جهاد صالحصفحات الناس

كل عام ونحن سوريون

null
جهاد صالح
يبدو أنك مهما أبتعدت عن بلاد المهانة والخوف، حيث الآلهة الأرضية تقطع الرقاب وتجلد الأفكار والأحلام في مهدها، سيظل القمع وثقافاته تلاحقك وتطاردك حتى لو كنت في بلاد الحرية والديمقراطية.
اليوم كنت حزينا وذاكرتي مشبعة بصور حية متدفقة من الوطن، أتذكر كل شيء بسلاسة، فقر وهجرة ومنافي،   أبناء الشمال الشرقي،أبناء الريح والغبار، حيث القمح والبترول والغاز ، هائمون بحثا عن الخبز والدفء ،  الآلاف في المهاجر يبحثون عن هامش الحرية وبقية حياة تشبه الحياة، وقد تغرق مجموعة في بحر ما ، يكون قبرهم بحر بلا حدود، وكأنها الحرية الكبرى التي بحثوا عنها تحت عيون الله ، والوطن الواسع بلا سجون ومعتقلات وقتل وتعذيب؟ كم مؤلم مشهدك يا وطن الياسمين والقمح والزيتون؟!
الجميع من حولي فرحين بالعيد وأشجار مزينة تبتسم للمارة. في مكان عملي حيث أعمل نادلا في مطعم أمريكي ، يتحدث لي رجل مع عائلته ويسألني : هل تتكلم العربية؟
تبادلنا الحديث وقد كانت عائلة دمشقية، فرحتُ بها، كأنّ  دمشق تصافحني في عيد الميلاد، حين عرف أني كردي سوري! تجهّم الرجل والعائلة ، أنتم الأكراد البعض منكم سوريون. وماذا عن الآخرين؟
الرجل قالها بكل برودة وعنصرية: أنتم  لستم سوريون. ابتسمت له،  مسترسلا في حديثي: وماذا عن الأكراد المجردين من الجنسية السورية، هل هم من ضمن ما تحدثت به، أكتفى الرجل بالاختصار وهو أنّ هؤلاء الكرد المجردين من الجنسية لا أصل ولا فصل لهم، ولا أحد يعرف من أي أرض جاؤوا؟
تغيّرت ملامحي، وانتابتني موجة برد وقشعريرة لزجة، يا سيدي أكراد سوريا هنا على هذه الأرض  من عمر الجبال والبحر، وأن نظامك المستبد يمارس الطائفية بحق شعب سوريا، والأكراد وطنيون وسوريون أكثر من كل رجالات الحكومة السورية الفاسدة.  بسبب نظام الأسد تشردنا نحن مع الملايين  من حملة الشهادات الجامعية لنكون ضيوفا في أوطان الغير، وخدما في مطاعمهم ، فيما سيدك يتباهى أمام الغرب والعالم أنه ديكتاتور منتخب من الشعب.
تغيرت ملامحه وغضب لأنني تحدثت عن ربه القابع في دمشق،وسياسات حكومته الفاسدة من الوريد إلى الوريد، وغادر دون أن يقول سلاما، وقلبه يتقطّر حقدا علي؟
لكم شعرتُ بالخزي والشفقة، وأنا أجتمع مع مواطن من وطني ليمارس عنصريته وطائفيته بحقي ككردي سوري، في حين كانت الغربة تقهقه ساخرة والزمن صامت في دهشة المكان والزمان والحدث.
لم يتركني القدر هكذا، بل طفح بي بوحشية، وأدخلني في دوامة الذاكرة وجنوحها، ليس هناك في ذاكرتي سوى لحظات مؤلمة،  ليس في جسد سوريا سوى ظلم وظلم وظلم، كيف لك أيها الكردي أن تغسل جرحك ، جرحان، جرحك ككردي ، وجرحك كسوري تُمارس بحقه ثقافة الاقصاء والنفي والتغريبة عن الوطنية والمكان ،حيث الانتماء والتربة الأولى؟
بكيتُ ذلك اليوم كثيرا كثيرا، بكيت سوريتي، بكيت كرديتي، بكيت الناس، والسجون التي تصمت منذ عقود، ما عادت تستطيع أن تتنفس، المكان، من عويل الجدران، كم الوصف يسترسل بعيدا باحثا عن معاني للدهشة واللحظة، لكن يبقى الألم جرحا دون نوافذ وأبواب.
حين فاجئتني مديرتي الأمريكية مع دموعي، أخذتني لمكتبها، بكت كثيرا، طويلا، بعد أن عرفت مما جرى بحقي  من عائلة من وطني، دُجنت على ثقافة العبودية و المؤامرة والتخوين والاقصاء.
من هنا لا أستطيع أن أضحك في العيد، وأي عيد، هل أزيّن شجرة الميلاد بأرغفة الخبز التي هي حلم شعبي الفقير، أم أزينها بصور  عصافير الحرية الذين تبتلعهم المنفردات والمعتقلات لمجرد فكرة وبقعة ضوء. هل أعلق على شجرتي حكايات ثلاثة ملايين كردي ميتون بحكم نظام دمشق ومخابراتها، هل أهدي أصدقائي علبا ملونة في داخلها مأساة وطن يكاد يتحول لجحيم نهاري، لا أستطيع أن أفرح،أو أهدي ما يفرح ، وهناك في أرض الآباء والأجداد كل الشجر تمزق في قطرة مطر، وبقعة شمس،  وذاكرة جلاد جائع للانسان والحرية. قدرنا أن نظل هكذا معلقين بين الأرض والسماء، دون رحمة، مصلوبين في حلمنا، وحريتنا التي تنام معنا، وتجوع معنا، وتجلد معنا، وستموت معنا.
واشنطن
خاص – صفحات سورية –

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى