بدر الدين شننصفحات سورية

الاستبداد والتحولات الاقتصادية الاجتماعية

null
بدر الدين شنن
بعد أن ’و ضعت تطبيقات اقتصاد السوق وتوجهات الخصخصة قيد التطبيق ، وانطلقت الخطوات العملية للاستجابة لمتطلبات البنك الدولي وا شتراطات الشراكة الأوربية ، التي سماها البعض ب ” الليبرالية الاقتصادية ” وسماها البعض الآخر ب ” التحويل الاقتصادي ” وكلاهما يستدعي إقالة الدولة من دورها الموجه للاقتصاد ، ’طرحت معها ، بصورة أكثر جدية من قبل ، مسألة ” نمط ” الدولة المطابق لهذه الليبرالية أو هذا التحويل . أما النظام ، فهو ثابت في د ست السلطة ، يوجه عبر الاستبداد النمط المناسب له في مخططاته الاقتصادية ، بما ينسجم مع مصالحه وا ستدامته .
في كل الأحوال ، بات نمط الدولة الراهن في حالة انزياح ، يتعين التعاطي معه ، على ضوء تجربة نحو نصف قرن من أنماط الدولة المعاشة ، للحيلولة دون ا ستقراره غير صالح الاقتصاد الوطني .. وفي غير صالح الطبقات الشعبية .
نمط الدولة ” التقدمية ” في العهد الشباطي مابين 1966 – 1970 ، المشحونة بالرغبة في بناء اقتصاد وطني متعدد ، يستند إلى قطاع عام انتاجي وخدمي ، يوفر القوة والمنعة للدولة ، ويؤمن فرص حياة كريمة أفضل للمجتمع ، قد أصبح وراء الظهر منذ زمن طويل .. منذ أن قام الفريق حافظ الأسد عام 1970 بحركته ” التصحيحية ” واضعاً البلاد على مسارات جديدة مغايرة عنوانها ” ستكون سوريا ألمانيا غربية أخرى في الشرق ” .
لقد ا شتغل الرئيس الراحل بدأب على إعادة هيكلة الاقتصاد حسب رؤاه المستقبلية باتجاه رسملة الاقتصاد برمته . لكنه منذ البداية ، كان حريصاً على عدم الانزلاق نحو مستحقات هذا الخيار السياسية المعاصرة ، التي تشترط التخلي عن التفرد بالحكم ، والانتقال إلى الديمقراطية والتعددية وتداول السلطة . فكانت إعادة مشروطة ومتكاملة مع أ سس ومقومات الاستبداد . وبذا جاء نمط ” ا ستثنائي ” للاقتصاد مطابق لنمط الدولة الاستبدادية ، التي جاءت به واحتضنته . نمط تتميز سماته الاستثنائية بأنه لم يعد مطابقاً لشروط الاقتصاد الموجه من طرف ، وغير مطابق لشروط الاقتصاد الرأ سمالي من طرف آخر . وأنه في حالة تعارض مع حوامله الاجتماعية . ذلك أنه لم يتح في المجال سابقاً للقوى الاجتماعية صاحبة المصلحة في الاقتصاد الموجه ، أن تمارس بالآليات الديمقراطية والشفافية ، دورها في تعزيز هذا الاقتصاد وحمايته ، لتوظيفه في تطوير الاقتصاد الوطني عامة ، وحماية مستويات المعيشة للطبقات الشعبية خاصة . وأنه لايتيح في المجال لاحقاً لشروط الاقتصاد الرأ سمالي السياسية أن تشق طريقها ، وتؤمن ا شتراك كامل الطيف الرأ سمالي الوطني في لعبة الديمقراطية وتداول السلطة وتقاسم فائض القيمة .
وكانت المحصلة لعملية رسملة الاقتصاد ، أن ترسمل أهل الحكم قبل رسملة الاقتصاد ، وتحولوا إلى أصحاب الملايين من الدولارات ، وأن ’دفعت القوى الكادحة والفقيرة إلى مادون خط الفقر ، وانتشر الفساد على كل المستويات ..
بعد ثلاثين عاماً توفي الرجل . لكن سوريا في نهاية المطاف ، نسيت السير على نمط الدولة ” التقدمية ” الموعودة ، ولم تتعلم السير على نمط الدولة الرأ سمالية المنشودة .
ومع ثبات خطوات الرسملة للاقتصاد في عهد الرئيس الابن ، التي ا ستدعت اقتصاد السوق والخصخصة ، تكرس النمط ” الاستثنائي ” للدولة ، وشق طريقه ’بعد جديد اجتماعي اقتصادي في الأزمة السورية الشاملة ، سوف ينعكس لاحقاً ، بأشكال متعددة على قوى المعارضة . فهي إذ تتوحد في مرحلة الاستبداد حول اليمقراطية ، إلاّ أنها ، بسبب تعدد خلفياتها الاجتماعية الاقتصادية ، تنقسم حول البناء بعده . وكلما أمعن النظام في رسملة الاقتصاد .. في اقتصاد السوق والخصخصة ، يتجذر هذا الانقسام ويتعمق ، ويستبق البعض التداعيات المتوقعة في تحديد خياراته واصطفافاته . تعبر عن ذلك منذ الآن الطروحات المتفائلة ، بما يشبه الحتمية التاريخية ، حول تلازم أوجه الليبرالية الاقتصادية والسياسية والديمقراطية ، وتزكية ” الليبرالية ” الاقتصادية الجارية ، وضرورة إلحاقها بوجهها الآخر الليبرالية السياسية .
بيد أن حسابات حقل بيدر التلازم النظري لاتنطبق على حسابات بيدر النظام ، الذي يبني كل مؤسساته وتوجهاته على قواعد الاستثناء ، المعبر عنه بتمسكه بثوابته الأساسية في الحكم . ذلك أن الحرص الذي اكتنف المسار الاقتصادي ” الجديد ” في عهد الرئيس الأب ، بعدم الانزلاق نحو مستحقاته السياسية ، أي تلازم الرسملة بالديمقراطية ، قد اتخذ طابعاً أكثر تماسكاً في عهد الرئيس الابن ، وتعزز أكثر بناء النظام على وحدانية مركز القرار السياسي والاقتصادي والأمني ، على خلفية وعي كامل ، بأن السماح بتعدد المراكز والمرجعيات على مستوى النظام ، والتعدد على مستوى المركز الواحد ، سوف يؤدي إلى خلخلة النظام وربما إلى نهايته . بمعنى أن التمييز بين فريق سياسي وآخر اقتصادي وثالث أمني ، ورصد تحرك هذا الفريق أو ذاك ، والرهان على انعكاس حراكه على الفريق الآخر ، هو تجاوز للواقع السافر .
ومن الممكن ملاحظة أن من يقوم بهذا التجاوز هو أكثر من تيار سياسي أو ثقافي . هناك تيار سياسي ’يحمّل الفريق الاقتصادي في الحكومة مسؤولية كل الموبقات الاقتصادية ، الغلاء ، والخصخصة ، واقتصاد السوق ، في محاولة الهدف منها تبرئة الفريق السياسي ( النظام ) وتبرئة الذات من تحمل المسؤولية في هذا الوضع المزري . وهناك تيار سياسي ثان يرى في ” التحويل الاقتصادي ” بوابة الديمقراطية والتنمية والعدالة ، في محاولة تعبر عن الرغبة في التقاطع مع النظام في المرحلة ” التحويلية ” الجارية ، شرط إطلاق الحريات السياسية والنقابية . وتيار ثالث سياسي ثقافي عبر عن هذا التجاوز ، بأن ا ستسلم أو كاد للعطالة ، بعد انحسار دور الخارج في التغيير وبعد انفتاح الخارج على النظام عامة . وبعد بروز تلاوين التناقضات الجديدة في الصراع الداخلي مع النظام خاصة .
بعد قراءة متأنية للمشهد السوري ، نجد أن المنحى الاقتصادي الجاري تطبيقه على قدم وساق ، رغم كل الاحتجاجات اللفظية من هنا أو هناك ، هو نتاج موضوعي لمسار اقتصادي خبيث ، لم يجرؤ المحتجون عليه الآن بإطار السلطة من التعرض إليه في السابق . ولم يجرؤ على التبشير به من خارج السلطة سابقاً المتفائلون به الآن . وهو لم يبدل في جوهر التناقض بين النظام والمجتمع .. سيما جوهر مسوغات المعارضة لسياسات النظام ونهجه وظلمه ، وإنما بسبب الطابع المتوحش لاقتصاد السوق والخصخصة ، قد أعطي أبعاداً سياسية اجتماعية أوضح وأعمق من ذي قبل للحراك المعارض .. وأكد بارتباطه ، أي المنحى ، بوحدانية مركز القرار السياسي الاقتصادي الأمني ، أن النظام لن يعطي لا الليبرالية الاقتصادية بمضامينها وتجلياتها المعاصرة ولا الليبرالية السياسية المستحقة معها . كل ما سوف يقوم به هو تكريس ذاته وإعادة ا ستنساخها بالشكل الذي يعبر عن حريته ( ليبراليته ) هو الاقتصادية والسياسية ، التي قد تفتح حيزاً محدوداً من الهوامش لبعض المتهافتين على فتات موائد النظام .
مامعناه بكلام آخر ، أن ” التحويل الاقتصادي ” المتمثل باقتصاد السوق والخصخصة ، المسمى أيضاً ب ” الليبرالية الاقتصادية ” ، إنما هو في حقيقته تحويل في آليات النظام الاقتصادية ، لتستحوذ الطبقة الحاكمة على مزيد من الثراء .. من السيطرة على الاقتصاد الوطني . ذلك أن الليبرالية الاقتصادية بوابة الليبرالية السياسية والتنمية الاقتصادية الاجتماعية ، كما يقال ، لامكان لها في البلدان المفوتة إلاّ في مخيلة الحامين بالرأ سمالية . فحسب التقسيم الرأ سمالي الاحتكاري وخاصة ( العولمي ) من غير المسموح به نشوء اقتصاد قوي منافس في هذه البلدان . والرساميل الأجنبية التي قد تأتي إليها للإستثمار ، إنما هي تأتي جرياً وراء معدلات سريعة وعالية من الربح ، وتتجه إلى العمل في المشاريع التي لاتحتاج إلى رأ سمال عضوي كبير ، حيث يكون فائض القيمة نسبياً ، بل تتجه إلى المشاريع السياحية والعقارية ، التي يدور فيها الرأ سمال بإيقاعات ووتائر أسرع محققاً فائض قيمة مضاعف . وهو أي ” التحويل الاقتصادي ” خداع للمجتمع وللطبقات الشعبية .
لعل مصر ، مرة أخرى ، هي المثال المقارب للحالة السورية . فما جرى في مصر باسم الانفتاح الاقتصادي ، وتمثل بخصخصة القطاع العام ومؤسسات الدولة الخدمية . وبيع العديد من مؤسساته بلصوصية حقيرة مثل بيع أثاث منزلي مستعمل . وتطبيق اقتصاد السوق ، وسيطرة كبار الرأ سماليين على الحكم . وانفلات القمع والغلاء وارتفاع الأسعار الجنوني . وانتشار الفساد ، والجريمة ، والدعارة بكل تجلياتها البشعة ، الجنسية والسياسية والأخلاقية ، تحت ضغط الفقر الأسود والقمع وآلام اقتصاد السوق والليبرالية الاقتصادية المتوحشة ، يجري العمل على تحقيقه في سوريا أيضاً با سم ” الليبرالية الاقتصادية واقتصاد السوق .. ومثلما جرى التحويل الاقتصادي الليبرالي بمصر بقرار السياسي وقيادته بذاته ولذاته ، يجري هذا التحويل في سوريا بقرار السياسي وقيادته بذاته ولذاته أيضاً . وهذا ما يجيز القول ، أن مثل هذا التحويل أو الليبرالية محكوم بنتائج لاتطابق ، سيما في البلدان المحكومة بالاستبداد ، ما يطرح عن دوره أو دورها الحتمي في التنمية والنهوض الاقتصادي وفي إشاعة الحرية .
وهذا ما يلفت مرة أخرى ، إلى التوقف عند نمط الدولة الذي يجري في كنفه هذا التحويل الاقتصادي الليبرالي ، قبل إصدار الأحكام والتوقعات تجاه تجليات التحويل وانعكاساته الإيجابية أو السلبية . كما يلفت إلى أن نمط الدولة الاستبدادي الذي ’يزمع في كنفه إجراء تحولات اقتصادية ليبرالية ، يتطلب نمطاً مكافئاً من الحراك المعارض ، يحتوي على مختلف أشكال النضال الجماهيري .. ويصبح البحث عن نمط دولة ، يطابق برنامج التغيير الوطني الديمقراطي المنفتح على العدالة الاجتماعية .. إحدى أولويات بحوث الاجتماع السياسي لمختلف ألوان الطيف السياسي في المشهد السوري .

الحوار المتمدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى