الرئيسية » صفحات مختارة » أسباب القصور في مفهوم الديموقراطية في العالم العربي

أسباب القصور في مفهوم الديموقراطية في العالم العربي

يوسف نور عوض
ظل العالم العربي يتابع خلال الأسابيع الماضية وعبر وسائل الإعلام المختلفة الانتخابات المصرية، ومن قبلها الانتخابات الأردنية والعراقية. وكان المشهد في جميع حالاته واحدا، وهو اتهامات بالتزوير واستغلال النفوذ والمقاطعة وغير تلك من الأمور المألوفة في السياسة العربية، والغريب أن كل ما اهتم به مراقبو الانتخابات هو الجوانب الإجرائية دون أن يطرحوا التساؤل الأساسي، هل من الممكن أن تكون هناك انتخابات ديمقراطية في بلدان غير ديمقراطية؟
هنا تبدو أهمية التساؤل الأساسي حول مفهوم الديمقراطية، ولا نقصد بذلك بالطبع البعد الأكاديمي لهذا المدلول بل نقصد جوهر العملية بحسب ما هو متعارف عليه في البلدان التي لا يشك أحد في رسوخ الديمقراطية فيها، كما هو الشأن في بريطانياعلى سبيل المثال، ونقول بصفة عامة، لأن الكثيرين في العالم العربي حين يتحدثون عن الديمقراطية، فإنهم يركزون بصفة خاصة على مفهوم الحكومة كما هي معروفة لديهم، بكون مفهوم الديمقراطية في نظرهم ينحصر في كيفية انتخاب حكومة جديدة، وتلك هي المعضلة التي نواجهها في العراق في الوقت الحاضر، ويبدو واضحا في إطار ما ذكرناه حين نحصر العملية الديمقراطية في كيفية التوصل إلى حكومة، أننا لا نبتعد كثيرا عن مفهوم الحكومة الدكتاتورية، ذلك أن الحكومة حين يتم انتخابها بسلطة حزب قادر على التحكم في الجيش وقوات الأمن والقضاء لا تمثل وجها ديموقراطيا، بل تمثل سلطة قابضة تشرعن وجودها باستعارة الشكل الديموقراطي دون أن تكون هي في حقيقتها حكومة ديمقراطية.
والمسألة هنا ليست مسألة تطور كما يعتقد الكثيرون بل هي مسألة رؤية صحيحة ومعايشة حقيقية للواقع الديموقراطي، وهذه من الأمور الغائبة في العالم العربي بكون معظم دول هذا العالم كانت خاضعة للنفوذ الاستعماري قبل مرحلة الاستقلال، وخلال تلك المرحلة لم يكن العرب يعرفون سوى مفهوم الحكومة، وبالتالي حين استغلت معظم الدول العربية كان المفهوم السائد هو أن تنشىء القوى الوطنية التي حققت الاستغلال حكومات تقبض على السلطة على النحو نفسه الذي كانت تفعله القوى الاستعمارية الأجنبية، وبالتالي لم يفكر القادة السياسيون في بناء المجتمع الديموقراطي الذي يتأسس عليه نظام الدولة، بحيث أصبحت معظم الدول العربية نظم حكومات وليست نظم دولة، ويبدو ذلك واضحا من خلال الندوات والمؤتمرات أو ما يكتب عن الديمقراطية أو مستقبلها في العالم العربي.
ولعل وقفة قصيرة مع ندوة مستقبل الديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم العربي التي نظمت في الدارالبيضاء تعكس هذا المفهوم المحدود لمدلول الديمقراطية السائد في هذا العالم، فقد تركزت حوارات المشاركين في أربعة محاور رئيسية لم تستطع في مجملها أن تخترق المفاهيم التقليدية السائدة في العالم العربي.
وقد تركز المحور الأول حول إمكانات ومعوقات الاصلاح الديمقراطي وحقوق الإنسان في العالم العربي، وتركز معظم النقاش في هذا المحور حول رأي هو أن القوى الكبرى لا تمارس ضغطا على الدول العربية من أجل التحول الديمقراطي، بكونها تركز في الأساس على مصالحها الذاتية، كما أن كثيرا من الدول الغربية تعتقد أن المستفيد الوحيد من التحول الديمقراطي في العالم العربي سيكون القوى الدينية التي تلقى دعما كبيرا في الشارع السياسي، كما ركزت المناقشات على مفهوم التوريث الذي بدأ يسود في العالم العربي والذي يقف حائلا ضد أي حركة للتقدم بسبب حجره على حرية الرأي وإتاحة الفرصة للآخرين كي يعبروا عن أنفسهم بحرية، ونلاحظ بصورة عامة أن الحوار تركز في هذا المحور حول سلبية المجتمعات العربية وعدم قدرتها على انتزاع حريتها من نظم لا تريد لها الحرية، كما ركز المحور بصورة خاصة على الدور الأجنبي وخاصة الغربي في استمرار الواقع السياسي العربي الحالي، ويقدم المحور صورة لمجتمعات مسلوبة الإرادة وغير قادرة على تحرير نفسها.
أما المحور الثاني فقد تركز على ما تم إنجازه في العالم العربي خلال العشرية الماضية، ومن الغريب أن نجد أن الحوار تركز على نقطة ليس هناك دليل على صحتها وهي الافتراض بأن العشرية التي سبقت العشرية الماضية كانت أحسن حالا لأنها شهدت انتخابات في المغرب عام ألفين واثنين كما شهدت انتخابات في مصر عام ألفين وخمسة، وكذلك في المناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية عام ألفين وستة، ولكن انتكاسة حدثت في العالم العربي وسبب هذه الانتكاسة انعدام حسن النية من قبل الأنظمة السياسية وتردد الدول الكبرى في الدعوة إلى الديمقراطية في العالم العربي بسبب تصاعد العمليات الإرهابية بالإضافة إلى نقص التجربة في التوجه الديمقراطي بصفة عامة.
وتركز الحديث في هذا المحور على ما أطلق عليه نداء الدار البيضاء الذي يعطي المسؤولية لمسألة حقوق الإنسان وسيادة الشعب وتبني نظم سياسية تتيح المجال للتداول السلمي للسلطة. وكذلك منح مزيد من الحرية للنظام القضائي وتمكينه من مراقبة السلطة التنفيذية في حرية تامة.
وركز المجتمعون على ضرورة إجراء مصالحة وطنية وإطلاق سراح الناشطين وتحريم التعذيب في مراكز الاعتقال والاعتراف بحق التعبير والمبادرة للأحزاب السياسية.
وأما المحور الثالث فقد كان محور التحاور بين الإسلاميين والعلمانيين، وتركز الحوار حول مفاهيم الديمقراطية والشورى والخلافة وحقوق النساء، وبالطبع لم يتوصل المشاركون إلى اتفاقات في كثير من هذه القضايا ولكنهم قالوا إنه لا خلاف بينهم إذ هم لا يختلفون حول سيادة الشعب ومشروعية الحكومة المنتخبة بالاقتراع.
أما المحور الرابع والأخير فتركز حول ضرورة الإصلاح الديمقراطي في العشرية المقبلة عن طريق ظهور مجتمع مدني مؤثر وهو مجتمع يواجه الافتقار إلى الثقافة الديمقراطية والعناصر القادرة على التغيير وضعف الموارد المالية وغياب البيئة القانونية.
وإذا نظرنا إلى كل ما تناولته هذه الندوة وما تمخضت عنه وجدنا أنها لم تخرج عن حزمة من الأماني لا تعدو أن تكون ضربا من الأحلام، ذلك أن المطلوب هو تحقيق هذه الأماني بواسطة حكام غير معنيين بها ولا يفكرون في تغيير أسلوبهم في الحكم، لأنهم لا يعرفون ثقافة التغيير، كما لا يعرفون كيف تتحقق مصالح الشعوب، ولا يعني ذلك أن الأمر سيكون صراعا بين المطالبين والرافضين لأن واقع العالم العربي هو في حقيقته انعكاس لواقع ثقافي قائم، وكما قلت سابقا فإنه من التزيد أن يطالب الناس بمجتمعات ديمقراطية في نظم غير ديمقراطية، وما أعنيه هنا ليس نظما تأتي عن طريق الانتخاب، ذلك أن الانتخاب في العالم العربي قد يأتي بنظم أكثر سطوة، ونستطيع أن نقرأ ذلك في محاولات الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم في مصر، فهو في الواقع ليس حزبا لأنه مجرد تنظيم سياسي للسلطة كما أنه غير ديمقراطي لأنه لا يعمل في إطار مجتمع ديمقراطي وكل هدفه كما قلت سابقا أن يشرعن وجوده في الحكم، ذلك أن الديمقراطية ليست نظام انتخاب كما يعتقد الكثير في العالم العربي، بل هي نظام سياسي يخدم مصالح الأغلبية من السكان الذين يملكون سائر الصلاحيات الانتخابية في تغيير المشرعين والمنفذين عن طريق صناديق الاقتراع وعن طريق مؤسسات حزبية حقيقية تمثل أطياف المجتمع، وفي الحقيقة كما هو الشأن في بريطانيا والولايات المتحدة لا تحتاج البلاد لأكثر من حزبين أحدهما في السلطة والآخر في المعارضة، وأما الأحزاب القبلية والأيديولوجية والعقدية فهذه لا تستطيع أن تقود نظما ديمقراطية، ولا يفهم من ذلك أن النظم الديمقراطية تتطلب تغييرا في أشكال الحكم لأننا نرى في العالم نظما ذات أشكال مختلفة وتمارس الديمقراطية بدرجة عالية من الكفاءة.
القدس العربي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.