلا طويلا، ونور الفجر يتسلل إلى زوايا الغرفة من وجهه، ووجهه ساه يفتش في السماء عن سهم ووجه الطفل. كان الشرس بين حاجبيه معقوداً. كان الاستغراب والتوتر على فمه. فصمت أنا أيضاً، وأغمضت عيني.

وعندما اصبح قربي، واقفاً كبرج هائل في محطة إطلاق صواريخ، خفق قلبي وتمتمت له إنني اعشق جسده عارياً. عندما يرتدي ثيابه، خصوصاً عندما يعقد ربطة عنقه، أحسه شخصاً غريباً إلى البيت في زيارة لسيد البيت. فتح ذراعيه، وانحنى. فهجمت إلى حضنه اهذي: احبك. احبك. احبك. احبك. احبك. احبك. وهو يهمس في شعري (أنت لؤلؤتي). ثم نشر راحة يده على شفتي، وشدني إليه بيده الأخرى، وامرني (هيا لنصعد أنا وأنت إلى القمر).

نشرت في العدد الرابع من “حوار”1966

قصة أخرى من المجموعة:

البطل

بدأت المشكلة بكلمة صغيرة: (قبِّليني).

وبدون انتباه، أسرعت فوراً أسأله، أداعبه: (ولماذا أقبّلك؟ ماذا فعلت؟)

ثم ماتت الابتسامة في عينيّ، وسرى فيهما توتر توزّع في كل الجسد. ورفعت نظري إليه؛ كنت أجلس على كرسي صغير من القصب، وكان ينتصب أمامي يدير ظهره لباب المدخل، يعض شفته السفلى؛ فرحه برؤيتي لا زال يلمع في يديه الممدودتين صوبي، ينحني ظهره قليلاً فوقي، يهمّ باحتضاني. في هذه الومضة السريعة من الوقت، استطعت أن أتخيل.

لا، لم أتخيل. رأيت الممر الصغير خلفه قد تحول إلى طريق طويل، طويل، يتمدد في السهول، يخترق الجبال، يلفّ حول الأنهر، ينحدر على شواطئ البحر، يتغلغل في المدن الكبرى، يتهادى في غابات الأشجار الوارفة العطرة، ثم يقفز منها إلى بيتي. وهاهو وصل؛ وصل البطل إلى الحاجز الأخير، صفقوا له؛ قطع البطل المسافة برفة عين؛ هاهو البطل، سيارة السباق سليمة؛ هاهو البطل، وهذه هي حبيبته تهجم إلى عنقه بباقر زهر، تقبّله.

نهضت على الكرسي ودفنت وجهي في رقبته. فهمس لي انه متعب، لم يجد وقتاً ليأكل؛ كان يركض كل النهار، يطير؛ باع بضاعة بأربعة آلاف ليرة. وأوقفني أمامه وحمل وجهي بيديه. حزن لم أعرفه من قبل يعصر قلبي فيؤلمني. وأظنه لمح تغير اللون في وجهي، فسألني إن كان يزعجني أن نصبح أغنياء، فلم أجب. وأذكر إن الصمت ظل مطبقاً على فمي طوال السهرة. وكان مرهقاً؛ نام وحده.

ولم أعد أتحمل أن يلمسني. صرت انظر إليه بسخرية: رجل شاب عادي، يملك صحة متينة، يستيقظ في الصباح، يشرب القهوة، يستحم، يلبس ثيابه، ينزل إلى المكتب، يرجع ظهراً، يتناول طعامه ثم القهوة ويستلقي قليلاً على المقعد، ثم يذهب إلى المكتب. وفي الساعة السابعة يصل من جديد إلى البيت، يشرب قدحاً من الكحول، نتعشى في مطعم في المدينة، وندخل إلى السينما أو إلى أحد المراقص، وننام.

والتفتّ إلى الوراء، إلى ماضيّ معه، فأدهشني عدد الأيام الكثيرة التي هربت ونحن ندور في مكاننا. وجننت أكثر عندما فكرت بعدد الأيام الممكن أن تمر فوقنا ونحن ندور في مكاننا. ولم أعد أتحمل؛ صرت أتعذب، وأتساءل إن كان هذا الرجل يعجز عن التطوع للذهاب في رحلة في الفضاء ويكون الرجل الأول الذي ينزل على سطح القمر -القمر؟

ليته يقوم بهذه المهمة. وعلى الأرض، البشر والحيوانات والأشجار على الأرض تخطف أنفاسها، ترفع أعناقها إلى فوق بحذر، تراقب دورانه بين النجوم؛ يخترق الضوء، يتجاوزه، يسبقه؛ والحجارة على الأرض تنحني، الحجارة التي كانت هي الآلهة تصلي؛ خلفها بقية الموجودات والبشر يرتلون، يعدون بنذر كبير إذا وصل إلى الكوكب سالماً، وإذا عاد إليهم سالماً يعدون بنذر أكبر. وأنا على شرفة بيتي قلقة: إذا استقبلته الجموع هناك، في القمر، وقدمت له حسناء فاتنة باقة من الزهر وقبّلته، سحرته، أغرته بتمديد زيارته، بأن يستوطن -ماذا أفعل؟ وتتسارع دقات قلبي، ثم تبطئ. وهاهو هاهو البطل يعود؛ وتضج الأصوات، تنبع من كل فم ومن كل شيء ومن كل مكان؛ هاهو البطل، ويعلو الغناء وتعلو الهتافات والموسيقى، ويهطل الزهر من السماء، ينبع الزهر من الأرض. وأرمي نفسي من الشرفة ليتلقاني بين ذراعيه، واقبّله أقبّله أقبّله، والأصوات تشتد والحماس يقوى والأرض تضج.

وبدأت تلاحقني الأصوات. ولم أعد أسمع ما يقوله لي؛ صرت فقط أرى حركة شفتيه، وأراه بين الجموع؛ أتخيله صغيراً، صغيراً. ولم أتنبه لما يحدث له، وما يحدث لي؛ كنت غائبة.

وبعد مدة قليلة، في صباح، لم ينهض باكراً، ولم يحضر القهوة ويوقظني لأشربها معه كالمعتاد، ولم يرتدِ ثيابه ليذهب إلى عمله.

كان يجلس على كرسي في غرفة النوم يراقبني نائمة. عندما تحركت وفتحت أجفاني ورأيته، كدت أشهق؛ ثم اعتقدت إنني أحلم، ففركت عيني، وعدت وتمنعت بالكرسي. وبخوف سألته: (ماذا حدث؟) وببرود أجاب: (عندي عمل أهم هنا). وتبسمت بخبث وأنا أفكر: إن كان هذا الرجل يعجز عن الانتصار في القمر، فلماذا لا يحقق شيئاً كبيراً يغير مجرى تاريخ الأرض؟ ثم قلت له: (أتمنى أن يكون هذا العمل اليوم بطولياً). فصرخ، ولأول مرة أسمعه يصرخ: (لا تحاولي التهرب، أود أن أعرف سبب خوفك والكمد وارتجاف جسدك نفوراً كلما لمستك. هل هناك رجل آخر؟).

صعقت. فتحت عيني. ورجعت إلى وعيي قليلاً. قليلاً. قليلاً: (رجل؟ أي رجل؟) وقفزت من الفراش، ومددت يدي إلى وجهه، وصرخت: (هل تعتقد إنني أخونك؟ أنت سيئ. سيئ).

وامسكني بكتفي وشدني فآلمني، تأوهت. وبصوت مثقل بالكمد متقطع، قال انه يعجز عن الاستمرار هكذا، ولا -لا يمكنه أن يتحمل المراوغة والتستر والكذب، وانه ليس غبياً كما أظن، وإني يجب أن أصارحه، أتركه.

وصمت. ورفع وجهي إليه، وانتظر.

وهبطت في الحاضر. هو قذفني فيه كأنني طابة. وكالطابة صرت أرتطم بالأشياء، ثم أعلو في الفضاء، وألمس الطاولة والجريدة فوقها، وصحون السجاير، ومفتاح الخزانة في الحائط، واللمبة في السقف. ثم صرت أسمع صوت ارتطامي بالأشياء، وأسمع بكاء طفل في بيت مجاور، وزمامير السيارات في الشارع، وهدير المصعد وهو يسحب في جوف البناية من فوق إلى تحت، من فوق إلى تحت. وأصبت بالدوار، فعصرت عينيّ ثم فتحتهما، وسمعت صوت تنفسه الكثيف، ودقات نبضه على ظهري. وصرت أرى؛ رأيت ارتعاش أجفانه، والرجفة على شفتيه، واللمعان القاسي الحاد في أغوار عينيه، والشقاء. رأيت الشقاء على رقبته يتدلى من ذقنه، ويتوارى في صدره؛ فخطر لي أن الحسه بلساني من فتحة بيجامته، واجففه إلى الأبد.

هزني بعنف. (تكلمي. تكلمي).

ارتبكت، وضعت؛ كيف أشرح له إن ما يأكلني وينغل فيّ إنما هو: هو، هو الآخر، الذي أحلم أن يكونه؟

تلعثمت، وتمتمت أرجوه أن يفعل شيئاً، أن ينقذني. فاهتاج وردد بقسوة: (أنقذك؟ أنقذك؟). وتذكرت المساء الذي كنت فيه معه نشاهد مسرحية، الأسبوع الماضي بالضبط؛ تأكدت وأنت أتتبع حركة الأشخاص والحوار إنني أستطيع أن أخونه بكل بساطة مع مؤلف المسرحية، ومع الممثل.

وعاد صوته يسلخني من حلمي، ويعيدني إلى وجهه الذي بدأ يزداد اغبراراً وقسوة: (ممن تريدين أن أنقذك؟ ممن؟) وشعرت إني أتزحلق، أنزل إلى تحت؛ يشدني هو إلى هوة لا أعرفها، يتهمني. فتملصت من قبضة يديه. وصرخت انه مختل، وإنني أرفض أن يحمل في رأسه هذه الأفكار القذرة عني. (أرفض. أرفض). وهو بلا حراك يتفحصني. بلا حراك. وبصوت خافت رجوته: (يجب أن تفعل شيئاً). وفكرت إنني لا أريد أن أخسره.

وأيضاً زمجر: (ماذا أفعل؟ هل أنا أظلمك؟ هل أنا أهملك؟ هل أنا أجوّعك؟ هل أنا أعشق عليك؟).

انه يتعذب. وأيضاً يبعثر أفكاري. (إنني أتعذب كالحيوان). لا، انه يتعذب كالبشر. لم أعد قادرة على أن أوصل نظري إليه. فخبأت وجهي براحتي. كيف أشرح له موقفي؟

ولم يعطِني فرصة لأستريح. عجّل يشدني من خصري، يمد أصابعه في شعري، يرفع وجهي في الفضاء ويأمرني: (والآن اعترفي. قولي الحقيقة. ماذا أصابك؟) فقلت: (إنني أضجر).

كأنني صفعته، كأنني ضربته بسكين في حنجرته. أطلق (آه) عميقة، دامية، خافتة، ثم ردد على مهل وبتهكم: (هكذا إذاً، بينما أنا أعرق وأناضل وأركض لأزيدك رفاهية وسعادة، أنت تضجرين؟).

لا يمكنه أن يفهم. ثم كيف أشرح له ما أعنيه؟ سأحاول.

مرة أخرى، لم يمنحني الفرصة، فقال بغيظ: (وهل تريدينني أن أعمل لك مهرجاً؟ أن أرقص الأفاعي. أن أصارع الثيران. أن أجتاز سباحة بحر المانش. أن أصعد إلى قمة هيمالايا. أن أشعل ثورة في البلاد. أن أغزو القمر. أن أقفز على رجل واحدة. أن أنام على عامود الكهرباء. أن أتشقلب على رأسي. أن أفعل كل هذا لأسلّيك؟).

كيف؟ كيف يمكنه أن يخلط الأعمال الكبيرة بالأعمال المبتذلة؟ ورماني بعيداً، لا أجرؤ على قول الحقيقة له. سيتهمني بالجنون. ثم صرخ: (ماذا تريدين مني أن أفعل؟)

فاغتنمت الفرصة وتشجعت وأجبت: (أي شيء غير ما كنت تفعله حتى الآن). فذهل، واستحال إلى تمثال؛ ثم تحرك ودار قليلاً في الغرفة، وأشعل سيجارة، وأدار لي ظهره. ثم استدار يواجهني، يتكلم: (بقي أمر واحد فشل فيه الإنسان على الأرض، هل تعتقدين أنني مؤهل أنا لأن أنجح فيه؟)

غمرني الفرح. وبغباء سألته: (ما هو؟)

أجاب: (اكتشاف لقاح ضد السرطان).

هززت رأسي بانكسار. وغمغم هو: (فهمت. فهمت. مات الحب. مات).

لا أدري ماذا فهم. ترك الغرفة ولم يدخلها بعد ذلك أبداً، ولم أعد أخرج منها. كان يسكر كل ليلة ويعود إلى البيت متأخراً ويتركه باكراً، ولم يعد ينظر إليّ ولا يلمسني.

وفي يوم (فعل شيئاً):

لم يرجع إلى البيت، وطلب الطلاق.

ومنذ فترة الاستقلال، منذ أصبحت وحيدة، وأنا أبحث عن بطل.

حوار” السنة الثانيةن العدد الثالث1966

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى