الرئيسية » صفحات الملف » اسرائيل » بين القضية الفلسطينية واستهداف المسيحيين العراقيين

بين القضية الفلسطينية واستهداف المسيحيين العراقيين

حسن منيمنة
الصيغة التي يعتمدها الكثيرون في أوساطنا، عند مخاطبة الآخرين، لا سيما منهم مَن في الغرب، هي أن القضية الفلسطينية، فعلاً وحقاً، منبع الأزمات في المنطقة، بل وإلى حد ما في العالم أجمع، فالاستهتار الدولي بفعل التشريد والتهجير الذي تعرّض له الإنسان الفلسطيني، وإنكار حق المجتمع الفلسطيني بإقامة الدولة التي تعبّر عن إرادته ومصالحه، وإتاحة المجال أمام جهد صريح يسعى لطمس التاريخ والحاضر والمستقبل في فلسطين لصالح رؤية قومية إقصائية جاءت من الخارج، وهو جهد مستمر، بشهادة الأعمال المسيئة التي يتوالى المستوطنون في الضفة الإقدام عليها، من الاستيلاء على الأراضي إلى تدمير المعالم والبساتين مروراً بتسييج منابع المياه، أفعال تؤسس لواقع رفض وغضب يستهدف المعتدي وكافة أدوات تمكينه من العدوان، بما فيها مشروعية المنظومة الدولية.
فهذه المنظومة، والتي طال انتظار إقدامها على الخطوات التصحيحية، لم تعد تستحق التعويل عليها، وليس من المستغرب أن ينحو الميل السياسي باتجاه البديل عنها. وهنا، وفق هذا الرأي، أصل التأييد للحركات الإسلامية، وليس من المستغرب كذلك أن تلقى التجاوزات على الإطار المعنوي الأخلاقي المتعارف عليه بعض القبول أو حتى التأييد، إذ هي مجرد ردة فعل على تجاوزات عديدة مقابلة، وإن كان يجري التستر على الطبيعة السلبية لهذه الأخيرة نفاقاً أو جهلاً.
ورغم أن هذه الصيغة تطرح غالباً كمعادلة سببية تتراجع معها كافة العوامل الأخرى إلى مؤثرات عرضية، فإنها لا تلقى في الغرب عادة الموافــقة، بل يكــثر في الأوساط الغربية اعتبار ما أسقط، إلى الثانوية من العوامل التاريخية والثقافية والاجتماعية والاقتــصادية، أساساً أصلح لتفسير ديمومة القضـــية الفلسطيــنية، بالمــقارنة مع حالات مشابهة في المنطقة وســائر الــعالم لم تؤدِّ إلى استــفحال المواجهات وتصعيد العدائية بين المجتمعات المتشاركة في الأرض.
وإذا صحّ، جدلاً على الأقل، القبول بالسببية بين التعامل مع القضية الفلسطينية وبين أقصى النتاجات التي تنسبها إليها هذه الصيغة، أي الإرهاب الفج الساعي إلى قتل من أتيحت الفرصة لقتله في الغرب، مع ما يستتبع ذلك من حاجة الغرب، المفترضة وفق هذه الصيغة، إلى مراجعة ذاتية وإلى تبديل في المواقف في الشأن الفلسطيني، وصولاً إلى حل يمكن معه تجفيف منابع الإرهاب، فإن ثمة شقاً آخر تستوجبه هذه الصيغة، والمعني فيه حصراً هو الثقافة العربية.
قد تكون فظاظة الاحتلال وشراسة العدوان من الدوافع التي دفعت المقاومة (الفلسطينية كما اللبنانية) إلى الإقدام على خطوات مبهمة أخلاقياً، إذ لو أرغم توازن الرعب العدو على إعادة النظر في استباحته النسبية لدماء المدنيين من أهلنا، فإن التجاوز الأخلاقي المترتب على استهداف المدنيين في الوسط المعادي يصبح مسألة قابلة للنقاش. لكن هذا التجاوز الأخلاقي في حالتنا لم يصبح مسألة قابلة للنقاش، بل أصبح حقاً مطلقاً، إذ باتت الأصوات التي تعتبر أن قتل البريء من المحرمات الأخلاقية، مهما كانت التبريرات، خافتةً إلى حد التلاشي.
فبدلاً من أن تتولى الثقافة في ديارنا مسؤولية موازنة المقاومة، كي تحتفظ هذه المقاومة ببعدها الأخلاقي، عمدت الثقافة في غالبها إلى المزايدة على المقاومة، فجرى الإنكار على البريء براءته، وعلى المدنيين مدنيتهم، وأصبح جميع اليهود شرّاً متأصلاً، يطيب لأكثرنا رؤية دماء أطفالهم تسيل، انتقاماً لدماء أطفالنا، وكأن الأطفال هنا وهنالك سلع في سوق مضاربة.
الثقافة العربية أساءت إلى الإنسان اليهودي في سعيها إلى تأصيل العداء مع ثقافته، انتصاراً للقضية الفلسطينية. أساءت إليه وصولاً إلى نزع الإنسانية عنه، وأساءت إليه بتأرجحها، المؤذي بجانبيه، بين إنكار ما تعرض له اليهود في أوروبا من مشروع إبادة فتاكة، واعتباره مختلَقاً، لأغراض دعائية، وبين الترحيب بهذه الجريمة والتأسف وحسب لأنها لم تكتمل. أساءت إليه في تجاهلها للإرث المثقل بالمآسي الذي يحمله، وأساءت إليه خاصة بإسقاطها لعلاقته الحميمة بالأرض الفلسطينية على مدى القرون.
والمفارقة في هذه الإساءات المتراكمة هي أن خلافها، أي الإقرار بما تنكره، كل على حدة أو كمجموعة، لا يستوجب القبول بالطرح الصهيوني، ولا يلطف أبداً وطأة التجاوزات الصهيونية بحق الإنسان والمجتمع الفلسطينيين. بعبارة أخرى: هذه الإساءات لا تأتي بأي فائدة للقضية الفلسطينية.
غير أن لهذه الإساءات ثمناً آخر تدفعه الثقافة العربية، ومعها الإنسان في عالم هذه الثقافة، فالذي يسكت عن وصف الآخرين بقتلة الأنبياء وأبناء القردة والخنازير، ويرحب بتحميلهم جماعياً مسؤولية ما يجري في فلسطين، يعجز عن معارضة الدعوة والفعل القاتل المصاحب لها لتحميل مجموع المسيحيين من العراقيين مسؤولية معاملة مفترضة لسيدة أو سيدتين في مسألة مبهمة في مصر.
خلال الحرب التي استنزفت لبنان وأزعجت شمالي إسرائيل في صـــيف ٢٠٠٦، صــدر عن الطــرف اللبناني اعتذار عن مقــتل الــمدنيين من العرب (دون اليهود) في إسرائيل نتيجة القصف الصاروخي الصادر من الجنوب اللبناني.
والواقع أن اللغة الانتقائية لهذا الاعتذار لا تؤسس لصيغة التحميل الجماعي للمسؤولية، بل تنقـــله ليس إلا إلى مستوى الخطاب العلني الصريح (وثمة تطورات موازية في الثـــقافة الإســرائيلية في انتقالها إلى الصراحة في عدائيتها، غير أن ذلك شأن إسرائيلي لا يبرر ما يجري عربياً).
أما الجديد في العقد المنصرم، فهو أن الأدوات الخطابية، من نزع الصفة الإنسانية والتحميل الجماعي للمسؤولية، والتي استهدفت اليهود دون تحفظ، أصبحت مؤهلة للاستعمال خارج إطار الصراع العربي الإسرائيلي، وجرى تطويعها بالفعل لاستهداف «الصليبيين» و«الرافضة» و«القبوريين» و«النواصب» و«الــعامة» وغيرهم من الجماعات الأحـادية المفترضة والتي يستحق أعيانها القتل والتهجير.
جسامة التراجع الخطير الذي يشهده العراق اليوم، بخسارته لمكــوّنه المسيحي، لم تستقر بعد في الوعي الثقافي العربي. وعوامل هذا التراجع عديدة دون شك، منها الآني ومنها المتأصل، إلا أن مسؤولية الثقافة العربية في المساهمة فيه، مــن خلال تجريحها باليهود ابتداء، هي مسؤولية أولية.
بالأمس اليهود، واليوم المسيحيون، وغداً من تبقى منا، ما لم تشهد الثقافة العربية دفعاً باتجاه المنحى الإصلاحي الكفيل بمساءلة الذات واعتماد الطرق السلمية النــابذة للعــنف غير الــمشروع مهـــما كانت المبررات، والتأكيد على الوحــدة الجامعة في مفهوم المواطَنة.
الحياة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.