صبحي حديديصفحات العالم

ظل كيسنجر الثقيل: عود على بدء لا ينتهي

null
صبحي حديدي
كانت معلومة تتجاوز اللباقة الأدبية، أو روحية الفخار الوطني والتقدير المهني، تلك التي نطق بها مستشار الأمن القومي الأمريكي، الجنرال جيمس ل. جونز، في تقريظ زميله في المنصب ووزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر: ‘إنني، بوصفي مستشار الأمن القومي الأحدث عهداً، أتلقى أوامري اليومية من الدكتور كيسنجر، وهي تمرّ إليّ عبر الجنرال برنت سكاوكروفت وساندي بيرغر، الحاضر بيننا أيضاً’. كان الجنرال جونز يخاطب قمّة ميونيخ الـ 45 حول الأمن الدولي، في مناسبة منح كيسنجر جائزة فون كلايست، في دورتها الأولى، بسبب ‘إسهاماته في الأمن الدولي والتعاون العالمي’، ولأنه ‘ألهم أجيالاً من الدبلوماسيين والساسة على امتداد العالم’.
والحال أنّ كيسنجر على الألسن هذه الأيام، ليس لأنّ مؤتمرات ومحافل ومجالس جيو ـ ستراتيجية تذكره وتستذكره وتستعين بنصحه وتكرّمه فحسب، بل لأنّ سيرته الرسمية صدرت مؤخراً، بعد أكثر من سيرة غير رسمية، فلم تسلّط الضوء إلا على مزيد من ازدواج شخصيته: مجرم الحرب في ناظر الأكثرية الساحقة، وعجوز ‘السياسة الواقعية’ الأريب الداهية عند قلّة القلّة. ألستير هورن، كاتب السيرة التي تحمل عنوان ‘كيسنجر: 1973، السنة الحاسمة’ وتقع في 480 صفحة، يعتبر أنّ تلك السنة شهدت اجتماع أقدار كيسنجر، سواء في صالحه أو ضدّه: الحرب العربية ـ الإسرائيلية في تشرين الأوّل (أكتوبر)، هزيمة أمريكا في فييتنام، الوفاق مع الإتحاد السوفييتي، فضيحة ‘ووترغيت’ واستقالة الرئيس الأمريكي ريشارد نكسون، حيازة جائزة نوبل للسلام، تولّي وزارة الخارجية.
لكنّ هورن لا يتورّع عن تعداد جرائم كيسنجر، رغم أنه يجد لبعضها مبررات ذرائعية ناجمة عن اعتناق صيغة قصوى من مذهب الواقعية السياسية، أو الـ Realpolitik: قصف فييتنام وكمبوديا (حيث نتذكّر نحن، وليس هورن، أنّ تعداد الضحايا بلغ 700 ألف، سقطوا تحت وطأة قذائف تعادل خمس قنابل من عيار هيروشيما)؛ الدعم السرّي للإنقلاب العسكري ضدّ حكومة الرئيس التشيلي ألليندي، الشرعية، واغتياله؛ تقديم دعم مماثل إلى عدد من الأنظمة اليمينية والرجعية والدكتاتورية، هنا وهناك في العالم؛ التورّط الواضح، رغم تمويه الأدلة جيداً، في أعمال الاغتيال والاختطاف التي عُرفت باسم ‘عملية الكوندور’؛ منح الضوء الأخضر للدكتاتور الأندونيسي سوهارتو لغزو تيمور الشرقية، وتزويده بالأسلحة والعتاد، حيث سقط ما يقارب 200 ألف ضحية. في ما يخصّنا، نحن العرب، هنا لائحة مختصرة بما اتخذه كيسنجر من مواقف، وما أشار به من توجهات:
ـ نصح الدولة العبرية بسحق الإنتفاضة الأولى، ‘على نحو وحشيّ وشامل وخاطف’، وهذه كلمات كيسنجر الحرفية التي سرّبها عامداً جوليوس بيرمان، الرئيس الأسبق للمنظمات اليهودية الأمريكية؛
ـ الموقف ‘التشريحي’ المأثور من الإحتلال العراقي للكويت، ودعوة الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب إلى تنفيذ ‘ضربات جراحية’ تصيب العمق الحضاري والإجتماعي والاقتصادي للعراق (لبلد والشعب، قبل النظام وآلته العسكرية والسياسية)؛
ـ الدعوة العلنية، المأثورة تماماً بدورها، إلى ‘نزع أسنان العراق دون تدمير قدرته على مقاومة أي غزو خارجي من جانب جيرانه المتلهفين على ذلك’، في مقالة مدوّية بعنوان ‘جدول أعمال ما بعد الحرب’، نشرها في تاريخ حاسم ذي دلالة بالغة: 28/1/1991، بعد اسبوع على بدء الأعمال العسكرية في ‘عاصفة الصحراء’؛
ـ توبيخ فريق رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحق رابين، لأنّ ما تعاقدوا عليه مع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في أوسلو، ثمّ في البيت الأبيض، ليس سوى ‘أوالية’ متحرّكة ستفضي عاجلاً أم آجلاً إلى دولة فلسطينية (هي التي يرفضها كيفما جاءت، وأينما قامت، ويستوي لديه أن تتخلق من محض ‘أوالية’ أو تنقلب الى أقلّ من بلدية)؛
ـ سخريته من بعض الفتية الهواة في البيت الأبيض، ممّن يخلطون ‘البزنس’ بالأخلاق، والتجارة بحقوق الإنسان (ومثاله الأثير هو الصين)، ولا يميّزون في حروب التبادل بين العصبوية الأورو ـ أمريكية وشرعة التقاسم الكوني لسوق شاسعة بقدر ماهي ضيقة (مواثيق الـ GATT وأخواتها).
قبل هذه وبعدها، كان كيسنجر قد عرض عصارة البلسم الذي يقترحه لمداواة عالم خرج من قمقم الحرب الباردة، دون أن يهتدي بعدُ الى فضاء (فكيف بقمقم!) جديد، وذلك في كتابه الضخم ‘دبلوماسية’، 1994. هنا خلاصات حكيم السياسة الخارجية الأمريكية، حول ما يتوجّب أن يتمحور معها من أعراف جديدة وألاعيب (تُسمّى ‘ستراتيجيات’ من قبيل التهذيب الذرائعي)، وسياسات، ومراجعات، وخطط:
1 ـ العالم الراهن يقتضي، أكثر من أي وقت مضى، امتلاك المعنى الأشدّ وضوحاً وبروداً ونفياً للعواطف، بصدد مضمون وجدوى مفهوم المصلحة الوطنية (والكونية، لأنّ المصلحة الوطنية الأمريكية هي مصلحة البشرية جمعاء، شاءت تلك البشرية أم أبت)؛ 2 ـ ينبغي وضع أكبر قدر ممكن من علامات الإستفهام والريبة، أبد الدهر ودونما تردّد أو تلكؤ، على أي ترتيبات متصلة بالأمن الجماعي، سيما تلك التي ترتكز جوهرياً على ذلك ‘الإجماع الصوفي الغامض’ حول أخلاقية انتفاء القوّة (وبالتالي اللجوء إليها) في مختلف ميادين العلاقات الدولية.
3 ـ لا مناص من ترجيح (ثم صياغة وتطوير) التحالفات الصريحة القائمة على المصلحة المشتركة، وغضّ النظر عن التحالفات المقابلة، أي تلك التي تحوّل مقولات ‘السلام’ و’الحرّية’ إلى شعارات وشعائر زلقة ومطاطة وجوفاء. أعراف ‘القرية الإنسانية الكونية’ ليست قابلة للصرف في سوق مزدحمة شرسة لا ترحم. أعيدوها إلى أفلاطون والأفلاطونيين، يطلب كيسنجر، وفي الإعادة إفادة وتجنيب لشرّ القتال!
4ـ تأسيساً على ذلك، لا بدّ من إقرار واعتماد الحقيقة القاسية التالية: التنازع، وليس السلام، هو الأقنوم الطبيعي الذي ينظّم العلاقات بين الشعوب والقوى والأفراد.
5 ـ ‘لا يوجد أصدقاء دائمون ولا أعداء دائمون، بل توجد مصالح دائمة فقط’. كان اللورد بالمرستون (وزير خارجية بريطانيا في ثلاثينيات القرن الماضي)، على حقّ حين اجترح هذه العبارة الذهبية. إنه على حقّ اليوم أيضاً، أكثر من أي وقت مضى.
وفي ضوء هذه القواعد الذهبية، قرأ كيسنجر حال أمريكا في العراق، في مقالة شهيرة مسهبة بعنوان ‘دروس من أجل ستراتيجية مخرج’، نشرتها صحيفة ‘واشنطن بوست’ الأمريكية صيف 2005، وكذلك في حوار (دراماتيكي، كما يتوجب القول) مع قناة الـ CNN في أعقاب نشر المقالة إياها. آنذاك، وكما يفعل اليوم في موقعه الشخصي الرسمي على الإنترنيت، نطق كيسنجر بالمسكوت عنه في مختلف دوائر إدارة بوش الابن فحسب، وربما في صفوف غالبية المراقبين والمحلّلين والشارع الأمريكي العريض على حدّ سواء. ذلك المسكوت عنه، المفضوح عملياً منذ البدء، هو التماثلات المتزايدة بين التورّط العسكري الأمريكي في فييتنام، والإحتلال الأمريكي الراهن للعراق، من جهة أولى؛ ومآلات الهزيمة العسكرية هناك، وعواقب استعصاء المخرج الأمريكي هنا، من جهة ثانية؛ فضلاً، من جهة ثالثة، عن ذلك الدرس العتيق الكلاسيكي الصائب أبد الدهر: أنّ كسب أية حرب لا يعني كسب سلامها، أو أيّ سلام ربما!
ورغم أنّ شهادته مطعون بها تماماً، إذْ أنه أحد مهندسي التورّط في فييتنام، ومشعوذي تسمية الهزيمة الأمريكية بـ’عملية سلام’؛ فإنه لا يتردد في الإدلاء بمزيد من شهادات الزور، الصاعقة حقاً، كما في هذه الفقرة: ‘من المؤكد أنّ التاريخ لا يكرّر نفسه بدقّة. فييتنام كانت معركة تخصّ الحرب الباردة؛ وأمّا العراق فهو أحدوثة Episode في الصراع ضدّ الإسلام الجذري. لقد فُهم أنّ تحدّي الحرب الباردة هو البقاء السياسي للأمم ـ الدول المستقلة، المتحالفة مع الولايات المتحدة والمحيطة بالإتحاد السوفييتي. لكنّ الحرب في العراق لا تدور حول الشأن الجيو ـ سياسي بقدر ما تدور حول صدام الإيديولوجيات والثقافات والعقائد الدينية. ولأنّ التحدّي الإسلامي واسع النطاق، فإنّ الحصيلة في العراق سيكون لها من المغزى العميق أكثر ممّا كان لفييتنام. فلو قامت، في بغداد أو في أيّ جزء من العراق، حكومة على شاكلة الطالبان أو دولة أصولية راديكالية، فإنّ موجات الصدمة سوف تتردّد على امتداد العالم المسلم. والقوى الراديكالية في البلدان المسلمة، أو الأقليات المسلمة في البلدان غير المسلمة، سوف تتجاسر في هجماتها على الحكومات القائمة. وهكذا ستصبح السلامة والإستقرار الداخلي عرضة للخطر في كلّ المجتمعات الواقعة ضمن نطاق الإسلام المتحزّب’…
هل اتضح أنّ احتلال العراق محض ‘أحدوثة’، وليس ـ كما بشّر التنظير العقائدي المحافظ، قديمه وجديده ـ محطة فاصلة كبرى في تارخ الحملات الصليبية الأمريكية، بل والغربية إجمالاً، من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان وحقّ المجتمع الدولي في تعديل أو حتى إغفال أو إسقاط مبدأ ‘السيادة الوطنية’ من أجل الصالح الإنساني العام، إلخ… إلخ…؟
وهل الخشية، كلّ الخشية، هي احتمال قيام ‘حكومة على شاكلة الطالبان’ أو ‘دولة أصولية راديكالية’؟ ومَن الذي سينشىء تلك الحكومة أو الدولة: السيستاني، أم الزرقاوي؟
وهل نفهم الآن، متأخرين كثيراً في الواقع، أنّ احتلال العراق لم يكن لتدمير أسلحة الدمار الشامل، ولا إنقاذ العراقيين من نير الدكتاتور، ولا صناعة وإهداء الأمثولة الديمقراطية إلى الجوار والمحيط الشمولي الإستبدادي بأسره، وإنما من أجل… صناعة أحدوثة جديدة في الصراع ضدّ الإسلام الراديكالي؟
وأين المعنى الأشدّ وضوحاً، وبروداً ونفياً للعواطف، بصدد مضمون وجدوى مفهوم المصلحة الوطنية الأمريكية، في استمرار الإحتلال الأمريكي للبلد؟ هل البقاء فيه إلى أن يتأكد البيت الأبيض (ويتلقى مستشار الأمن القومي، الجنرال جونز، أمراً بذلك من كيسنجر) أنّ أيّ وكلّ احتمالات قيام حكومة طالبانية (بأيّ مذهب: شيعي أم سنّي؟)، أو دولة أصولية (أين؟ في الجنوب، أم في الشمال، أم في الوسط؟)، قد طوي تماماً، وأنه تمّ استئصال ‘الإسلام الجذري’… من جذوره؟ وعلى أيّ ترتيبات ‘أمن جماعي’ في العراق ينبغي أن نضع علامات الإستفهام، من الطراز التي تحثّنا وصفة كيسنجر على استخدامه؟ تلك التي تعيد إحياء نظرية الإحتواء المزدوج، لتصبح اليوم احتواء فردياً وفردانياً لإيران؟ أم تلك التي تحتوي ‘قوس الإسلام التاريخي’، الذي رأى مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق زبغنيو برجنسكي، أنه ‘الحاضنة الخصبة الولاّدة لأعقد مآزق الغرب’؟ أم هي، أيضاً وأساساً وقبلئذ وبعدئذ، أمن إسرائيل وأمن النفط على قدم المساواة والتوافق والاتفاق؟
أغلب الظنّ أنّ اقتفاء إجابات عن مثل هذه الأسئلة هي التي تُبقي ظلّ كيسنجر حاضراً ثقيلاً في دهاليز السياسة الخارجية الأمريكية المعاصرة، فتجعل الجنرال جونز يلهج بحمد المعلّم الأكبر، ولا يتحرّج من القول على ملأ إنه يتلقى أوامر يومية منه. ولتذهب إلى الجحيم تلك القواعد والأسس التي لا تكرّس عبادة السياسة الواقعية، حتى إذا كانت تمتح من أفلاطونيات باراك حسين أوباما!
‘ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس
خاص – صفحات سورية –

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى