الرئيسية » صفحات السياسة » صفحات العالم » ويكيليكس واختلاط الشفافية بالديموقراطية

ويكيليكس واختلاط الشفافية بالديموقراطية

منى فياض
الفائدة التي حققها نشر وثائق “ويكيليكس” تمثلت في إعطاء نظرة شاملة عن كيفية العمل الديبلوماسي، من شأنها إظهار كيفية العمل في الجنة الديبلوماسية، وهو أمر لا يتعلق فقط بالأميركيين، وباشتغال الديبلوماسية كشبكة معلومات لأجهزة رسمية في موازاة وكالات الاستخبارات وبالتنسيق التام معها! هذه آليات لم تكن مجهولة على كل حال، ذلك ان الوثائق القديمة التي يمر عليها أكثر من 25 عاماً، تثبت ذلك بعد ان يتم كشفها!
ينقل السفراء أقوال فلان وانطباعاته، وما يعترف لهم به في الجلسات الخاصة، إضافة إلى النكات والاقاويل. هذا العالم ليس مجرد مقهى لتبادل الأحاديث فقط، بل هناك أيضا من يقوم أحيانا بتحليلات عميقة للبلدان الحليفة او العدوة وللشخصيات في البلد الذي يعمل به، كتقارير السفيرين الاميركيين في تركيا وفرنسا مثلاً.
على كل حال، موقع “ويكيليكس” لم يكن شفافاً بالمطلق، فلقد سرّب مئات آلالاف من الوثائق الى 5 من كبريات الصحف العالمية لكي تقوم هي بالتصفية. هذا إلى جانب أن الفائض من المعلومات للأشخاص العاديين يتعادل مع النقص فيها؛ فالغرق في المعلومات من دون حبل ناظم، أو من دون أدوات تكنولوجية متخصصة ومفذلكة، لا يؤدي سوى الى العماء أو الاستنتاجات المتسرعة المنقوصة. نعود إلى فكرة أن من يستفيد من هذه المعلومات هم مرةً أخرى من يملكون السلطة والمال لتوظيف أجهزة وبشر مع تقنيات متخصصة لقراءة هذه المعلومات وتبويبها من أجل استخدامها المثمر. نسقط مرةً أخرى في مسألة التأويل والتشويه إذا لم يكن في التزوير نفسه، بالإضافة الى الاحتكار المشار إليه.
فالسر في حد ذاته لا أثر سيئا له، إنما استخدامه هو الذي يجعله كذلك؛ أوليست هذه حالنا في لبنان، في استعمال الوثائق للتشهير والتهديد والابتزاز وزيادة هشاشة الوضع السياسي؟
كما ان التوزيع العشوائي للوثائق قد يضر كثيراً بالشفافية لاحقاً، لأن السياسيين سيتخذون تدابير معينة لمنع تكرار ذلك، كما أنه قد يهدد بقتل السر، وصولاً الى استبداد الشفافية، على حد تعبير أحد الصحافيين الفرنسيين. فوهم الشفافية المطلقة هذا، قد ينقلب بسرعة ديكتاتورية مطلقة. إنه خطر الوقوع في حبائل صحافة وأبطال على نمط أسانج يزعمون لأنفسهم انهم سوف يحلّون محل البوليس والعدالة ويجعلون من طريدتهم مشهدا للفرجة. وهم لا يملكون معلومات إلا عن البلدان التي تتمتع بقدر من الديموقراطية، بينما تغيب عن دائرة اكتشافاتهم الأنظمة الشمولية والاستبدادية أو المتخلفة تكنولوجياً.
فهل تؤدي الشفافية وحدها الى الديموقراطية؟ هذا النوع من الشفافية المطلقة، ألا يؤدي الى خطر الاعتياد على مثل هذا الوضع، واعتبار ما يحدث طبيعياً والتسليم به في النهاية، كما نعتاد على العنف والظلم والاستبداد؟!
فالشفافية لا تساوي الديموقراطية، إلا إذا اعتبرت الديموقراطية مشابهة لشمولية المراقبة، عندما تسمح هندسة معينة للسجون بأبنية مجهّزة لمراقبة الجميع من دون علمهم.
إضافة إلى أن الوثائق لم تكشف شيئاً جديداً خطيراً؛ فهي لم تضف الكثير الى ما يمكن أن يقدمه لنا محلل سياسي بارع. وهي لم تفعل سوى أنها أكدت ما كان موضع ظنون، وهي ستتسبب ببعض الحرج للديبلوماسيين، لا أكثر، في البلاد غير المهجوسة بالمؤامرات. فالشفافية والتبصر لا يتعارضان.
أسانج الذي يريد أن يختصر أساطير النضال عند التقدميين والثوريين، يثير الجدل بين المتحمسين لنشر الوثائق والمعارضين لها. بين من يعتبر أنها تؤدي إلى نوع من انعتاق الانسان تجاه السلطات، واندفاعة لا تقاوَم للتغلب على استلاب الوعي، ومقاومة متعددة الأوجه لتلاعب الحكومات. يجدون أن نشر كل ما يساهم في شفافية آليات الحكم في مجتمعاتنا، شيء جيد في الميديا والاتصال. لهذا السبب تماماً، وجدت تكنولوجيات الأنباء، لتمدّ المواطن بما يسمح له بمتابعة الأمور والتدخل بما يعنيه منها. هناك اتجاه آخر يجد فرقاً بين الشفافية والمسؤولية. الشفافية المطلقة التي تسمح للخصم بكشف الوثائق التي قد يكون بعضها مشفراً ويحتاج الى متخصصين فقط لحلّه. وهذا خارج إمكان المواطنين العاديين، ما يسمح بتلاعب آخر يعود بنا الى عالم الجاسوسية والغموض.
ربما كان في ذهن مخترعي الانترنت تحقيق إمكان الرقابة المطلقة أخيراً، التي قد تشكل نوعاً من أخ أكبر، واقعي وممكن. لكن الأميركيين الذين يؤلّهون التكنولوجيا، غاب عن بالهم انه في لعبة الانترنت الكونية لا وجود لمراقِب ومراقَب. فهي كلعبة السجن، إذ أن السجين ينتهي بمعرفة سجّانه بالقدر نفسه الذي يعرفه هذا الأخير. ففي التقرير للكونغرس الاميركي حول احداث 11 ايلول قيل “إن الخصم يعرف عنا بالقدر نفسه الذي نعرفه عنه”. في إمكان أيّ شخص عليم بمتاهات الانترنت، اتخاذ الاحتياطات الضرورية وخلق فراغات حوله لحماية نفسه، فيحتفظ بمعلوماته التي يريدها سرية في كومبيوتر أخرس، أي غير موصول بالشبكة، فيدفع لبعض المشتريات “كاش”، ويستخدم المترو او الهواتف العمومية. هكذا يعجز المراقِب في مهمته ويعود 250 عاماً الى الوراء. اللافت اذاً في هذه الازمة هو انحسار عصر هيمنة الولايات المتحدة التكنولوجية التي سادت في القرن العشرين والتي شكلت مصدر قوتها. هذه هي حدود ضجة “ويكيليكس” التي لن تثوّر العالم، فالأسرار التي فُضحت، معلومة من الجميع ولا جديد تحت الشمس.
على كل حال، ربما تكون هذه الوثائق مفيدة للمؤرخين الذين سوف يتسنى لهم الاطلاع عليها مبكراً وعدم انتظار 25 أو 30 عاماً لكشفها. لكن هذا يحتاج بدوره الى الوقت للفرز والتبويب والقراءة المتأنية ¶
النهار

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.