قشورٌ ولُباب

null
وهيب أيوب
“الإنسان الذي لا يتغيّر، يكون قابِلاً للاختفاء”
جونسون سبنسر
في أحد أفلام الممثّل الكوميدي الراحل إسماعيل ياسين، مشهد يظهر فيه وهو يأكل موزاً، فكان يقشّر الموزة فينظر إلى اللّب ثُمّ يرميه ويقوم بأكل القشرة. هكذا أراد المُخرج على طريقته إظهار جهل هذا الرجُل بتلك الثمرة، حيث لم يسبق له معرفتها.
استحضرتُ هذا المشهد من الذاكِرة واستسغته مقدّمة لكيفيّة تعامل مجتمعاتنا العربيّة مع منتجات الحضارة الغربيّة، لاهثين خلف القشورِ منها مُبتلعينها بنهم، تاركين اللبّ للمصدر التي جاءت منه..!
وما يثير استهجاني أكثر، هو العدد الهائل من خرّيجي الجامعات الغربية من أبناء مجتمعاتنا، الذين عادوا بعد إنهاء دراساتهم في مختلف الميادين العلمية والأدبيّة والفنيّة مُحمّلين بشهادات عُليا.
لكن المُفاجِئ بالأمر أنّ هؤلاء، وبعد ارتحالهم مسافات طويلة، وقضاء سنواتٍ عديدة، واختلاطهم بمختلف الحضارات والثقافات، ومعايشتهم لأساليب الحياة الحديثة، واحتكاكهم بأفكارها التي أنتجتها عقول المفكّرين والفلاسفة في الغرب، وهي التي أنتجت تلك الحضارة وأدواتها التي نستخدمها نحن كما الغرب في مجتمعاتنا يومياً.
صحيحٌ أنّ مُجتمعاتنا قد استفادت من التحصيل العلمي في المواضيع المختلفة التي نالوا شهاداتهم بها، لكن المُحيّر في الأمر، هو عدم استفادتهم من الأفكار والأساليب والنُظم التي عايشوها سنواتٍ طوال، كالنظام والالتزام واحترام الوقت والمواعيد، وحتى النظافة العامّة، ومفاهيم الحريّة والديمقراطيّة، واحترام الرأي الآخر والحريّة الشخصية، والأساليب الحضاريّة للحوار.
فنرى الغالبيّة الساحِقة منهم عادوا إلى مجتمعاتهم “يا ربّ كما خلقتني..!”: الطائفيّة، المذهبيّة،التعصّب، الإقصاء، الاتّهام. إنّها ذات الذهنية النمطيّة التي حملوها معهم قبل سفرهِم، فمعظمهم يتصرّفون بذات الأساليب المتخلّفة التي اعتاد عليها مجتمعهم: لا نظام، لا التزام، لا صدق، لا استقامة، لا وعد ولا موعِد، ذات السلوك الفوضوي واللاّمبالاة بالمصلحة العامّة، لا شيء تغيّر عندهم سوى حمل الشهادة.
ونتحدّث هنا عن الغالبيّة ولا يصحّ التعميم في أمرٍ نطرحه.
قد تُمضي شهراً كاملاً في أحد المدن الأوروبيّة ولا تسمع “زمّور سيّارة”، لكنّهم عندنا يستخدمونه لمخاطبة الآخرين، ولا يكترثون بمن يُزعج هذا السلوك المُتخلّف..؟
وترى أحدهم، كباقي أفراد مجتمعنا، يركب سيّارة أو جيب آخر موديل، ثُمّ يمد يده من نافذة سيّارته ليرمي علبة سجائره الفارِغة أو أي قمامة أُخرى، ويركن سيّارته في وسط الشارع كما الغالبيّة الساحقة دون الاكتراث بالآخرين. لقد اقتنينا السيّارة ورمينا أخلاق القيادة، كما معظم تعاملنا مع منتجات الحضارة الأُخرى…!
كلّ ما يختصّ بالمصلحة والشأن العام يتم الاستهتار به وعدم المبالاة، وكأن كل شيء ملكه الخاص..!
إنّ فقدان أي مُجتمع إلى نُخبة مُتعلّمة، مثقفّة، وواعية، تأخذ على عاتقها تغيير السلوكيات والعادات والتقاليد المُسيئة للناس والعامّة، ومعيقة للتقدّم والتحضّر، هو مجتمعٌ فاشِل بكل المقاييس، لهذا فإنّك لا تلحظ أيّ تغيير جوهري ذات مضامين حضاريّة تقدّمية في مجتمعاتنا، ولكن يُغشى عليك من كثرة القشور والسفاسف وتوافه الأمور، ثمّ يقولون لكَ إنّنا نتعرّض لغزو ثقافي لسلبنا عاداتنا وتقاليدنا، وكم أشتهي أن أسمع وأرى ما هي تلك العادات والتقاليد المجيدة التي يريدون سلبنا إيّاها…؟
هُم يريدوننا مجتمعات استهلاكيّة نشتري بضاعتهم ومنتجاتهم، وهذا ما نفعله، دون وصيّة من أحد “لا توصّي حريص”…!
فهل الغرب يُصدّر لنا الكذب والنفاق والفساد والاستهتار بالمصلحة العامّة..؟
هل يصدّرون لنا عدم الالتزام والنظام والإخلاص بالعمل وقلّة الإنتاج ..؟
هل يُصدّرون لنا الخضوع والخوف من السلطة والحاكم وتقديس الفرد..؟
هل يصدّرون لنا الطائفيّة والمذهبية والعشائرية والقبليّة والعائليّة والمحسوبيّات…؟
هل يصدّرون لنا نظرتنا البائسة المتخلّفة للمرأة ويفرضوا علينا الحجاب والنقاب…؟
هل هم من يشجّعوننا على “جرائم الشرف”..؟
لقد عادوا بعد غيابٍ طويل، مُحتفظين بذات النظرة الذكوريّة الشرقيّة القاصِرة للمجتمع والمرأة..
ومصرّين على الموروثات والعادات والتقاليد، حتى التي تجاوزتها النظريات العلميّة الحديثة.
إنّها كارِثة حقيقيّة أن يعود المرء، بعد مسافاتٍ وسنواتٍ أو عقود من الزمن، حاملاً شهادة و “خُفّي حُنَين” ..!

خاص – صفحات سورية –

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.