حسين العوداتصفحات سورية

عام العلاقات السورية ـــ التركية

null
حسين العودات
كان عام 2010 عام العلاقات المميزة والمزدهرة بين سوريا وتركيا، فقد اتسعت فيه هذه العلاقات وتنوعت، وشملت الجوانب الاقتصادية والسياسية والسياحية والاجتماعية والثقافية أيضاً، بما لم تشهد له مثيلاً علاقات سوريا مع أي بلد آخر في العقدين الماضيين وفي عام واحد.
فقد تضاعف عدد السياح المتبادل بين البلدين، وزاد حجم التبادل التجاري زيادة متسارعة، وكذلك حجم الاستثمارات، وفتحت منافذ حدود برية جديدة، وتم تفعيل منافذ قائمة سابقاً، وزاد عدد رحلات الطيران، وألغيت سمات الدخول بين البلدين، وأصبحت الزيارات المتبادلة لسكانهما أمراً ميسوراً. وأقيمت الأسابيع الثقافية والندوات «التاريخية» في كل منهما، وكتب الكتاب مذكرين بالعلاقات التاريخية، وطالب بعض «المثقفين» بإعادة دراسة هذه العلاقات بين البلدين في العهد العثماني، والسعي لكتابة تاريخ جديد عن ذاك العهد، وحاول بعضهم تبرير الاستبداد العثماني السلطاني، ونادى البعض الآخر بتبرئة السلطان عبد الحميد الثاني نفسه من الاستبداد والجرائم التي ارتكبها نظامه في حق العرب والأتراك على حد سواء.
وعلى النطاق السياسي الراهن، ما زالت السياسة السورية تنوه بأهمية الدور التركي الإقليمي، وتسهل القيام به وإنجاحه، وتصر على أولوية الوساطة التركية بين سوريا و”إسرائيل”، والرعاية التركية للمفاوضات السورية – الإسرائيلية غير المباشرة. وشكل البلدان مجلساً أعلى لدراسة القضايا الاستراتيجية ذات الاهتمام المشترك، والإشراف على حسن تنفيذ الاتفاقات والمواثيق، وتبادل المسؤولون في البلدين الزيارات على مستوى الرؤساء ورؤساء الوزارات، إضافة إلى الوفود ورجال المال والأعمال، وأسست غرف تجارية وصناعية مشتركة وتم توقيع (51) اتفاقية ووثيقة تصاريح نوايا ومذكرات تفاهم، وكل هذا في العام (2010).
قبل عشرة أيام زار رئيس الوزراء السوري أنقرة ووقع (11) وثيقة جديدة، تضمنت اتفاقيات للتعاون في مجال مكافحة الإرهاب والخدمات الاجتماعية ورعاية الأطفال، وأربع مذكرات تفاهم في مجال توليد الكهرباء وتوزيعها، والطاقات المتجددة، واتفاقات أخرى في مجال تطوير عمل المصالح والسجلات العقارية، والتعاون بين مجلس النقد والتسليف التركي والمصرف المركزي السوري، وفتح فرع لبنك تركي في سوريا، وتمويل مشاريع تنموية بمبلغ (250) مليون دولار، واتفاقية تعاون في مجال حماية البيئة، وبرنامج تنفيذي للتعاون في مجال الإسكان، وربط شبكة الغاز الطبيعي بين البلدين، وفتح منافذ حدودية جديدة. والأهم من هذه الاتفاقيات والوثائق جميعها، هو الاتفاق على وضع حجر الأساس لـ «سد الصداقة» على نهر العاصي، ذلك أن بناء سد للنفع المشترك على هذا النهر، يتجاوز الجانب الاقتصادي ليطاول الجانب السياسي والتاريخي.
إن تطور العلاقات غير المسبوق هذا، والمملوء بالإيجابيات والنشاطات في كل جانب واتجاه، والذي بدأ قبل بضع سنوات، وكانت اتفاقات هذا العام تتويجاً له، شمل جميع جوانب العلاقات، لكنه تجاهل أمرين تجاهلاً ملحوظاً، واهتم بأمرين آخرين اهتماماً خاصاً. وكان التجاهل والاهتمام كلاهما لصالح تركيا.
فما تجاهلته الاتفاقات أو جهلته أو سكتت عنه ولم تصر على تغييره، هو عدم الإقرار التركي بأن نهر الفرات نهر دولي، فما زالت تركيا حتى الآن تعتبره نهراً تركياً محلياً، وهذا ينعكس على توزيع مياه النهر بين تركيا وسوريا والعراق. والفرق كبير جداً بين الحصص إذا كان النهر نهراً دولياً أو محلياً. ولذلك تحدد تركيا وحدها الآن كمية المياه التي تجري فيه، والكمية الذاهبة إلى سوريا والعراق (أي تحدد لوحدها حصة كل من البلدين)، وتصر على ذلك لئلا يطبق القانون الدولي على توزيع مياهه، وتسمح الآن بتمرير 500م3 في الثانية فقط في هذا النهر، وقد بنت عليه سدوداً مثل «سد أتاتورك»، يمكنها أن تخزن كامل مياهه. والأمر الثاني الذي تم تجاهل حله وما زال معلقاً، هو أملاك السوريين على طول الحدود السورية التركية من الجانب التركي، والتي تتصرف فيها الحكومة التركية منذ انهيار الدولة العثمانية بعد نهاية الحرب العالمية الأولى.
أما الأمران اللذان تم الاهتمام بهما، فهما اتفاقية التعاون في مجال الإرهاب، أي مشاركة سوريا في ملاحقة حزب العمال الكردستاني التركي، الذي تعتبره الحكومة التركية حزباً إرهابياً، وتقدم سوريا بذلك مساعدة لتركيا. ومن البديهي أن هذا التعاون هام جداً للسياسة التركية. والأمر الثاني شديد الأهمية، هو الاتفاق على وضع حجر الأساس لـ «سد الصداقة» على نهر العاصي، فمن المعلوم أن نهر العاضي نهر سوري ينبع من سلسلة جبال لبنان الشرقية، ويجتاز سوريا في اتجاه الشمال ليصب على ساحل محافظة اسكندرون، وكانت الحكومات السورية المتعاقبة ترفض أي تعاون مع تركيا يتعلق بهذا النهر، لأن تدويل النهر سيعني الاعتراف بأن اسكندرون أرض تركية، ومجرد قبول وضع حجر الأساس على هذا النهر لبناء سد يستفيد منه الطرفان، يعني اعترافاً سورياً بتتريك الاسكندرون، وهذا الأمر كان معلقاً (ومرفوضاً من سوريا) منذ عام 1939 أيام قام الانتداب الفرنسي بضمه إلى تركيا، وحتى الآن. وقد يشكل اعتبار العاصي نهراً دولياً سابقة تستفيد منها “إسرائيل” في مطالبتها باعتبار نهر اليرموك نهراً دولياً أيضاً، وهذا ما رفضته سوريا دائماً وما زالت ترفضه.
لقد بلغت العلاقات بين سوريا وتركيا أبعاداً كبيرة جداً، عمقاً واتساعاً، وأسست لتعاون في مختلف المجالات يصعب فصمه، ولا شك أن مجالات التعاون هذه وتطبيقاتها التي ربما كانت تتجاوز حتى ضرورات الجوار، ستكون لها تأثيرات على علاقاتهما المستقبلية، وعلى الاستراتيجية الإقليمية لكل منهما.
البيان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى